محمد فريد أبو سعدة
محمد فريد أبو سعدة.. العائش فى العزلة
الأحد، 11 يناير 2026 - 08:06 م
السّماح عبد الله
بعد شهور قليلة سيدخل الشاعر الفريد فريد أبو سعدة عامه الثمانين، فهو من مواليد 1946، وقد أعد العدة كاملة لهذا الحدث الاستثنائى، أعدها كما يليق برجل خبر الدنيا فاكتشف أن طولها مثل عرضها، أعدها منذ عقد كامل، منذ دخل عامه السبعين، ونظر حواليه فاكتشف أنه لا طائل من أى شىء، ولا حاجة لأى شىء، ولا ثمة أفراح يمكن أن تظللنا غير راحة البال، فانسحب تدريجيا من منتدياتنا ومقاهينا وقاعاتنا، حمل عكازه، وعاد إلى المحلة الكبرى، كما أتى منها أول مرة، الفارق بين الرحلتين، أن الرحلة الأولى كان يحوطها الأمل، والرحلة الثانية كان يحوطها الأسى، ومشى فى الشوارع نفسها، بعكازه البنى، وأنفاسه المتقطعة، وقميصه المشجَّر، كانت الأمراض قد طرقت بابه مرة بعد مرة، وكان كثير من صحابته قد ماتوا أو انتحروا أو تزوجوا فى البلاد الغريبة، ولم يكن ثمة من يذهب إليه، فالشوارع تغيرت، والبيوت لم يعد يسكنها الحنين، فاتخذ القرار الجرئ، الانسحاب الكامل، أغلق صفحته فى الفيس بوك، وتسنَّد على عكازه البنى، ومشى فى رحلة عكسية من المحلة الكبرى حتى أطراف الجيزة، هناك وجد دارا للمسنين، فطرق الباب، ولما فتحوه، أخبرهم بأنه وحيد ومريض وعجوز وأصحابه ماتوا، فأفسحوا له مطرحا يليق برجل بهى الطلعة جميل الخطا حلو القميص، يحمل كثيرا من الذكريات التى يحوطها الأسى، ويتمتم أحيانا بقصائد الشعراء المتصوفين الذين تترقى صورهم الشعرية فى المدارج العالية.
ترى ما الذى يجعل رجلا حلو القميص مثله يشعر بالكبر؟ المشكلة أن جار النبى الحلو كتب روايته «العجوزان» عنهما، هو وفريد أبو سعدة، منذ عشرة أعوام، ومصمم الغلاف صممه على أساس أن بطلى الرواية طاعنان فى السن، فرسم عجوزين يتسندان على عكازين، ظهراهما منحنيان، وطريقهما قاحل، والشجرة التى يتجهان إليها، شجرة جرداء، لا ثمار فيها ولا طيور، ويبدو أنه صدق رسام الغلاف، مرة كان معى فى حوانيت الحسين، كان يتفرج على العكاكيز المرصوصة، ويقلب فيها، ويسأل عن أسعارها، ويقارن بين مقابضها الفضية والذهبية والنحاسية وبين مقبض عكازه البرونزى، أخذ فكرة كاملة، بدا أنه يخطط لشراء عكاز إضافى، سألته:
- لم لم نتفرج على كنك القهوة والسبيرتايات التى أتينا من أجلها؟

هو ابتسم وربت على كتفى قائلا:
- عندما تصبح عجوزا ستعرف.
وعندما جلسنا على مقهى الفيشاوى، حكى لى حكاية العكاكيز.
«فى البداية اضطررت اضطرارا للتعامل مع العكاز بعد أن فاجأتنى جلطة شديدة، ولم أكن مستسيغا لهذه الفكرة، كانت تشعرنى أننى أصبحت رجلا مهكعا، وما إن تعافيت من الجلطة وآثارها بالعلاج الدوائى والطبيعى، حتى رميت العكاز، ومشيت فى الأرض فرحا كعادتى، إلى أن فاجأتنى جلطة ثانية، كانت هذه المرة قوية جدا، حتى أنها أثرت تماما على نصف جسمى الشمالى، فعدت إليه مضطرا، ثم صاحبته، واعتدت عليه، وبالرغم من أننى تعافيت أيضا من الجلطة الثانية، إلا أننى أصبحت لا أستطيع الاستغناء عن العكاز».

ثم رفع العكاز فى وجهى وسألنى:
- هل تعرف من أين هذا العكاز؟
قبل أن أجيبه، واصل كلامه:
«من باكستان، وقد أهداه لى صديق باكستانى لابنى، وهو من أفضل العكاكيز التى فى حوزتى، لأن الفلكلور الباكستى واضح تماما من هذه النقوش التى عليه، كما أننى أملك عكاكيز أخرى أهدانيها بدر الرفاعى وجار النبى الحلو».
العلاقة بين العجوزين جار وفريد، قديمة جدا، وكان معهما عجوز ثالث هو محمد المنسى قنديل، والذى حدث أن سقف مدرسة المحلة الثانوية التى يدرس فيها التلميذ محمد المنسى قنديل فى الستينيات المتقدمة من القرن العشرين وقع على أرضيتها، فحولوا طلابها لمدرسة طلعت حرب الثانوية التى يدرس فيها التلميذ فريد أبو سعدة، فقرب ما بينهما حب الأدب، والمنسى هو الذى عرفه بجار النبى، فصاروا ثلاثة مهووسين بالكتابة، لم يكونوا قادرين على تحديد هوياتهم التى عرفناهم بها فيما بعد، كانوا يكتبون الشعر والقصة والمقالة، حتى حسم فريد الأمر عندما قال لهما حازما بأنهما ليسا شاعرين، فتخصصا فى السرد، ولكى يكمل مقام الكلام، انتقل ثلاثتهم لمقهى البستان الذى يملكه والد صديقهم يحيى البستان، وأنشأوا فى أحد أركانه ثلاثة أرفف رصوا عليها كتبا كنواة لمكتبة، وأنشأوا على جداره الخارجى مجلة حائط كانوا ينشرون فيها كتاباتهم الأولى، لكن أغرب ما كانوا يفعلونه هو خطابات آخر الليل، حيث كانت جلسات المدرسة الصباحية تنتهى، وجلسات المقهى المسائية تنفد، غير أن الكلام فى الشعر والسرد والمسرح لا يريد أن ينتهى، فكانوا يعودون لبيوتهم آخر الليل، وبدلا من استذكار الدروس كانوا يكتبون لبعضهم خطابات يكملون فيها الكلام الذى قطعه نفاد الوقت فى المقهى، والحقيقة أن الثلاثة لم يكونوا مجرد كتاب ناشئين، بل كانوا أصحاب رؤى فلسفية، وأفكار من النوع العميق، تشهد بذلك مجلة الحائط التى كتب فيها فريد أن الفن للحياة، وكتب فيها المنسى أن الفن للفن، بينما كانت وجهة نظر جار النبى هى الفن للناس.

كانوا قد كبروا بعض الشىء، وانضموا لما عُرِف فيما بعد بشلة المحلة، ولأن الشعر هو البوابة التى يدلف منها كل الكتاب إلى عالم الثقافة، فقد كان صديقهم نصر حامد أبو زيد يكتب الشعر، يكتبه بالعامية، ويكتبه بالفصحى، ونشرت له مجلة الثقافة فى عدد أبريل من عام 1970 قصيدة يشتبك فيها مع نزار قبانى، يقول له:
لكنك يا شاعرنا الأكبر ما زلت تغنى
لعشيقتك السمراء بقاعات الهيلتون
ولذات النهد الرجراج بباريس
ولساق الثالثة الأخرى فى مدريد
وغناؤك رغم الأحزان يدق الباب
يدخل دون استئذان ردهات الدار
ليعكّر صفو الحزن الجاثم فى الأعماق
معذرة يا سيدى الشاعر فأنا أيضا شاعر
لكنى من أعماق الريف أغنى
للأرض لكى تنبت عودا أخضر
يأكله الأطفال الجوعى.

من الجلى طبعاً أن نتفق على أن مثل هذا الكلام على اتساق موسيقيته وسلامة لغته، يميل للفكر وليس للشعر، كما أنه ليس له منطق، فالشاعر الذى يتغنى بالمرأة وبأشيائها الجميلة، نهوداً كانت أم سيقاناً، لا يعيبه ذلك فى شىء، فهو موروث منذ امرىء القيس وطرفة بن العبد، كما أن التغنى بالمرأة وبأشيائها، لا يمنع الشاعر إطلاقا من أن يتغنى للأطفال الجوعى، ولأن الفكرة كانت هى الأكثر ملحوظية فى كتابات نصر حامد أبوزيد، فقد ترك الشعر نهائيا، وتخصص فى الدراسات الأدبية، ثم جنح إلى الدراسات القرآنية، الأمر الذى جعله فى مرمى السهام طوال الوقت، وكان من أبرز الأسباب التى دعته لترك الشعر، ما قاله له فريد أبو سعدة، بحسم أيضا كما قاله من قبل لصديقيه: أنت لست شاعرا.
فى دار سينا للنشر بقصر العينى، قابلت الدكتور نصر حامد أبو زيد، وسألته مازحاً:
- ألم يكن من الأفضل لك يا دكتور أن تكمل مسيرتك فى الشعر بدلا من وجع القلب هذا الذى أنت فيه؟
لكنه رد علىَّ جادا جدا:
- وهل تظن أن الشعراء بعيدون عن وجع القلب هذا؟
يمكننا اعتبار المسرح هو البوابة الحقيقية للدخول للعالم الشعرى للشاعر فريد أبو سعدة، فإلى جانب أعماله المسرحية التى تجاوزت الخمسة إصدارات، نستطيع أن نرى بعين الراصد أن تجربته الشعرية كلها عبارة عن فضاء مسرحى، خشبة وستارة ونصوص وشخوص، وهو ابن الموسيقى، راقص عجائبى، قصيدته التفعيلية مدهشة الخيال وصوره التخييلية مولدة وكأنها أتى بها ساحر يملك أسرارا مخفية، وقد استمر فى المرحلة الموسيقية قرابة الدواوين الأربعة الأولى، وكان يجرب قصيدة النثر فى الخفاء، حتى أنه كان يسرب فى هذه الدواوين الأولى بعض هذه التجارب دون أن يصرح أنها قصائد نثر، لم يكن المصطلح قد تم الاتفاق عليه بعد، حتى استتب الأمر عندما قامت قيامة النثر فى الشعر، وتوجه الغالبية العظمى من الشعراء، ومن غير الشعراء، إلى هذا النوع من الكتابة، عندها، أفصح هو عن وجهه النثرى البهيج، يقول فى شهادته عن قصيدة النثر:
براح الشعر يتمم كماله العروضى، ويؤسس تقاليده، وظل السجع يمارس ألعابه فى الخطابة والأمثال وجوامع الكلم والملاحن، يخترق اللغة، وينتهك النحو ضاربا المثل للشعر الذى سيتبعه أيضا فيما عرف بالضرورة الشعرية، خرج الشعر من النثر إذن وظل، رغم مهابته، يتعلم منه، فهو يطور نفسه بعين ويتلصص بالأخرى على أفاعيل النثر، وظلت موسيقى النثر حيوية إيقاعية تلهم وتغرى بالانضباط دون أن تتورط فيه، حيوية متمردة أبدا، تصنع الشكل لتكسره فى مراوغات مدهشة .
اشتجر فريد أبوسعدة فى مرحلته النثرية مع النصوص المقدسة، ليقدم أنموذجا جديدا على الذائقة العربية، هذا الأنموذج الذى يحتفى بالاقتصاد اللغوى الذى استقاه من القرآن الكريم، ويحتفى بالماهية الرهبوتية للذات العليا كما تتجلى فى التوراة:
راحت تصلّى حتى ظهر لها رجلٌ من الذهب الإبريز
انحنى وقال أنا خادم الأحد
واسمى «المُذَهَّبُ»
قالت: هل جاء رقيائيل
أشار لها
فرأت من النافذة قبَّةً من سندس أخضر
وعليها لواء أخضر
وباب القبَّة مفتوح
وعنده خمسة أعوانٍ قائمون
لابسون ثيابًا خضرًا
ورأت الملاك يروح ويجىء أمام القبّة
بينما
ينصبون له كرسيًّا من نور
اقتحم فريد أبو سعدة القاهرة، بعد أن اكتشف أن أصدقاءه كلهم من شلة المحلة أمثال جابر عصفور ونصر حامد أبو زيد وسعيد الكفراوى ومحمد صالح سبقوه فى اقتحامها، كان بالضبط فى الثلاثين من عمره عندما قرر إصدار ديوانه الأول «وشم الوردة والحصان»، هو كان مؤمنا بأهمية أن تصدر المؤسسة دواوين الشعراء، فلم يشأ أن يجرب النشر الخاص الذى كان شائعا فى ذلك الوقت، فيما اصطلح على تسميته بثورة الماستر، فهو كدارس للفنون لا يستطيع أن يتعامل مع ديوانه إلا من خلال إخراج فنى جيد لا تتيحه طباعة الماستر التى هى أقرب إلى البدائية، فتوجه إلى هيئة الكتاب، وقابل الشاعر صلاح عبد الصبور، وقدم له الديوان، صلاح عبد الصبور أعجب جدا به، وحوله للجنة الفحص، لم تكن التقاليد تسمح له فى ذلك الوقت بنشر أى كتاب بدون تقرير فحص، وكان الفاحص هو الشاعر بدر توفيق، الذى اعترض على بعض العبارات، وطالبه بتغييرها، لكنه رفض التغيير، واقترح كحل لهذه الإشكالية العويصة، استبدال القصائد التى بها هذه الجمل المربكة، بقصائد أخرى جملها الشعرية لا تثير قلاقل من أى نوع، ووافقه الفاحص، وبالفعل تم الأمر على أكمل وجه، ولم يتبق غير أن ينشر الديوان، فتركه فى حوزة المؤسسة، وذهب للعمل فى جدة بالسعودية التى قضى فيها خمس سنوات، وعندما عاد اكتشف أن الديوان لم يصبه الدور بعد، كان صلاح عبد الصبور قد مات، وبدر توفيق قد سافر إلى ألمانيا، والديوان مفقود فى أضابير الهيئة، وهكذا وئد حلم الديوان الأول، كان رفاقه المؤسسون الأوائل لجيل السبعينيات الشعرى قد أصدروا دواوينهم الأولى ومجلاتهم الخاصة وبياناتهم المرسخة لرؤاهم الجديدة التى تثور على قصيدة الرواد، وتؤسس للحداثة المغايرة، ولم يحل له هذه الإشكالية غير صديقيه القديمين أحمد عزت سليم وفاروق خلف، اللذين عرضا عليه طباعة الديوان ضمن منشورات الرافعى، والرافعى سلسلة ماسترية بطبيعة الحال، كان على مشارف الأربعين من عمره، وبلا ديوان، ورفاقه السبعينيون الذين كانوا فى الثلاثينيات من عمرهم، قد أصدروا أكثر من ديوان لكل واحد فيهم، فلم يجد بدا من التنازل بعض الشىء عن رؤيته الفنية للديوان، وعاد إلى قصائد ديوانه الذى ضاع فى أضابير الهيئة، يحذف منه، ويضيف إليه، حتى استقر على شكله النهائى، وبطبيعة الحال، لم يكن العنوان القديم مناسبا، فاهتدى إلى السفر إلى «منابت الأنهار»، ليكون باكورة دواويته الذى تأخر لأكثر من عشرة أعوام.
فى هذا الديوان بدا واضحاً تأثر فريد أبوسعدة بصلاح عبد الصبور وبأمل دنقل، هذا التأثر الذى سرعان ما سيتوارى شيئاً فشيئاً، لحساب شاعرين آخرين هما أدونيس ومحمد عفيفى مطر، وبمرور الوقت سيعثر فريد أبو سعدة على فرادة صوته وخصوصية تجربته عندما يقع فى فرائس المتصوفة والمتكلمين، وكأنه كان بحاجة لمن يرشده إلى هذا المنحى، وعندما وجده، قبض عليه بيديه الاثنتين وكأنه خلاصه الأبدى، ليجبر النقاد على التعامل معه كأحد أبرز الأصوات فى الحلقة السبعينية، من خارج دائرتى «إضاءة 77» و«أصوات».
أمس زارنى السهروردى
سلم علىَّ بالولاية وجلس يشرب الشاى

كنا نتحدث عن الموت فقال:
قتلنى خليلى ثلاث مرات
سلط علىَّ جوعى مرة
وألقانى من سور القلعة مرة
وفى الثالثة خنقنى بيديه
كنت كلما فعل عاتبته وأظهرت له المودة
حتى كانت الثالثة فغضبت
ورحت أزوره فى المنام مخنوقا
حتى تورمت عيناه
وقتلتْهُ اليقظة!
لماذا لم يدخل فريد أبو سعدة إحدى هاتين الدائرتين؟
السؤال على بساطته، معقد، فكثير من الشعراء السبعينيين الجادين لا ينتمون إليهما، لدينا فى أقاليم مصر مثلا أسماء شديدة التفرد، مثل حسن النجار وصلاح اللقانى ومحمد الشهاوى وسواهم، ولدينا فى القاهرة محمد صالح وأحمد الحوتى ومحمد يوسف وغيرهم، وهى أصوات سيصبح المشهد السبعينى منقوصا إن استبعدناها، أما إجابة السؤال، فهى أن فريد أبو سعدة، ومنذ بدايات السبعينيات، كان منتميا لجماعة أخرى، هى جمعية كتاب الغد، وهى جماعة مؤدلجة، الأمر الذى تسبب فى اعتقال كثير من أعضائها، وقد كان السؤال السياسى لها أقوى من السؤال الثقافى، بعكس جماعتى «أصوات» و«إضاءة 77» اللتين أتتا بعدها، فقد كانتا معنيتين بالأساس بالسؤال الثقافى، وقد كاد فريد أبو سعدة بالفعل أن يصبح شاعرا أصواتيا، وذلك عندما طلب منه الشاعر أحمد طه مائة جنيه لينشر ديوانه فى إصدارات الجماعة، كما يفعل أعضاؤها أمثال عبد المنعم رمضان ومحمد سليمان ومحمد عيد إيراهيم، لكنه رفض، وبذلك وقف بطوله على الجسر السبعينى، واستطعنا جميعا أن نراه فى هيأته البهية، دون حاجة لشرعية ما.
فريد أبوسعدة يبتغى فى الفن ما لا يُبتغى، وأحيانا كثيرة تنتابه الحالة التى انتابت أبا حيان التوحيدى الذى حرق كتبه، لأن قصائده بعد أن ينشرها لا تعجبه، حتى أن هذا المعنى دخل لشعره، ففى قصيدته «التمثال» يحدثنا عن التمثال الجميل الذى صنعه، ليكتشف أن كل المحاولات كانت ناقصة ولا تليق بمكانته، وأدرك أن فى إمكانه أفضل من ذلك لكنه كان قد أضاع يديه فلجأ لأصدقائه من النَّحاتين، لكن أحدا لم يستطع أن يرى ما يراه!
العزلة التى اختارها فريد أبو سعدة لنفسه، لم تجعله غائباً عن المشهد، بل جعلتنا نعاين جماله الشعرى أكثر فأكثر، فى ملتقى قصيدة النثر الأخير، الذى احتفى به وبتجربته الباذخة، قال عنه الشاعر جمال القصاص: «فريد أبو سعدة حلقة متصلة بالروح يجب أن أشعر بالرضا وأنا أكتب هذه الكلمات عنه لكننى مع ذلك أشعر بنوع من الرهبة كأننى مقبل على جلسة أعترف فيها بمحبة الشعر، أن تقول نعم لفريد أبو سعدة، معنى ذلك أن ترتضى الحياة فى دروتها الاعتيادية الأليفة، وأن تقول لا لتكسر القواعد، وترش قليلاً من الملح فوق الرموز والدلالات وربما تقفز فى الماضى، هنا الشعر، هنا حريتى، معنى أن أكون أو لا أكون، هنا السفر إلى منابع الأنهار وأشياء أخرى، حين تعلق الحياة صلواتها فى شكل أمنية أو قصيدة أو دمعة لم تبلغ سن الرشد. وهو ما أسميه الوقوف بين التخوم».
فى بداية غيابه، وكان ذلك منذ ثلاث سنوات، كتبت فى صفحتى على الفيس بوك متسائلاً: أين الشاعر فريد أبوسعدة؟
التعليقات التى كتبها الأصدقاء كانت شديدة الغرائبية، واحد قال إنه ذهب فى موعد غرامى طويل الأجل، وواحد قال إنه رآه فى حضرة صوفية فى مولد السيد البدوى، وواحد أكد أنه اغتاظ من أفعال وزيرة الثقافة فقرر أن يحرجها، فتاه، الموضوع كله فى رقبة السيدة الوزيرة.
فى هذه الفترة كان فريد أبو سعدة لم يغلق هاتفه بعد، فكلمته، وطمأننى بأنه بخير، لكنه لم يقل لى أى تفاصيل من أى نوع، الأسبوع الماضى كلمت جار النبى الحلو، كنت متيقنا بأنه يعرف كل شىء عن صاحبه القديم، لكنه فاجأنى بأنه منذ ثلاث سنوت لا يعرف عنه شيئا على الإطلاق.
صديقى الشاعر البهى فريد أبو سعدة، نحن فى حاجة لأن نطمئن عليك لا أكثر، أعرف أنك تمر بمرحلة السلام الآمن الآن، فى عزلتك الاختيارية بدار للمسنين على أطراف الجيزة، لكنك بالتأكيد تعرف أحوال الشوق، وتعرف أن صاحبى وصاحبك ابن الفارض يقول:
أدر ذكر من أهوى ولو بملام
فإن أحاديث الحبيب مدامى
ليشهد سمعى من أحب وإن نأى
بطيف ملام لا بطيف منام.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
المعمار ماهر استينو
خالد عصام: الكتابة عملية اكتشاف تجرى داخل النص نفسه
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين
الصمت… حين تتراجع اللغة ويتقدم المعنى
فى محاضرة علمية بالقاهرة إعادة اكتشاف المصادر العربية لعلم المصريات
الروائى السورى هيثم حسين: الألم يسبق اللغة
د. خالد توفيق: التجربة اليابانية أفضل خطة للنهوض بالمركز القومى للترجمة







