إيران
طهران.. سياسة «الانتقام الأعمى»
السبت، 28 مارس 2026 - 11:44 م
تتطور مجريات الحرب فى الشرق الأوسط بوتيرة أسرع من إمكان توقعها.. وحتى الآن فإن السمة الأساسية لهذه الحرب هى أنه لا قواعد تحكمها أو تُملى اتجاهاتها.. فالحسابات السياسية والعسكرية كانت تملى على الادارة الأمريكية منذ عقود عدم الانخراط فى حرب ضد إيران والاكتفاء بثنائية العقوبات والعزلة وذلك كسبيل لترويض «طموحاتها النووية».. وكان ذلك بالفعل هو الخيار المفضل لدى كل الرؤساء الأمريكيين الذين تولوا مناصبهم منذ اندلاع الثورة الشيعية فى إيران عام ١٩٧٩.
لكن الرئيس دونالد ترامب كان له رأى آخر.. فترامب ظن أنه، فى السياسة الخارجية للولايات المتحدة، لا يوجد مستحيل، وبالمثل لا توجد قيود.. فالرجل يرفض الضغوط.. وكما تجاوز فى اداراته الأولى والثانية «حتى الآن» المؤسسات، ونجح فى ذلك، فهو يريد تجاوز القواعد والحسابات والخطوط الحمراء.. وهذا بالضبط ما أملى شكل الرد الإيرانى على الهجوم الأمريكى والإسرائيلى الذى شن عليها فى ٢٨ فبراير الماضى.
اقرأ أيضًا | تل أبيب.. توسيع عملية «زئير الأسد»
فما الذى تريده إيران من هذه الحرب؟
بداية لم تسعَ إيران لهذه الحرب لكنها استعدت لها جيدا.. ففى الوقت الذى كانت فيه الادارات الأمريكية المتعاقبة عبر عقود تستبعد الخيار العسكرى فى التعامل مع إيران، لم تستبعده طهران وقامت بتصميم خطتها للرد على أى ضربة محتملة بما يبدو أنها استراتيجية ثلاثية الأبعاد.. أولا: تعد الضربات الإيرانية رادعة.. أى انها ردة فعل على الضربات السابقة عليها ضد الأراضى الإيرانية.. فإيران لا ترغب فى حرب للنهاية.
أما وقد استمر الهجوم عليها فإن إيران ترغب فى الفوز، ليس عبر الهزيمة العسكرية لأمريكا، فهو أمر غير ممكن مع جيش لا تنضب موارده ولا موازنته، ولكن عبر استنزاف هذا الجيش فى عمليات متبادلة مكلفة ولا تسفر عن أى نتائج على الأرض.. أى أن إيران تريد تحييد قوة هذا الجيش والإمكانيات العسكرية الأمريكية على أرضها.. فهذه الحرب لم تنه النظام السياسى فى طهران، بل فرضت قبوله فرضا على واشنطن.
كما لم تقض القوة الأمريكية على البرنامج الصاروخى لإيران والذى يمطر اسرائيل بصواريخ عنقودية وانشطارية.. كما لم يمكن للقنابل الأمريكية حتى الآن تدمير المنشآت النووية الإيرانية.. وبالتالى، فإيران تريد الحفاظ على هذه القوى الثلاثية حتى تنجح فى تحييد القوة العسكرية الأمريكية.
وفى السياق ذاته تريد عمل «تروما» للمجتمع الأمريكى من التدخل بجيشه فى حروب أخرى.. فالأمريكيون وساستهم الحاليون والمستقبليون لابد أن يعوا أن استخدام جيشهم خارج بلاده سيكون غير ذى جدوى وليس فقط مكلفا.. بل ان الهيبة العسكرية الأمريكية التى تحيّدها إيران حاليا ستصيب الأمريكيين فى مقتل فيما يتعلق بمصدر فخرهم وقوتهم وسيمثل تدخلهم «الذى تريده إيران فاشلا» «عقدة» فى سياساتهم مع الخارج عموما.
ثانيا.. إلى جانب الساحة العسكرية، تحارب إيران أمريكا سياسيا عبر فضح هشاشة التزاماتها الأمنية فى المنطقة. فلا ترد أمريكا عن حلفائها فى الخليج الضربات الإيرانية، بل تتركهم لعل وعسى أن ينضموا إليها سياسيا وعسكريا فى الحرب ويتخلوا عن ضبط النفس والموقف الدفاعى الذى التزموه حتى الآن.
لكن هذه الأدوات العسكرية والسياسية لا تزال غير رادعة لواشنطن.. وهو ما تعيه إيران جيدا.
ومن ثم فإن طهران تستخدم بالتوازى سلاحا آخر هو بحق ما يؤلم الولايات المتحدة بقوة.. وهذا هو البعد الثالث من استراتيجية الرد الإيرانى: الاقتصادى.. فإغلاق مضيق هرمز الذى يؤثر على حركة النفط والتجارة ويرفع الأسعار عالميا هو حتى الآن السلاح الإيرانى الأكثر تأثيرا على الأمريكيين والذى يأتى بهم جميعا إلى ساحة المعركة.. هذه «الضربات الاقتصادية» هى ما تقوى صوتا معارضا ضد ترامب فيما يتعلق بهذه الحرب.. وهو ما تراهن عليه إيران بشدة.. فلا الأمر يتعلق بمفاوضات او تنازلات لكن ترامب يسعى لتهدئة الأسواق التى توشك على الاشتعال بالفعل.. أما السبيل لذلك فهو «الوقت».
فكلما طال أمد الحرب تضررت بشدة الأسواق، فتتضرر بشده الأوضاع السياسية لترامب وفريقه فى الشارع الأمريكى فى عام انتخاب حساس.. وبذلك تتحقق مقولة «الوقت كالسيف».. أما ما ترغب به إيران من هذه الاستراتيجية، فهو إجبار الولايات المتحدة على وقف هذه الحرب ثم إرساء قواعد للتعامل مع إيران فى المستقبل تستبعد الخيار العسكرى تماما «نفسيا لدى الأمريكيين وسياسيا واقتصاديا لدى صانع القرار».. فلا تحدث اعتداءات او تجاوزات سياسية وتظل موائد التفاوض المتلاحقة هى السبيل الوحيد لأمريكا فى التعامل مع طهران.
لكن الرياح لا تجرى دوما بحسب ما تشتهيه السفن.. فالرد الإيرانى المتهور على أراضى الخليج، لا يهدد فقط المكتسبات أو الأهداف الإيرانية فى هذه الحرب، بل إنه قد يسهل من السيناريو الإسرائيلى الأمريكى للمنطقة.. فالضربات الإيرانية على الخليج، غير رادعة لأمريكا، بل هى وسيلة لحشد الدول فى المنطقة ضد إيران، ومن ثم استبدال الصراع الاسرائيلى الإيرانى بحرب إقليمية ضد إيران.. ومن ثم فإيران لا تجازف فقط بتحقيق هدفها فى إجبار أمريكا على وقف الحرب بل إنها تسهل من السيناريو الإسرائيلى لإشعال حرب تكون فيها طهران العدو الاول فى المنطقة، وتتخفى فيها إسرائيل وتتفرغ لتنفيذ بقية مخططاتها الإرهابية.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب
كييف تستنجد بالغرب وسط ضربات روسية مكثفة
تفاؤل أمريكى مقابل تهديدات إيرانية بعودة الحرب
إسرائيل تواصل الهجمات على لبنان رغم إعلان هدنة أمريكية
إيران تنفى مناقشة «النووى».. وأمريكا تتحدث عن ضمانات بعدم امتلاكه
«الشقيف» تجمع بين الرمزية التاريخية والأهمية العسكرية
تصعيد إسرائيلى متواصل فى لبنان.. وموجات نزوح جديدة









