له على خاصرتى
له على خاصرتى: منطق تفكيك الحب
الإثنين، 16 مارس 2026 - 06:43 م
عمر العسرى
هل الحب موضوع؟ أليس هو اللا موضوع فى ذاته؟ إذا كان بالوسع الحديث عن الحب، فليس هناك الكثير ليقال عنه، إنه يبدو أحيانا أبلغ من الكتابة ففى الشعر العربى القديم كانت صورة الحب أقرب إلى تسجيل الأخبار والوقائع فكان الشاعر يدون ما رأى وما شعر به، حتى التبس الإحساس بالوصف، وامتزج المجاز بالحقيقة وقد عرف هذا بالغزل الذى صور فيه الشاعر شوقه وإحساسه، وكثيرا ما يعبر هذا الغرض عن الفقد والحنين والشوق ..إلخ.
غير أنه فى العصر الحديث أصبح النظر إلى هذا الامتثال للغرض الشعرى مسألة تخفى واقعا، وتحجب انشغال الشاعر المعاصر بالوضع القائم. إن الرؤية التى أرستها الكتابة الحديثة تتقصد الابتعاد عن الموضوع الجماعي، وتؤكد وجودها لا بالاندماج، وإنما بالنفى والخروج عن المألوف وتأمل العالم فى كليته وهو تماثل يبدو تأكيدا على منعطف اقتضاه شرط التماثل بين الأشكال الاجتماعية والأشكال الكتابية.
يأتى هذا فيما يطرحه ديوان «له على خاصرتي»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، للشاعرة المصرية زهرة علام من مسألة التفكير فى الحب داخل بنية لغوية قد تحيل على التأمل والغياب واللا اكتمال وهذه مداخل مسعفة للإنصات إلى النصوص وتبين خصوصياتها الوجودية وقيمة قلقها، لأن تحويل التجربة العاطفية إلى معمار لغوى قد يفسح النظر إلى المكونات والمستويات الأدائية من زاوية احتفائية، لأن رمزية التوظيف تستبطن رؤية الشاعرة التى تسائل الآخر مساءلة ذاتية بعيدة عن الإدانة والشكوى.
بين الحب واللغة علاقة تتأرجح بين الفقد والوصل، وبين التعبير عنهما، وما دام الحب شعورا واللغة تعبيرا فإن الوضع يقتضى افتراض واقع وجداني. إنه تعبير صامت قد يتبدى من خلال الملامح والهمس والأشياء. هذا الشعور السابق عن اللغة قد يعلى من التوتر المتحقق فى نصوص الديوان، ونذكر على سبيل التمثيل هذا المقطع من قصيدة «غرفة مغلقة».
لتستريحى فى هذا القلب..
لا تنتظرى كثيرا
لا يبدو أن الشمس
كانت تفتح أبوابها
اشتياقا لك
لم تكن تسكب السماء
من أجلك
لا ترتدى القمر وتدورين
كزهرة ترتدى ثوب الجمال
لا تتعلقى فى عنق نجم مهاجر..
يقودنا هذا المقطع إلى القول بأن الشاعرة تتأمل وضعها، وتخاطب ذاتها من موقع التماهى المقصود، وهو تأمل قلق ينحاز أكثر إلى تفسير سؤال الحب ليس بوصفه حكاية رومانسية، وإنما هو أشبه بوضع وجودى مفترض يقتضى تشكيل ملامح ذات عبر اللغة لا عبر العلاقة المنشودة.
إن عائق اللا اكتمال المتمثل فى ذلك الذى أسمته الشاعرة «نجم مهاجر» هو بعد مفصلى لاستجلاء مختبر وجودى صرف تفحص من خلاله زهرة علام الذات والزمن والجسد والذاكرة. وهنا تتحول هذه المفاهيم إلى بنيات مسعفة للتفكير فى الحب وتحويل مائه إلى بنية تأملية صارمة.
الصرامة بما باعث ما وراء الوجدان قد اقتضت التوقف عند الصورة الداخلية للحب، وهى كما تؤشر عليها النصوص بعيدة عن البلاغة الصاخبة المكتظة بالتشبيهات والاستعارات، وإنما المقام الذى تموضعت فيه الشاعرة قد أبدى مرونة فى تعميق فهمها للتجربة وهى القائلة:
سأمهل القدر شيئا من الوقت
ليعلمنى كيف أمارس فن النحت
كى أنقش تجاعيد السنوات
على بياض وجهى الذى خلا من الأثر
وأكتب له همسات ملائكة زرقاء..
على حافة كوكب
كانت كل الأمكنة له..
يدل المقطع على صورة معنى الحب بالغياب، لا هى تلك الصورة المشهدية المأساوية، لأن الشاعرة لا ترويه من ذاكرة، وإنما تراه أشبه بحدث متكسر ومتناثر وموجع. فالخيط الخفى كامن فى الانتظار، وصوغ فرضية انمحاء الذات من ذاكرة الآخر.
وهذه الصورة العاطفية المقلقة قد تغدو مسارا مفتوحا على الخلاص والغياب معا. هذا الغياب هو «كل حدث كلامى يلقى الضوء على غياب المحبوب مهما يكن الباعث والأمد، ويطمح إلى تحويل الغياب إلى تجربة فى الهجران».
اختارت الشاعرة زهرة علام خطاب الحب لأنه أقرب إلى الشعر، ولأنها تتحدث بالمجاز والاستعارة والكناية وتفكر بالصورة فى مفهوم متشعب لذلك اقتضى السياق الشعرى تدفق الصور لأنها ترتبط فى كل مرة بعلاقة داخلية تستقى منها حوادث الغياب المقلق، وتعمق خطاب التناجى الذى يصطحب المفهوم، وهذا التوجه قد فرض نظاما خطابيا خال من الحد الأدنى لإغواء المعنى. ولهذا تأتت نفحة التصدع من جراحات الحب.
لقد تجاوزت الشاعرة واقعها إلى عالم مجسد فى الكتابة عن الغياب، وهذا تأثير مباشر وميسم غايته الكشف عن تشققات الكينونة. ومنها طرح مفهوم الحب بوصفه إشكالية شعرية، وجوابا عن مشكلة الوجود الإنساني. وبالتالى يصبح الحب، فى السياق الشعرين فقدا وتجربة بالكتابة تقترن بالغياب، لأن الفعل الكتابى موجه للغائب؛ أى من نحب.
إن الحب الملمح إليه فى نصوص الديوان واقع فى اللغة، ومتحقق فيها على نحو مفارق ومشتت؛ فالشاعرة لا تصف تجربة وصفا عاطفيا، بل تتعامل مع طبيعة العلاقات والوشائج من بنية فكرية وجودية تشكل منطقة متوترة وحادة، قد شكلت ميسما لغويا ورؤيويا انطلى على جل نصوص الديوان. تقول فى قصيدة «جيب بنطاله الرمادي»:
كان يرى العمى غيمة
أو حفنة مطر تسقطل
لتزهر أرضه فقط..
كان يرى سفرى الطويل
يحبو دون أن تتحرك قاطرته..
وحقائبى المحملة به
مصفوفة فوق جفن القمر..
ما يفصح عنه هذا المقطع، أن الحب كامن فى الغياب واللاتسمية والمسافة، لأن العلاقة محكومة بالانتظار والأمل وهذا قد يسمى طيف حب الذى أدى إلى جرح لغوى ترجمته هشاشة الذات وسكونها وسفرها الدائم.
لعل النموذج النص الذى أرسته قصيدة زهرة علام كامن فى تفكيك النموذج الرومانسى للحب، لأن النهايات تبدد كل أشكال الاعتراف والقلق، وأيضا كون الجسد بدوره يتحول على وثيقة حب، وأرشيف علاقة وخريطة فقد.
ثمة فهم يخص الشاعرة حول الحب، وتريد أن تعمق علاقتها مع المطلق بما هو فكر وجدانى يسمو على التجربة بالمعايشة الذهنية التى تكابد وتستكشف وتفترض أن مفهوم الحب فكرة تصون الانفعال، وضرب من التأمل الذى يمنح الإنسان القدرة على فهمه وتفكيكه فبالحب فقط يكون الإنسان مكترثا للآخر وهذا هو معنى هشاشته ووضعيته. فيحيل الحب مثل نهاية مرحلة وبداية أخرى من حياة تعد مصدر وجود.
هكذا يبقى استخلاص دلالات الحب فى ديوان «له على خاصرتى» للشاعرة زهرة علام مهمة معقدة يكثر فيها التحفظ والحذر والاستدراك فيما يقل الجزم والقطع. لكن هذا لا يلغى مسألة التقابل الدلالى بين بين الأنا الوحيدة والآخر الوحيد فى زاويتين متكاملتين، ومثلهما تجرى المشاعر فى مركزية اللغة، حيث الحب المتخفى فى المسافة واللا اكتمال يجسد المقاومة واضطراب المشاعر وهنا تتعارض كثافة المشاعر فى الديوان متمثلة بالانتظار المفتوح.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا
يد من رمال: تكريس الذاكرة وحمايتها!
نعود لنرسم وجه الطفولة: الهجرة إلى الأحلام
ورود يوم القيامة: الغزّيون فى طريق الآلام العالمى
صمت الرب الطويل: ملحمة الإيمان الهادئ لماريا القبطية
جدل فنى قديم: «يا فايتنى وأنا روحى معاك» بين رامى وأبو سمية
إسكندرية فين.. رحلة تناجرا









