عامل النظافة أثناء تكريمه
عامل النظافة يعثر على حقيبة بداخلها نصف مليون جنيه ويسلمها للشرطة.. تفاصيل
السبت، 28 مارس 2026 - 06:05 م
في وقت تتزاحم فيه الأخبار الصاخبة والوقائع المؤلمة، تظهر أحيانًا حكايات بسيطة لكنها قادرة على أن تعيد إلى القلوب شيئًا من الطمأنينة.. حكايات تثبت أن الخير ما زال حاضرًا، وأن الأمانة لا تزال تسكن قلوب البسطاء؛ ومن بين تلك الحكايات تبرز قصة عم أحمد، عامل النظافة البسيط الذي لم يعلم أن يومًا عاديًا من أيام عمله سيحوله إلى نموذج يُحتذى به في الأمانة والنزاهة، عندما عثر على مبلغ أكثر من نصف مليون جنيه، لم يتردد الرجل الأمين في أن يُبلغ الشرطة ويعيد الحق لأصحابه.. ماذا حدث وماذا كان يفكر وقتها؟.. التقينا به وحكى القصة من بدايتها.
عم أحمد رجل في الأربعينيات من عمره، عامل نظافة، يعيش حياة بسيطة في منطقة أوسيم بمحافظة الجيزة.. أب لخمسة أبناء، يحمل على عاتقه مسئولية أسرة كاملة، يكافح كل يوم من أجل أن يوفر لهم حياة كريمة قدر استطاعته، لا يملك الرجل الكثير من المال أو الإمكانات، لكنه يملك ما هو أثمن "ضمير حي وقلب صادق".
يحكي عم أحمد قائلا: يومي يبدأ قبل شروق الشمس بقليل، استيقظ مبكرًا كعادتى، في بيت متواضع يجمعني بزوجتي وأولادي، أجهز نفسي بهدوء حتى لا أوقظ صغاري، ثم أتناول لقمة سريعة قبل أن أستعد للخروج إلى عملى، أودع زوجتي بنظرة تحمل الكثير من التعب والأمل في الوقت ذاته، ثم أغادر المنزل حاملًا هم يوم جديد، وأملًا في أن أعود آخر النهار بما يكفي لإسعاد أطفالي ولو بالقليل.
رحلة عم أحمد اليومية ليست قصيرة؛ فهو يقطع مسافة طويلة من أوسيم حتى منطقة السبتية في القاهرة، حيث يعمل عامل نظافة.. رحلة قد تبدو مرهقة لكثيرين، لكنها بالنسبة له أصبحت جزءًا من حياته المعتادة؛ يركب المواصلات في الصباح الباكر، وبين زحام الطريق وضجيج المدينة يفكر دائمًا في أولاده ومستقبلهم، ويمني نفسه بأن يتمكن من تعليمهم ليعيشوا حياة أفضل من حياته.
شنطة سوداء
يصمت عم احمد قليلا ثم يعود قائلا: في الساعة السابعة صباحًا أبدأ عملي؛ أمسك بالمكنسة وعربة القمامة، وأشرع في تنظيف الشوارع المكلف بنظافتها يوميًا.. قد لا يلتفت كثير من المارة إلى وجودى، لكنه بالنسبة ليؤدي دورًا لا يقل أهمية عن عمل أي موظف آخر، لكن تعودت أن أعمل في صمت، أتنقل من شارع إلى آخر، جامعًا المخلفات، وحريصًا على أن أنجز عملى بإخلاص كما اعتدت على ذلك وصدقوني لو قلت لكم أنني أشعر بسعادة غامرة عندما أجد الشارع الذي أنظفه وقد أزيلت كل ما كان يعكره.
وفي أحد الأيام، وبينما كنت أؤدي عملي كالمعتاد في شوارع السبتية، لفت انتباهي لفة ملقاة على الأرض بالقرب من الطريق، كانت حقيبة سوداء بلاستيكية تبدو مهملة، تمر السيارات بجوارها وربما فوقها دون أن يلاحظها أحد.. في البداية ظننت أنها مجرد كيس به قمامة أو مخلفات ألقاها أحد المارة، وهو أمر معتاد في عملي.
اقتربت منها لأرفعها وألقيها في عربة القمامة، لكنه حين أمسكت بها شعرت أنها أثقل مما توقعت، فتحت الحقيبة كي أتأكد مما بداخلها، فكانت المفاجأة التي لم تخطر لي على بال، رزم من الأموال تملأ الحقيبة، مبلغ ضخم لم أر مثله من قبل.
وقفت للحظات مذهولًا.. وكأن الطير على رأسي كما يقولون، أكثر من نصف مليون جنيه داخل حقيبة ملقاة في الشارع بالنسبة لشخص يعيل خمسة أبناء ويكافح كل يوم من أجل لقمة العيش، كان ذلك المبلغ كفيلًا بأن يغير حياته بالكامل، لكن تلك اللحظة القصيرة لم تكن لحظة صراع طويل داخل قلبي وعقلي، فسرعان ما حسمت الأمر دون تردد.. الأمانة التي تربيت عليها كانت أقوى من أي إغراء؛ أغلقت الحقيبة، وحملتها متجهًا إلى أقرب قسم شرطة لأبلغ عن الواقعة وأسلم الأموال.
الأمانة تعود لصاحبها
في قسم الشرطة، روى عم أحمد ما حدث بالتفصيل.. لم يتعجب رجال الشرطة من موقفه هذا، فرغم أنه ليس من السهل أن يجد إنسان هذا المبلغ الضخم ويختار أن يسلمه دون أن يفكر في الاحتفاظ به لكن دائمًا وابدًا الخير موجود لدى الناس، وبدأ رجال المباحث في فحص الحقيبة ومحاولة الوصول إلى صاحبها.
وبعد وقت قصير، تمكنوا من تحديد هوية صاحب الحقيبة، كان رجلًا فقدها عن طريق الخطأ أثناء مروره بالمنطقة، وضع بداخلها مبلغ 539 ألف جنيه كان في طريقه لسداد دين متراكم عليه.
حين علم الرجل بأن أمواله عثر عليها، حضر مسرعًا إلى القسم، وهناك التقى بعم أحمد الذي أعاد إليه الحقيبة كما هي دون أن ينقص منها جنيه واحد.. كانت لحظة مؤثرة اختلطت فيها مشاعر الفرحة بالامتنان، لم يصدق الرجل أن أمواله عادت إليه كاملة بعد أن ظن أنه فقدها إلى الأبد.
حاول صاحب الحقيبة أن يعبر عن شكره بطريقته الخاصة، فعرض على عم أحمد مبلغًا من المال كمكافأة على أمانته، لكن المفاجأة كانت أن عامل النظافة البسيط رفض العرض بلطف.. بالنسبة له، ما فعله لم يكن بطولة ولا يستحق مقابلًا، بل هو مجرد واجب يمليه عليه ضميره.
انتشرت القصة سريعًا بين الناس، وبين زملائه في العمل، فالجميع أشاد بموقف عم أحمد، معتبرين أن ما فعله يجسد معنى الأمانة الحقيقية.
تكريم
لم يمر الأمر دون تقدير رسمي، فسرعان ما قام الدكتور صابر إبراهيم، محافظ القاهرة بتكريمه وأشاد بأمانته واعتبره نموذجًا مشرفًا للمواطن البسيط الذي يحافظ على القيم رغم صعوبات الحياة، كما قام الدكتور أيمن محرم العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة ارتقاء التي يعمل بها بتكريمه تقديرًا لموقفه النبيل.
أما عم أحمد نفسه، فقد ظل كما هو، لم يتغير شيء في حياته اليومية.. ما زال يستيقظ مبكرًا، ويخرج من منزله في أوسيم متجهًا إلى عمله في السبتية، ممسكًا بمكنسته وعربة القمامة، لكنه أصبح بالنسبة للكثيرين رمزًا للأمانة التي لا تُشترى أو تُباع.
ربما لم يكن عم أحمد يبحث عن شهرة أو تكريم، لكنه أثبت أن القيم الحقيقية لا ترتبط بالغنى أو الفقر، بل بما يحمله الإنسان في قلبه من مبادئ.. وبين ضجيج الحياة ومغرياتها، تظل قصته تذكيرًا بسيطًا بأن الأمانة ما زالت حاضرة، وأن البسطاء أحيانًا هم أكثر الناس قدرة على حمايتها.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
الاستئناف تعيد حضانة طفلين لوالدتهما بعد كشف ألاعيب الأب
تقتل طفلها انتقامًا من زوجها
ضبط طالب نصب على المواطنين عبر السوشيال ميديا
ضبط شخص نشر فيديو قديم لتعذيب طفل لزيادة المشاهدات
العدالة انتصرت لشجاعة بنت.. والمؤبد للمعتدي عليها
الغيرة.. تدفع المراهق لإنهاء حياة طالب الثانوي
الحكم بإعدام قاتل زوجته وحماته.. المتهم تسلل من النافذة لارتكاب المذبحة الأسرية
بعد سنوات من العنف والإهانة والصبر.. الزوج أنهى حياة زوجته أمام أطفاله
الساعات الأخيرة في حياة الطفلة «لارين».. المتهمة قتلتها انتقامًا من والدتها









