كرم جبر
كرم جبر


إنها مصر

«هصورك واحبسك»!

كرم جبر

الأربعاء، 15 أكتوبر 2025 - 07:53 م

«هصورك واحبسك» عبارة نسمعها فى الشوارع والمقاهى والمدارس والمواصلات، وصارت سلاحًا يرفعه البعض فى وجه الآخرين، لا بقوة القانون بل بفوضى الموبايل، وتحولت الكاميرا التى كانت وسيلة للتوثيق أو الفن أو الذكرى إلى أداة تهديد وابتزاز.

أصبحت الفيديوهات ساحة قضاء موازية لا تعرف العدالة ولا الرحمة، ونصّب البعض أنفسهم قضاة وجلادين، وأصبحت الكاميرا وسيلة لانتهاك الخصوصيات.. إذا وقع حادث فى الشارع يتزاحم المارة حول المصابين، لا لإنقاذهم أو الاتصال بالإسعاف، ولكن «صور وشيّر» على مواقع التواصل دون تفكير فى أثرها النفسى على أسر الضحايا أو المصابين، وتتبدد الإنسانية أمام «التريند» ويحل الفضول محل الرحمة، والاعتداء السافر على الحقوق الإنسانية المكفولة قانونًا ودستورًا.

تكررت حوادث الانتحار لفتيات بعد تسريب صور أو مقاطع لهن فى ساحات الفضائح المفتوحة، ومن السهل جدًا تشويه السمعة، واتهام الناس فى شرفهم، ولقطة عابرة قد تقضى على حياة إنسان، وتحوّل أسرته إلى ضحية دائمة، ويواصل كثيرون ممارسة «قضاء الشوارع الإلكترونى»، وكأنهم يحملون تفويضًا من العدالة نفسها.

القضية ليست قانونية فقط، فالقانون واضح فى تجريم هذه الأفعال، فالتصوير دون إذن أو نشر المحتوى بغرض التشهير، أو التنصت والتسجيل دون علم الطرف الآخر، كلها جرائم يعاقب عليها القانون بعقوبات مشددة، لكن الخلل الحقيقى فى الفهم المجتمعى، إذ يظن البعض أن الهاتف فى يده يمنحه سلطة محاكمة الناس، أو أنه باسم الفضيلة يحق له التجسس وكشف الأسرار والتجريس، متجاهلًا أن ما يفعله هو انتهاك صارخ للأخلاق قبل أن يكون انتهاكًا للقانون.

أصبحنا أمام ظاهرة أخطر من «محاكمات الشوارع» لأن «محاكم الموبايلات» أكثر انتشارًا وتأثيرًا، وأحكامها تُنفذ فورًا دون دفاع أو تحقيق، وكل شخص يمكن أن يتحول إلى متهم، وكل خطأ قد يصبح مادة للتشهير، والأسوأ أن هذه المحاكم لا تعرف النسيان، فكل ما يُنشر على الإنترنت يبقى حاضرًا للأبد، يطارد الضحية فى عمله وعلاقاته ومستقبله.

مسئولية مواجهة هذه الفوضى بالعقوبات القانونية الرادعة، والوعى المجتمعى أيضًا، ويجب أن يدرك الناس أن التصوير مسئولية أخلاقية، وأن نشر المحتوى الشخصى دون إذن هو جريمة ضد القانون وكرامة الإنسان، وإذا صادفك حادث أو واقعة وصورتها بدافع التوثيق، فمكان الصورة ليس «فيس بوك» أو «تيك توك»، بل الشرطة والنيابة، ولا تجعل من نفسك قاضيًا وجلادًا، فالمجتمع لا يحتمل مزيدًا من الفوضى.

الموبايلات جعلت العالم أكثر انكشافًا، والذكاء الحقيقى ليس فى سرعة النشر، بل فى الوعى بحدود الحرية والمسئولية، وكما توثق الكاميرا الحقيقة، يمكنها أيضًا أن تقتلها إذا وُضعت فى الأيدى الخطأ.

«هصورك واحبسك» عنوان لمرحلة جديدة من الفوضى الأخلاقية والاجتماعية التى تسود العالم، لا علاج لها إلا بالعقوبات المشددة والوعى والتربية، واحترام إنسانية الإنسان .

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة