داليا جمال
أما قبل
مصر بيت أبونا
الجمعة، 30 يناير 2026 - 09:07 م
البيوت لها أصحاب، والتاريخ له أهل، والحضارات لا تُورَّث بالادعاء ولا تُنتزع بالهتاف. ومصر، التى فتحت أبوابها للعالم قرونًا، لم تفعل ذلك يومًا لتسمح بتزييف تاريخها أو السطو على هويتها. ما نشهده اليوم ليس نقاشًا أكاديميًا بريئًا، بل محاولة منظمة لإعادة كتابة التاريخ بمنطق القوة لا الحقيقة، وبصوت عالٍ يخفى وراءه محاولة استيلاء على حضارة المصريين.
فتحت لافتة ما يُسمّى بـ «المركزية الإفريقية» أو «الأفرو سنتريك»، ظهرت فى ثمانينيات القرن الماضى حركة فكرية يتزعمها موليفى أسانتى، تزعم أنها تسعى لإنصاف الهوية الإفريقية بعد ما تعتبره تهميشاً غربياً لدور القارة فى التاريخ الإنسانى. غير أن هذه الحركة لم تكتفِ بإعادة قراءة الماضى، بل تجاوزت ذلك إلى ادعاءاتٍ خطيرة، فى مقدمتها محاولة نسب الحضارة المصرية القديمة، بما تحمله من عمق وتعقيد وإنجازاتٍ مذهلة، إلى أصول زنجية خالصة، فى تجاهل فجّ للأدلة الأثرية والعلمية واللغوية المتراكمة عبر قرون.
وهنا تتحول القضية من خلافٍ فكرى إلى اعتداء صريح على التاريخ، ومن بحث عن هوية إلى مصادرة هوية الآخرين. فمصر لم تكن يومًا صفحة بيضاء يكتب عليها من يشاء، ولم تكن حضارتها نتاج عِرق واحد أو قارة منعزلة، بل ثمرة شعب تشكّل على هذه الأرض، وترك بصمته واضحة فى الحجر والنص واللغة والطقس والوجدان.
الأخطر أن هذا الطرح يُقدم أحياناً كحقيقة للأجيال الجديدة عبر منصات التواصل، وتُستخدم كسلاح لخلق صراع وهمى بين شعوب يُفترض أن يجمعها الاحترام لا التنازع على الماضى. ولهذا لم يكن غريباً أن يصفه عدد كبير من المؤرخين والباحثين بأنه تاريخ زائف، لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يسعى لانتزاع حضارات الغير تحت دعاوى براقة بلا سند.
مصر لا تعادى أحدًا، لكنها ترفض أن تكون غنيمة فكرية أو مادة للمزايدة. تاريخها ليس محل تفاوض، وحضارتها ليست موضوعًا لإعادة النسب وفق أهواء سياسية أو عقد نقص متأخرة.
مصر هى بيت أبونا، وجدّنا، وجد جدّنا.. والغرباء لا مكان لهم فى تاريخنا.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا
فتحى سند يكتب: لا مؤاخذة!
عمران المدن الجديدة استراتيجية واجبة
عودة الروح لشوارع القاهرة
دبلوماسية الموقف المشترك
الأمن القومى العربى
«الكدب مالوش رجلين»