ميرتشا كارتاريسكو
رومانيا . . أدب وادباء |ميرتشا كارتاريسكو.. عاشق الفراشات
الأحد، 25 يناير 2026 - 10:20 م
فيليب أولترمان
ترجمة: أسماء يس
فى عام 2014، وخلال جولة ترويجية لكتابه فى أنحاء الولايات المتحدة، تمكن ميرتشا كارتاريسكو من تحقيق حلم راوده طويلاً؛ زيارة مجموعة الفراشات الخاصة بڤلاديمير نابوكوڤ كارتاريسكو من جمهور الكاتب الروسى الأمريكي، ويشترك معه فى مسيرة أدبية تربط بين الثقافتين الغربية والشرقية، كما أن الاثنين رُشحا لجائزة نوبل فى الأدب ولم يفوزا بها.
الأهم من ذلك، أن الشاعر والروائى الرومانى يشارك نابوكوڤ شغفه بالفراشات. ففى طفولته، حلم أن يصبح عالم فراشات وخلال زيارة لجامعة هارڤارد، سُمح له بدخول مكتب نابوكوڤ، فانبهر بالعينات التى جمعها الكاتب المولود فى سانت بطرسبرج.
يقول كارتاريسكو منبهرًا: «كان أهم أعماله العلمية عن الأعضاء التناسلية للفراشات، ورأيت قوارير صغيرة جدًا تحويها… كانت جميلة جدًا، أشبه بصورة من قصيدة أو قصة».
يبدو الافتتان بأعضاء الفراشات التناسلية منطقيًّا؛ فثلاثية كارتاريسكو «المبهرة» التى اختارها النقاد رواية العقد الرومانية عام 2010، مصممة على شكل فراشة، إذ يمثل الجزءان الأول والثالث الجناحين، بينما يمثل الجزء الأوسط الجسم.
فى «الجناح الأيسر»، الجزء الأول الذى تنشره دار بنجوين بعد ما يقرب من 30 عامًا من صدوره باللغة الرومانية، ترفرف الفراشات فى كل صفحة تقريبًا. لكنها مع ذلك نادرًا ما تظهر ككائنات أثيرية.
بين المذكرات الشخصية وعالم الأحلام، يصور مشهد سوريالى مميز مجموعة قرويين فى العصور الوسطى يكتشفون سربًا من فراشات عملاقة متجمدة تحت جليد نهر الدانوب، تشبه الماموث. بطول 20 خطوة وعرض 40 خطوة. ينبهر القرويون بجمال الحشرات، ثم يشرعون فى تكسير الجليد وسلقها مثل الاستاكوزا، لإعداد وليمة فاخرة!
يقول كارتاريسكو فى مكالمة ڤيديو من شقته فى بوخارست: «كان نابوكوف فنانًا بارعًا، لكن صلته بالأدب الخيالى والسوريالية كانت أقل من صلتي… صورة الفراشات الضخمة تحت جليد نهر الدانوب ربما تكون مستلهمة من أعمال سلڤادور دالى أو چورچيو دى شيريكو، الفنانان اللذان طالما شعرت بتقارب مع خيالهما».
وصفت ثلاثية «العمى» بأنها تضفى على بوخارست ما أضفته رواية «يوليسيس» لچيمس چويس على دبلن، إذ حوَّلت مسقط رأس الكاتب إلى شخصية بحد ذاتها، لكنها فى الوقت نفسه من تلك الشخصيات التى قد يجدها الواحد متورطة فى فعل فظيع فى زاوية لوحة لبرويجل.
من شقته فى الطابق الخامس المطلة على شارع ستيڤان سيل ماري، يتخيل راوى كارتاريسكو تماثيل المدينة البرونزية الخضراء وهى تنزل من قواعدها لتتزاوج مع تماثيل الجورجونات الجيرية [شخصيات أسطورية من الميثولوچيا الإغريقية]. ويظهر له مبنى سكنى شاهق أحمر فى شارع أورانوس كأنه «قضيب المدينة». لكنه يرى أن هذه الكتب ليست رسائل حب إلى مسقط رأسه «لقد انتقمت أدبيًّا وأسلوبيًّا ممن سرقوا شبابي».
ولد كارتاريسكو فى الأول من يونيو 1956، ونشأ فى دولة شيوعية ضمن نطاق نفوذ الاتحاد السوڤيتي، رغم أن وضع رومانيا كدولة تابعة كان معروفًا بالتمرد الشديد.
لعب والده، الذى يشبه فى أسلوبه أسلوب سويفت فى الجزء الثالث من رواية «العمى»، دورًا فعالاً -وإن كان ثانويًّا- فى إدارة النظام الشيوعي، وفجع عندما انهار الستار الحديدى عام 1989.
ويتذكر كارتاريسكو أنه بعدما سمع نبأ فرار الرئيس نيكولاى تشاوشيسكو من البلاد مع زوجته بالهليكوبتر: «ذهب إلى المطبخ ووضع كتاب الحزب الأحمر على البوتاجاز وأشعل فيه النار... كان يبكى طوال الوقت لأنه آمن بالشيوعية، والآن أدرك أن كل شيء كان محض كذبة».
أما كارتاريسكو الابن، فقد كان له رأى آخر. ففى شبابه، كان شخصية بارزة فى الحركة الثقافية المتأثرة بحركة «البيتنيك»، المعروفة باسم «جيل الچينز الأزرق»، الذين يستمعون إلى أسطوانات البيتلز المهربة من الهند، ويحفظون قصيدة «عواء» لألن جينسبرج عن ظهر قلب «كان هذا مصطلحًا ساخرًا؛ كنا جميعًا نرتدى الچينز الأزرق، ليس الأصلى من ماركة رانجلر، بل نوع رخيص من إنتاج أحد مصانع الملابس فى رومانيا».
يشعر كارتاريسكو بأن انهيار الاتحاد السوڤيتى كان تحررًا، ويتذكر: «بعد الثورة، أصبحت مواطنًا عالميًّا» ورغم أنه يقيم الآن فى رومانيا مجددًا، فإنه، بحسب تقديره، أمضى ثلث حياته بعد الحرب الباردة فى الخارج، ولم يكتب سوى الصفحات الأولى من ثلاثية «العمى» فى بوخارست.
أما بقية العمل، الذى يبلغ 1400 صفحة، فقد أنجزه على مدى 14 عامًا فى أمستردام وبرلين وبودابست وشتوتجارت. ويقول إن فراشته المفضلة هى فراشة الملك، لأنها تهاجر آلاف الكيلومترات كل عام.
فى السنوات الأخيرة، بدأت كتبه تحظى بالشهرة العالمية التى يطمح إليها؛ فقد وصلت روايته «الوشيعة» إلى القائمة الطويلة لجائزة بوكر الدولية هذا العام؛ وأدرجت مجلة دير شبيجل الألمانية روايته «الجناح اليساري» ضمن قائمة أفضل 100 كتاب فى العالم؛ كما نشرت لها ترجمة جديدة فى فرنسا هذا العام.
ربما يكون ترشيحه لجائزة نوبل فى الأدب على مدى السنوات العشر الماضية عاملاً من عوامل هذا النجاح المتجدد؛ ففى عامى 2023 و2025، بلغت احتمالات فوزه 11/1، وهى احتمالات واعدة تضاهى احتمالات فوز أحد أبرز كتابه المفضلين؛ توماس بينشون. فهل سئم من انتظار دعوة الأكاديمية السويدية؟
يقول: «لم أنتظر اتصالاً قط… أنا ممتن لمن يروننى جديرًا بها، لأن مجرد التفكير فى استحقاقى لجائزة نوبل، حتى ولو مجرد إشاعة، شرف عظيم».
ربما يؤثر فوز لاسلو كراسناهوركاي، من المجر المجاورة، هذا العام سلبًّا على فرصه، ويحد من إقبال من الأكاديمية على كاتب آخر من أوروبا الشرقية يميل إلى أدب نهاية العالم والسيرك المتنقل. على كل حال، يشهد الأدب القادم من المناطق الحدودية بين شرق أوروبا وغربها ازدهارًا ملحوظًا. فالكاتبة البولندية أولجا توكارتشوك والكاتب البلغارى چورچى جوسبودينوف لا يحظيان بإعجاب النقاد فحسب، بل يقرآن بشغف جماهيرى كبير.
يقول كارتاريسكو: «أعتقد أننا نستطيع اليوم الحديث عن طفرة فى أدباء الشرق، وأنا فخور جدًا بأن أكون جزءًا منها». يمكن مقارنة ذلك بما حدث فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضى مع كتاب من أمريكا اللاتينية مثل جارثيا ماركيز، وبارجاس يوسا، وبورخس.
لكن ما الذى يجعل الكتابة فى أوروبا الشرقية بهذه الحيوية؟ يقول: «كثير منهم كتَّاب غير تجاريين على الإطلاق… لم يفكروا قط فى مراكمة المال أو الحصول على جوائز؛ كانوا يعشقون الأدب حقًا. ومتفانون تمامًا فى فنهم».
لكن رغم الإشادة النقدية الواسعة، فلم يحظ كارتاريسكو قط بقبول كامل من المؤسسة الأدبية، ففى وقت سابق من هذا العام، وبشكل مثير للجدل، رفضت الأكاديمية الرومانية انضمامه إلى جمعيتها العامة، بفارق صوت واحد فقط. حتى إن نيكولاى بريبان أحد كبار أعضاء الأكاديمية صرَّح لوسائل إعلام رومانية أن أعماله ليست على المستوى المطلوب: «فى أعمال دوستويفسكى عشرات الشخصيات، وفى أعمال توماس مان عشرات الشخصيات… أما فى رواية ميرتشا كارتاريسكو، فلا يوجد سوى ثلاث شخصيات: الأب والأم وميرتشا».
لكن ميرتشا يؤكد أنه غير مكترث إطلاقًا بهذا التجاهل «شعرت بارتياح كبير لعدم انضمامي… أعتقد أننى لستُ مؤهلاً لذلك، فأنا لست أكاديميًّا على الإطلاق». لكن رغم وضعه كغريب عن الأوساط الأكاديمية، فإن ثمة جوانب رومانية واضحة فى كتبه؛ تناوله للدين، مثلاً. فمثلما هو الحال فى أماكن أخرى من الكتلة الشرقية، قُمعت الأنشطة الكنسية فى رومانيا خلال الحقبة الشيوعية، ويتذكر «عندما كنت طفلاً، لم نكن نذهب إلى الكنيسة قط، ولم يكن لدينا كتاب مقدس فى بيتنا، وحتى بلغت الثلاثين، كنت أعتقد أن الإنجيل مجرد مجموعة من المواعظ».
لكن إذا كانت بعض المناطق الواقعة شرق الستار الحديدى هى اليوم من أكثر المناطق علمانية فى أوروبا، مثل ألمانيا الشرقية سابقًا، وجمهورية التشيك، وبعض دول البلطيق، فقد عادت الكنيسة فى رومانيا إلى الحياة بقوة؛ إذ وفقًا لتعداد عام 2021، يعرِّف أكثر من 73% من السكان أنفسهم كمسيحيين أرثوذكس: «عندما أهدانى أحدهم إنجيلاً للمرة الأولى، ترددت فى تصفحه، لكنى ما إن بدأت القراءة لم أستطع التوقف… وأدركت أنه ليس مجرد كتاب مقدس، بل أعظم رواية كتبت على الإطلاق… تشبع عقلى ببلاغة النص، وبشعر الأنبياء الرائع، وحكم يسوع الاستثنائية».
من أبرز المشاهد فى رواية «الجناح اليسارى» معركة ملحمية، أشبه بأفلام «المنتقمون»، بين جيش من الملائكة ذوى السيوف ذات الحدين وجحافل من «الكاكوديمونات» [الأرواح الشيطانية الشريرة] ذات القرون والأجنحة، وفى النهاية تطرد الوحوش إلى الظلام بفضل ترانيم الملائكة.
يرى كارتاريسكو أن «الأديان جنون، ومع ذلك فهى السبيل الوحيد، لأنها المخرج الوحيد من عالمنا الذى يمكن للعقل أن يتخيله». لعل علاقة كارتاريسكو المتناقضة بوطنه الأم هى أكثر ما يميزه كروماني.
تمتلك رومانيا أكبر جالية رومانية فى الاتحاد الأوروبي، فقد بلغ عدد المواطنين الرومانيين المقيمين فى دول الاتحاد الأوروبى 3.1 مليون نسمة عام 2024. ومع ذلك، ففى إعادة الانتخابات الرئاسية التى جرت فى مايو هذا العام، صوتت أغلبية واضحة من هؤلاء المغتربين لمرشح قومى متطرف، على غرار حركة «ماجا»!
يعلق كارتاريسكو على ذلك: «لفترة، كان المغتربون أكثر الشعوب ديموقراطية وتقدمًا، لكننا فوجئنا كثيرًا بانقلابهم التام… صاروا يحسدون الرومانيين المقيمين فى رومانيا لأنهم بدأوا يكسبون أموالاً أكثر منهم فى الخارج… بل وصل بهم الأمر إلى كراهية وطنهم لدرجة أنهم تمنوا تدميره».
لكنه مع ذلك يصر على أن الرومانيين كانوا دائمًا أوروبيين وسيظلون. ويضيف: «ربما كان يوم انضمامهم إلى الاتحاد الأوروبى عام ٢٠٠٧ أهم يوم فى تاريخنا… حتى وإن كانت الحركات الفاشية أو المتطرفة قوية جدًا فى رومانيا الآن، فإننا نأمل أن تتلاشى».
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
وظيفة الشاهد
ليست مجرد محاكاة للماضى: كتابة رواية تاريخية بأسلوب جديد
راهب بيت لحم
بعد فوز روايته بجائزة الجونكور
الرجل الكامن وراء الأسطورة
زينب السجينى.. دوائر الألفة والونس
لماذا السير الذاتية أقدر الكتب على تحدى «الطبيعى»؟
رشيد بنزين: الأدب لا يعيد الأموات لكنه يحفظ المقاومة
بعد حصولها على جائزة جونكور للشباب: ناتاشا أبانا: الرواية هى الجملة الأولى









