زكريا عبدالجواد
زكريا عبدالجواد


رٌكن الحواديت

من نوافذ المواصلات

زكريا عبدالجواد

الجمعة، 10 أبريل 2026 - 07:29 م

أرى نوافذ المواصلات كشاشة سينما طبيعية، كُتبت مشاهدها من واقع حياة لا تكذب ولا تتجمل أبدًا، قد تصنع منك متأملًا وربما حكيمًا.

اعتدت أن أميل برأسى على زجاج إحداها، ربما لأتخلص من ثرثارٍ لا يكف عن الكلام، أو لأتأمل اللافتات المسرعة، وأرى أن كل سيارة تدور فيها حكاية، ربما بأحداث تسبق دوران إطاراتها.

تذكرنى لافتات تخصصات الأطباء بنعمة الصحة، وأناشيد الألم عبر ردهات المشافى، فأستعيد ذاكرة الفقد لأعزاء عذبهم المرض، ثم رحلوا عن الدنيا ولكنهم فى القلب باقون.

لافتات عيادات الأسنان تؤكد أن أدوات الابتسام قابلة للتجميل، ولكن مهما كانت مهارة الجراحين يظلون عاجزين عن إعطاء المريض ضمانًا بأن ابتسامته ستكون من القلب.

بمجرد رؤيتى لافتة محامٍ أستدعى مشاهد المحاكم وأقسام الشرطة والمرافعات، وأتذكر كل رجل قانون رفع قيم الحق، ولم تغوه النفس بنعيم المال من أجل تبرئة ظالم.

أحمد الله على حالى كلما رأيت من نوافذ المواصلات بسطاء مهمشين، ساعين فى أرزاقهم، متكدسين فى صناديق سيارات النقل، يأمل كل منهم أن تنقله لحظة حظ من ظروفه السيئة إلى براح أوسع.

أحبس دموعى حين أقرأ لافتة إعلان عن عمل بوردية مدتها 12 ساعة بـ ٦ آلاف جنيه! وأعتبرها انتهاكًا موثقًا للآدمية بإعلان رسمى، وأتعجب من انتهازية رجال أعمال لا يخجلون من ابتياع أعمار المحتاجين بأبخس ثمن. 

تستفزنى لافتات إعلانات منتجعات وفلل فاخرة وأنواع شوكولاتة باهظة الثمن، وأسفل أغلبها رصيف مهشم أو «أسفلت» قديم، وتل من القمامة يفتش فيه شباب من ذوى المؤهلات العليا عن أثرٍ لأملٍ فى غد أفضل.

لافتات الممثلين ولاعبى الكرة والراقصات وأصوات المهرجانات فى الميادين، وإطلاق وصف «النجوم» عليهم، تؤكد أن هناك خللاً جمعيًا لا تُشرق فى سمائه شمسٌ لمنطقٍ أو بصيص ضوء لعقل.

أشمئز من لافتة المرشح لأى انتخابات، وأعتبره إعلانًا مدفوعًا للكذب، وأشعر بالخيبة حين أقرأ لافتات النفاق المثبتة منذ زمن قديم على مداخل المدن والمحافظات ترحيبًا بالسادة الضيوف!

لا أعتبر اللافتات مجرد جمادات تحتل جزءًا من المكان، بل هى مرآة تعكس واقع مجتمع مرفوع على أعمدة تبكى لأنها لا تمتلك حق الاعتراض على حمل هذا الكم من المتناقضات فى وطن واحد.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة