مدرسة الدرب الأحمر للفنون
مدرسة الدرب الأحمر للفنون


مراكز اكتشاف المواهب الفنية .. الموهبة تتحول إلى نجومية

مايسة أحمد

الإثنين، 06 أبريل 2026 - 09:05 ص

في أعماق كل مصري تكمن موهبة ثمينة تشبه اللؤلؤ تحتاج من يكتشفها ويصقل بريقها. مع زحام الحياة، قد تظل هذه اللآلئ مخفية، لكن مع وجود مراكز اكتشاف المواهب الفنية تمنحها الفرصة لتلمع وتظهر سواء في الغناء أو العزف الموسيقي أو الرسم والباليه وغيرها من المواهب، فتتحول الأحلام داخل هذه المراكز إلى واقع نابض بالإبداع، حيث لا يقتصر الدور على التعليم فقط، بل يمتد ليصنع الثقة ويُطلق الطاقات الكامنة نحو آفاق أوسع من التميز والنجاح.

ذلك أن المواهب بدون بيئة داعمة قد تظل حبيسة، لتأتي مراكز اكتشاف المواهب الفنية وتفتح الأبواب أمام الأحلام لتتحول إلى واقع ملموس. فلا تقتصر هذه المراكز على التعليم فقط، بل تصنع شخصيات مبدعة قادرة على التعبير والتأثير. إنها ليست مجرد أماكن للتدريب، بل منصات حقيقية لصناعة النجوم وبناء الثقة وتنمية الشغف. ورغم ضعف الإمكانيات، فهناك مراكز استطاعت أن تستمر وتضيء الطريق أمام الموهوبين، في حين أن هناك مراكز أخرى ورغم تأثيرها الفعال إلا أنها توقفت مع الأسف.

مدرسة الدرب الأحمر للفنون

من أشهر مراكز اكتشاف المواهب الفنية مدرسة الدرب الأحمر للفنون، ولكن رغم مجهودها الملحوظ، إلا أن نشاطها توقف منذ بضع سنوات بسبب ضعف التمويل، لأنها كانت تقدم جميع أنشطتها الثقافية والفنية مجانًا للأطفال من سن 8 إلى 16 سنة. فتعلمهم الفنون الأدائية كالسيرك والتمثيل، والعزف الموسيقي على آلات الساكسفون والطبلة والدف، إلى جانب اللغة الإنجليزية، وتعتني بهم اجتماعيًا وصحيًا، وتدعمهم في دراستهم النظامية. المدرسة تُكسِب الأطفال ليس فقط الثقة والخبرة، بل تؤهلهم للالتحاق بفرق فنية تعود عليهم بعائد مادي.

في بداية عام 2017 انتقلت مدرسة الدرب الأحمر للفنون إلى مبنى جديد مجاور لسور حديقة الأزهر، ومسرح الجنينة الذي تُقام عليه معظم عروض المدرسة. يتطلب الوصول إلى المبنى الجديد المرور بعدة شوارع وأزقة ضيقة تنتشر فيها عشرات الورش والمصانع الصغيرة التي تعتمد على عمالة الأطفال. بمجرد عبور بوابة المدرسة تشاهد أطفالًا آخرين يتدربون على فنون السيرك في ساحة واسعة، وفي الخلفية يسمع صوت آلات موسيقية وإيقاعية متنوعة تأتي من غرف المبنى الكبير المحيط بالساحة.

المدرسة التي بدأت عام 2011 بهدف تدريب الأطفال على فنون السيرك والموسيقى، سعيًا لحمايتهم من العمل في حِرف قاتلة لطفولتهم، استطاعت أن تجذب عددًا كبيرًا من الأطفال، وأصبح لديها عشرات الخريجين، بعضهم يعمل كمدرب بالمدرسة، وآخرون أسسوا فرقة فنية وإيقاعية.

في البداية رفضت معظم الأسر إلحاق أطفالهم بالمدرسة، لكن مع العروض التي نُظمت في شوارع الحي، بالإضافة للنجاحات التي حققها الأطفال في دراستهم المدرسية وتعلمهم للفنون، تغير الأمر.

تقدم المدرسة جميع أنشطتها مجانًا، برعاية مؤسسة الجنينة للأنشطة الثقافية والفنية، وبدعم من مبادرة آغا خان للموسيقى، وتستهدف الأطفال من سن 8 إلى 16 سنة. تنقسم الدراسة إلى قسمين هما: الفنون الأدائية ويتضمن فنون السيرك والرقص والتمثيل، والموسيقى ويتضمن الآلات الإيقاعية مثل الطبلة والدف، وآلات النفخ النحاسية مثل الساكسفون والترومبيت، بالإضافة لآلة الأكوردين. وبجانب تعلم الفنون، تُوفر المدرسة حصصًا في اللغة الإنجليزية، وإخصائية اجتماعية، وطبيبة لمتابعة حالاتهم الصحية.

تستمر الدراسة لمدة عامين على مدار خمسة أيام في الأسبوع، ويشارك الطلاب بعروض دورية في مهرجانات متنوعة في مصر وخارجها، وخلال السنوات الماضية قدمت فرقة المدرسة العديد من العروض المسرحية التي تجمع ما بين فنون السيرك والموسيقى والتمثيل مثل عروض “زمبلك”، و”بالالايكا”، و”تاهت ولقيناها”.

مشروع أسوان للموسيقى

يحرص القائمون على المدرسة على تأكيد قيمة التنمية المستدامة من خلال الاهتمام بالخريجين ودعمهم على المستوى الدراسي والمهني، عبر تقديم منح لمتابعة التعليم. فالطلاب الساعين للالتحاق بأحد الكليات أو المعاهد الفنية، تُوفر لهم المدرسة منحًا مادية شهرية ليتمكنوا من إكمال دراستهم، وعلى الجانب الآخر تدعم المدرسة شراء الآلات الموسيقية والإيقاعية، وكذلك أدوات فنون السيرك التي يحتاجها الطلاب بعد تخرجهم من المدرسة.

معظم التلاميذ الخريجين أصبحوا أعضاء في فرق فنية مختلفة، وعدد من الطلبة التحقوا بكليات ومعاهد فنية، مثل معهد الموسيقى العربية، وكليات التربية الفنية والموسيقية والرياضية.

اكتشاف المواهب لم يقتصر على القاهرة، بل امتد إلى الجنوب، حيث تم افتتاح مشروع أسوان للموسيقى في عام 2018، وهو يقدم دروسًا مجانية في الموسيقى التقليدية لأسوان ومناطق أخرى في مصر والعالم العربي للشباب حتى سن 25 عامًا. يُقدم المشروع دروسًا لتعليم العزف على آلات متنوعة مثل العود والإيقاع والطنبور، بالإضافة إلى آلات النفخ الخشبية التقليدية مثل الناي والكوالا والأرغول.

الآغاخان المصري

من المراكز التي تهتم بتنمية الفنون واكتشاف المواهب أيضًا، دار الفنون والثقافة (DAR) التي أنشئت ككيان إداري من قبل برنامج الآغاخان للموسيقى لإدارة وتشغيل مشاريعه في مصر. يحظى البرنامج بدعم من مختلف المانحين، بما في ذلك الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، فضلًا عن بعض الجهات المتعاونة مثل مؤسسة الآغا خان ومؤسسة أم حبيبة.

بيت العيني

على رأس قائمة رعاة الفنون والفنانين “بيت العيني” الذي يقع خلف الجامع الأزهر الشريف ضمن مجموعة فريدة من المنازل الإسلامية بحي الأزهر. وقد أنشأه بدر الدين العيني سنة 1412م (814هـ)، ثم جاءت فكرة تحويله إلى مركز إبداع للطفل (عام 2003) تابع لصندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة المصرية.

ويقيم مركز طلعت حرب الثقافي، بالتعاون مع مركز إبداع الطفل (ببيت العيني)، مجموعة من الأنشطة الفنية للأطفال بسينما الهناجر في ساحة الأوبرا، وتشمل البرامج التي تقدم أنشطة تعليمية وإبداعية لتطوير مهارات الأطفال الفنية، بالإضافة إلى عروض الأراجوز وخيال الظل المبهجة.

بيت يكن

أنشأ محمد علي باشا في القاهرة القديمة “بيت يكن” الذي يتميز بطابع معماري فريد، وعملية ترميمه أعادت إليه رونقه. وكلمة “يكن” أصلها تركي، وتعني ابن الأخت، حيث كان البيت ملكًا لابن أخت محمد علي باشا الذي أعطى لأبناء أخته منازل عدة في هذه المنطقة، حتى إنها عرفت آنذاك باسم “اليكنية”، وكانت هذه المنطقة وقتها تعد قلب القاهرة.

احتضن “بيت يكن” مكتبة نادرة متخصصة في سرد صفحات تاريخ العمارة المصرية وكيفية الحفاظ على التراث، إذ اشتراه المعماري المصري علاء الحبشي وزوجته حفاظًا عليه من الهدم. حول ذلك يقول الحبشي: “أردت أنا وزوجتي المهندسة علا صلاح الاستثمار في تراثنا وهويتنا بدلًا من العيش في منزل فاره في إحدى المدن الجديدة، لذا اشترينا بيت يكن عام 2009 وعملنا على ترميمه ليعد مركزًا ثقافيًا وتوعويًا لأهالي منطقة الدرب الأحمر، يستعيدون من خلاله مفهوم الحارة المصرية القديمة، عبر ورش حرفية وتوعوية للارتقاء بالمستوى الثقافي والحرفي”.

وحول تدشين أول مكتبة متخصصة في العمارة في مصر، ومن أين تولدت فكرتها، يقول الحبشي: “اخترت أنا وزوجتي أن نقيم قاعة في المنزل؛ وهي قاعة يعود تاريخها للقرن الـ17، جرى ترميمها في القرن الـ19 وبدأنا تجميع أثمن مقتنياتنا بها؛ فوجدنا أن بين هذه المقتنيات مجموعة كتب نادرة في مجال العمارة والحفاظ على التراث؛ لذا وجدنا في هذه الكتب إضافة قوية يمكنها أن تفيد مستقبل المعماريين والمرممين في مصر؛ من هنا قررت تحويل هذه القاعة إلى مكتبة يمكن إتاحتها للجمهور، وسميناها مكتبة علاء الحبشي للكتب النادرة”.

عكف الحبشي على مدار 30 عامًا على جمع الكتب والمجلات والمصادر النادرة الخاصة بعمارة القاهرة التاريخية، فنيًا وتقنيًا، من أسواق الكتب القديمة في مصر والعالم كأكشاك الكتب القديمة على نهر السين، وسوق الكتب القديمة في لندن.

وحول أوجه ندرة محتويات مكتبته، وما الذي يميزها عن غيرها، يقول: إنها “أول مكتبة تجمع هذا الكم من الكتب المتخصصة في مكان واحد، بهدف إثراء العمارة والحفاظ على التراث”.

بيت جميل

“بيت يكن” لم يقتصر على مكتبة الكتب النادرة، بل اختيار الفعاليات التي تقام فيه يعكس طابع المكان وتاريخه، والحرف التراثية المميزة له على مر الزمن، والعمل على إعادة إحيائها أيضًا من خلال ورش العمل والمعارض. فالفعاليات تعنى بالحرف التراثية مثل الخيامية والنجارة وغيرها كثير، ودائمًا ما يحرص فنانو الدرب الأحمر على المشاركة في الفعاليات المختلفة وعرض أعمالهم وإنتاجهم، فهناك العديد من ورش العمل للكبار والصغار على السواء.

ويشرف على هذه الورش سبعة من خريجي برنامج “بيت جميل” للفنون التراثية في القاهرة، وهو برنامج تدريبي متخصص يمتد لعامين، أُطلق عام 2009 بالشراكة بين مؤسسة مدرسة الملك للفنون التقليدية ومجتمع جميل، وصندوق التنمية الثقافية التابع لوزارة الثقافة. وتمتد أنشطة البرنامج على مدى ثلاثة أشهر في تجربة إبداعية تمزج بين التعلم والتعبير الفني، ويتعرف المشاركون خلالها على جماليات الحرف التراثية من خلال صناعة أطقم طاولة الزهر (النرد) بأساليب يدوية مستوحاة من تراث القاهرة القديمة، باستخدام تقنيات تقليدية تشمل التصميم الهندسي والخط العربي والتطعيم بالنحاس والخشب والقشرة، والطباعة بالقوالب.

مركز دار الأوبرا

يعد مركز تنمية المواهب التابع لدار الأوبرا من أقدم مراكز الفنون ودعم الأنشطة الفنية والثقافية المتنوعة للأطفال والشباب من سن 5-15 سنة، وتشمل فصولًا لتعليم العزف على الآلات الموسيقية، والغناء، والباليه، والرسم، والرقص الحديث، بالإضافة إلى إقامة أوركسترا خاصة للأطفال وورش فنية لذوي القدرات الخاصة. يتم تدريب الدارسين لمدة 3 سنوات، ويمنح المركز شهادات اعتماد للمواهب المتميزة.

أبرز أنشطة مركز تنمية المواهب فصول الموسيقى التي تشمل تعليم البيانو، الجيتار، العود، الكمان، القانون، والناي. وهناك فصول غناء تتضمن كورال أطفال، وغناء عربي وأوبرالي، والفنون التشكيلية التي تقدم منها فصول للرسم والورش الفنية التي تنتهي بمعارض للمواهب الشابة، وكذلك فصول لتعليم رقص الباليه والرقص المسرحي الحديث.

 اقرأ  أيضا: دولة الفنون والإبداع l شعراء وملحنون : خطوة واعدة لرعاية المواهب

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة