علاء عبد الوهاب
علاء عبد الوهاب


يوميات الأخبار

تحدى «أنيميا الأحلام»!

علاء عبدالوهاب

الثلاثاء، 14 أبريل 2026 - 06:15 م

الأحلام حُبلى بالآمال التى دونها تصبح الحياة بلا معنى، عقيمًا، فارغة، لا يربط الإنسان بها إلا العمليات الحيوية التى يتساوى فيها مع كافة المخلوقات الأخرى!

أحلامنا قد تعانى من الانكسار، أو الضمور، وربما يدفعها البعض ـ بفعل اليأس ـ نحو الانتحار، وإن نجت، أو نجا الحالم، فلعله لا يعود سيرته الأولى، بل مكسورًا، لا يقوى على صناعة حلم جديد!

إذا تأملنا معًا معاناة البشرية فى العقود الأخيرة، سيما السنوات التى اجتازتها خلال العقد الذى نحيا أيامه، سوف نرصد همومًا ومتاعب، ومصاعب ومشاكل بلا حصر، وكلها يخصم من خصوبة وحيوية الخلايا التى تولد الأحلام! الناتج النهائى أن سكان المعمورة ـ إلا من رحم ربى ـ أصابتهم ما يمكن أن نطلق عليه «أنيميا الأحلام»!

وتمامًا كما فى الأنيميا العضوية، يعانى الإنسان من جرائها نقصًا فى دمائه، أو اختلالات فى تركيبته، ويضربه الهزال، فإن «أنيميا الأحلام» تقود من يعانى أعراضها إلى فقدان الأمل، والوقوع فى براثن السراب، وربما أدمن بريقه الخادع!

هل هى دعوة لهجر الحلم، أو التسليم بصعوبة اجتياز عتباته، ومن ثم الرضا بالواقع، والإعراض عن السعى لتغييره؟

يقينًا، لم يدر بخلدى ذلك مطلقًا، وإنما هى محاولة للاقتراب من هذه الأنيميا الخبيثة، لمقاومتها، وحصارها، ثم الاجهاز عليها.

كيف؟ تلك هى المسألة.

الإنسان كائن حالم

وربما تكون نقطة البدء، انطلاقًا إلى هدفنا، أن نبذل محاولة لإعادة تعريف الإنسان.

نعم، فرغم تعدد تعريفات الإنسان، من حيوان عاقل، أو ناطق، أو حتى ضاحك، فإن ثمة إضافة نجتهد فى تقديمها بأنه كائن حالم، يستطيع ـ بوعيه ـ أن يقتحم، ويتطلع، ويغير واقعه، ويخوض المغامرة المحسوبة ليبلغ حلمه.

الحلم جسر نحو المستقبل الأفضل والأرحب.

الأحلام حُبلى بالآمال التى دونها تصبح الحياة بلا معنى، عقيما، فارغة، لا يربط الإنسان بها إلا العمليات الحيوية، التى يتساوى فيها مع كافة المخلوقات الأخرى!

المعترضون يجمعون على أن العبد لله، مغرق فى تفاؤله دون منطق متماسك، أو متبنيًا لدعوة تهدف لبث الأمل بلا أساس يستند عليه!
ودفاعى بسيط: اقرأوا التاريخ، وسوف تلحظون أن كل تقدم أو نهضة بدأت بحلم، وأن تاريخ العلوم ذاتها قاده حالمون، اجتهدوا لتحويل أحلامهم ـ لتصبح نقاط تحول مضيئة فى حياة البشرية.

إنهم صنف من الناس لم يسمحوا لليأس أو الإحباط أن يقترب من أرواحهم، أو أن يتسرب القنوط ليستولى على عقولهم، آمنوا بأحلامهم، وتيقنوا من قدرتهم، بالتفكير الصائب، والإرادة التى لا تلين، والتخطيط السليم على تحويل الأحلام إلى حقائق تسعى أمامهم، لتسهم فى قيادة المسيرة الإنسانية.

هذا عن أصحاب الأحلام الكبيرة، والأمر ينسحب وإن بآلية تتناسب مع حجم كل حلم، والمدى الذى يستهدفه صاحبه ما يجمع كل هؤلاء إيمانهم أن قدرتهم على صياغة أحلامهم، والدأب لتحقيقها هو بحد ذاته ما يمدهم بأسباب القوة الدافعة، نحو بلوغ ما يصبون إليه، ومن حلم إلى آخر، تتولد القوة الذاتية للانجاز، ومن ثم الإقبال على الحياة، بل وإملاء إرادة المرء على دواعى الإحباط، إذا ما اعترض صاحب الحلم أى عقبات.

لحظة الاختراق

ثمة سؤال يلح فى ضوء ما حملته السطور السابقة، هل الحلم حق لكل إنسان؟

بلا شك، الاجابة بـ «نعم».. ولكن.

إذا كان يحق لأى إنسان أن يحلم، فإن الفارق بين شخص وآخر، أو منظومة وأخرى، أو شعب وشعب يتمثل فى كيف يمكن تحقيق الحلم؟

ثم هل تمثل الظروف الصعبة دافعًا للإصرار على الإنجاز أم العكس؟

ربما تكون البداية التى ينطلق من عندها الحلم ـ سواء أكان فرديًا أم جماعيًا ـ مجرد خاطر، أو شطحة، أو رغبة، أو حلم يقظة، أو فكرة عابرة، أو ...،... كلها بدايات محتملة، إلا أن ثمة قدرة مبدعة تميز شخصًا أو مجموعة أو أمة، تقود إلى نسج الحلم، وتطويره، وأن يملك الحالم ـ أو الحالمون ـ العقل الواعى، وربما العقل غير الواعى، وألا يمل من استخصار خيوط الحلم، وتجريب مسارات متعددة لا هدف لها إلا تحويل الحلم إلى حقيقة.
ثمة مسافة لابد أن يحافظ عليها صاحب الحلم ـ بين الواقع والتفكير والواقعى، والمستقبل والتفكير خارج الصندوق، شرط أن يظل الحلم فى بؤرة الانتباه الواعى، حتى تحين لحظة اختراق للمألوف، تكون بمثابة منصة للانطلاق تكسر الحاجز ما بين خبرة الماضى المعتاد، واستشراف القادم المختلف.

ربما فى هذه اللحظة يكون الحالم قد اقترب من إدراك علاج ذاتى لـ «أنيميا الأحلام»!

عودة الروح للحالمين

ولأن الأشياء فى حياتنا ـ التى تحتضن المجتمع الإنسانى والطبيعة ـ كل متصل، يتبادل علاقات التأثير والتأثر، فإن حلم فرد، أو حلم مجتمع يمكن أن يكون له تأثير الحجر الذى يُلقى فى ماء آسن، فيثير من الدوائر، ما يمثل بداية خلاقة للانتصار على تلك الأنيميا الخبيثة، التى فرضتها مشاهد متتابعة فرضت على البشرية ألوانًا من الجمود والخوف والتوجس من القادم، ومن ثم حجرت على الأحلام، بل إن مجتمعًا كالمجتمع الأمريكى، كان يدعى أنه «أرض الأحلام» صار يعانى من جدب الأحلام، ولم يفلت من خبث هذه الأنيميا بل صار «أرضًا للكوابيس»!

ما يدعو  للتفاؤل بالمعنى التاريخى للكلمة، أنه بقدر ما شهدت البشرية انتكاسات لأحلامها المشروعة، فإنها ما تلبث أن تثوب لرشدها، ليعود أصحاب الأحلام التى تنتصر للخير والحق والعدل والجمال لصدارة المشهد.

لنقرأ سويًا معالم تاريخ الإنسانية فى خطوطه الرئيسية، كان ثمة نظام عبودى ساد طويلًا، لكن العبيد حلموا بالحرية، وكان أن انتصر حلمهم، وتوالت دورات التاريخ، والصراع بين من يحلمون، ومن يحاولون قطع الطريق على الأحلام، لا سيما تجار الحروب الذين يجرون على البشرية ويلات الدمار والخراب، لكن حلم السلام انتصر مرة ومرات.

الحلم خلال هذه المسيرة الطويلة يبدأ بفكرة، ثم إرادة فعل، فالحلم بلا جدوى إذا استمر حبيسًا فى الرءوس أو الصدور، الحلم لابد أن يكسر القيود، ليجابه مشكلات تصادف الإنسانية، فتحاول طرح حلول مبدعة لتجاوزها، فالحلم دائمًا يكون رأس الجسر الذى يتيح للإنسان الانتقال للأفضل، وللمجتمعات أن تمضى للأرحب.

قوة الحلم

ماذا يعنى هذا الاستعراض؟

بداية، فإن «أنيميا الأحلام» ليست مرضًا مستعصيًا غير قابل للشفاء، ولا هو قدر لا راد له، سواء على مستوى الإنسان أو أى مجتمع.

وعلى البشر التيقن من أن الحلم هبة، ميز الخالق العظيم بها المخلوق الذى حباه بالتميز على جميع خلقه، حين ميزه بالقدرة على التفكير، والحلم فى الأصل فكرة بمعنى أدق، فإن قراءة واعية للتاريخ الإنسانى فى كل مراحله، تؤكد أن الحلم كان دائمًا قوة دافعة نحو التغيير والتقدم والنهضة.
وحتى يؤدى الحلم هذه الأدوار، فثمة شروط تلازمه، فالحالم لا يبقى قابعًا فى أبراج عاجية، وإنما يطرق أبواب مجتمعه، ثم أن عليه أن يجيد القدرة على تحويل الحلم إلى مشروع قابل للتنفيذ.

الحالم الحقيقى لن ينتصر على «أنيميا الأحلام» إلا حين لا يكتفى بفهم أن التطور سُنة الحياة فحسب، ولكن أن يكون ما يقدمه حلمًا يمثل نقله نوعية لمجتمعه، وربما يفيد المجتمع الإنسانى.

إن الحالمين ـ عبر التاريخ ـ أثبتوا دائمًا أن فى مقدور الإنسان إذا أخلص لأحلامه أن يخلق عالمًا مفحمًا بالقيم، يجسد عبرها الروعة والبهاء لكل من تحتضنه ربوع المعمورة، فهل نمنح كل حالم فرصة لإضافة حلم يزين الدنيا ببعض من الحب والجمال، ويضفى أشعة من العدل والرحمة والأمل؟

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة