د. حسنى قطب أثناء الكشف على إحدى المريضات وفى الإطار مع محرر «الأخبار»
د. حسنى قطب أثناء الكشف على إحدى المريضات وفى الإطار مع محرر «الأخبار»


على خطى مشالى| د. حسنى قطب يكمل رحلة طبيب الغلابة فى الغربية

فوزي دهب

الخميس، 26 فبراير 2026 - 09:03 م

قلوب تبنى وأيادٍ تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل، حين تصفو القلوب. تتجدد حكايات الخير، بعيدا عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تروى القصص بحثا عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم، وأن التضامن ليس موسما، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثرا يبقى طويلا فى قلوب وعقول الناس.

فى قلب مدينة طنطا وعلى مقربة من ميدان العارف بالله سيدى أحمد البدوى لا تزال شعلة إنسانية متقدة لم يخمدها رحيل صاحبها ولم تطفئها تقلبات الزمن. 

هنا حيث تختلط أصوات المارة بأنين المرضى ودعوات البسطاء تقف عيادة صغيرة شاهدًا حيًا على معنى العطاء حين يتحول إلى أسلوب حياة وعلى رسالة طبية لم تعرف يومًا طريقها إلى الأرقام والحسابات، بل سكنت القلوب قبل الأجساد.

العطاء كما يقول الحكماء فعل نبيل لا ينتظر مقابلًا، فهو ينبع من قلب نقى ويمنح صاحبه قبل غيره شعورًا بالرضا والسكينة، وربما يكون أجمل صور العطاء تلك التى تمنح فى لحظات الضعف الإنسانى حين يقف المريض محتاجًا إلى طبيب لا يراه حالة طبية فحسب، بل إنسانًا له حكاية ووجعا وأملا.

من هذا المعنى الإنسانى العميق ولدت أسطورة «طبيب الغلابة» فى محافظة الغربية، وتجسدت لعقود طويلة فى شخص الدكتور محمد مشالى، الذى أفنى أكثر من خمسين عامًا من عمره فى علاج الفقراء والمحتاجين دون أن يبدل مبادئه أو يساوم على إنسانيته، ومع رحيله فى 28 يوليو 2020 إثر هبوط مفاجئ فى الدورة الدموية خيل لكثيرين أن صفحة ناصعة البياض قد طويت، وأن العيادة التى كانت باب أمل للفقراء ستغلق إلى الأبد.

لكن بعض الرسائل لا تنتهى برحيل أصحابها وبعض السير تكون كما يقال أطول وأبقى من المسيرات، فبعد ستة أشهر من وفاة الدكتور محمد مشالى عاد الضوء من جديد إلى العيادة القديمة، التى تبكى رحيل طبيب الغلابة لكن بوجه آخر يحمل الروح ذاتها الدكتور حسنى سعد قطب استشارى الكبد والبنكرياس والقنوات المرارية، قرر أن يترك عيادته فى ميدان التحرير بالقاهرة، وأن يغلق باب الراحة والاستقرار المهنى ليعود إلى طنطا ويواصل رسالة أستاذه وقدوته «طبيب الغلابة».

لم يكن القرار سهلًا كما يروى الدكتور حسنى، لكنه كان حتميًا، فقد جمعته بالدكتور محمد مشالى علاقة إنسانية ومهنية عميقة لم تقتصر على كونه أستاذًا فى المهنة، بل نموذجًا يحتذى به فى الإخلاص والتجرد، ومع انتشار خبر وفاة مشالى شعر د. حسنى بأن الرسالة لا يجب أن تتوقف، وأن العيادة التى اعتاد الفقراء الوقوف على بابها لا يجوز أن تغلق فى وجوههم.

بعد اتفاق مع أسرة الطبيب الراحل وإخلاء العيادة من جميع متعلقاته تم تجديد المكان وإعادة افتتاحه بعقد إيجار جديد وبقيمة أعلى فى ميدان العارف بالله - سيدى أحمد البدوى - ورغم الأعباء المادية أصر الدكتور حسنى على أن يظل الكشف فى متناول الجميع، فبدأ بـ15 جنيهًا فقط ثم ارتفع لاحقًا إلى 30 جنيهًا للقادرين بينما لا يزال الفقراء يكشف عليهم مجانًا ويحصلون على الدواء إن توافر من فائض أدوية المرضى القادرين، أو من مساعدات شركات الأدوية.

قال الدكتور حسنى إنه كان يعمل فى مركز الكبد بشبين الكوم وطلب نقله إلى مستشفى المنشاوى العام بطنطا فور علمه بوفاة الدكتور مشالى ليكون قريبًا من المكان والناس والرسالة، مؤكدًا أن ما ساعده على تحمل أعباء الاستمرار فى هذا الطريق هو عمله فى المملكة العربية السعودية لمدة سبع سنوات فى بداية حياته وهو ما وفر له قدرًا من الاستقرار المادى، مكنه من اتخاذ قرار لا تحكمه الحسابات الربحية.

بعد خروجه إلى المعاش، خصص د. حسنى وقته بالكامل للعيادة، حيث يفتح أبوابها يوميًا من الساعة الثانية عشرة ظهرًا حتى الثامنة مساءً طوال أيام الأسبوع عدا الجمعة، ولا يكتفى باستقبال المرضى داخل العيادة، بل يقوم أحيانًا بزيارة الحالات غير القادرة على الحضور فى منازلها داخل مدينة طنطا بأجر رمزى لا يتجاوز 150 جنيهًا يحدده وفق ظروف كل حالة ومستوى معيشتها.

وفى محيط العيادة، تتردد قصص إنسانية لا تحصى، عبير عبد الفتاح تقول إنها من سكان مدينة طنطا وإنها تعالج هى وأسرتها فى هذا المكان منذ أيام الدكتور محمد مشالى، مؤكدة أنها لم تشعر بفارق كبير بين الطبيب مشالى الراحل، والدكتور حسنى لا فى المعاملة ولا فى الإحساس بالمرضى.
وأضافت عبير: «أهالى طنطا بيدعوا لهما الاتنين»، مشيرة إلى أنها أحيانًا تحصل على الدواء من العيادة إذا كان متوفرًا، خاصة لأطفالها.

وقال محمد الزينى أحد سكان المنطقة وصاحب محل مواجه للعيادة: «رحل الدكتور محمد مشالى جسدًا، لكنه ترك خلفه إرثًا إنسانيًا نادرًا»، مشيرًا إلى أن الدكتور كان يسير على قدميه وأنه كان يقول عن نفسه «نشأت فقيرًا، وساندويتش الفول والطعمية يكفينى ولا أريد أن أرتدى ملابس بآلاف الجنيهات أو أستقل سيارة طولها 10 أمتار»، مما يؤكد أنه كان صاحب فلسفة بسيطة عاش وقابل ربه بها، وبهذا الزهد الصادق خدم آلاف المرضى وكان متخصصًا فى الأمراض الباطنة وطب الأطفال والحميات قبل أن يتحول اسمه إلى رمز للرحمة والتجرد.

اليوم يقف السؤال مفتوحًا أمام الجميع: هل يستطيع الدكتور حسنى سعد قطب أن يستكمل المسيرة، التى بدأها «ملاك الغربية؟»، وهل يمكن أن يتكرر نموذج «طبيب الغلابة» فى زمن باتت فيه المهنة محاصرة بالضغوط المادية؟ وهل ستجد الغربية بل مصر كلها فى كل مدينة وقرية طبيبًا يرى فى مريضه إنسانًا قبل أن يكون رقمًا؟

ربما لا تكون الإجابة سهلة، لكن المؤكد أن الشعلة التى أضاءها الدكتور محمد مشالى لم تنطفئ، ما دامت هناك قلوب تؤمن بأن الطب رسالة قبل أن يكون مهنة، وبأن العطاء حياة ستظل هذه الشعلة تضىء دروب البسطاء ولو من عيادة صغيرة بجوار مسجد سيدى أحمد البدوى.
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة