داليا جمال
داليا جمال


أما قبل

صفعة على وجه لصوص التاريخ

داليا جمال

الجمعة، 15 مايو 2026 - 08:36 م

ما أسهل أن تسرق حضارة حين يصمت أصحابها، وما أسهل أن تتحول الأكاذيب إلى «حقائق» حين تكرر يوميا أمام العالم بلا مواجهة حقيقية. لهذا لم يكن غريبا أن تتعرض مصر خلال السنوات الأخيرة لمحاولات متصاعدة لسرقة هويتها الحضارية، عبر حملات منظمة تقودها تيارات مثل «الأفروسنتريك» التى لم تكتفِ بمحاولة نسب حضارة قدماء المصريين إلى شعوب أخرى، بل تحولت إلى ماكينة ضخمة لإعادة كتابة التاريخ المصرى بالكامل وفق روايات وهمية لا تستند إلى علم أو أثر أو منطق.


الأمر لم يعد مجرد منشورات على مواقع التواصل أو نقاشات عابرة، بل وصل إلى تكرار ظهور عناصر من تيار الأفروسنتريك داخل المعابد والمتاحف المصرية كمرشدين لمجموعات أجنبية، يقومون بتقديم معلومات زائفة واختلاق قصص وأدلة وهمية لتثبيت رواياتهم أمام السائحين الأجانب، فى محاولة خطيرة لتصدير الأكاذيب باعتبارها «حقائق تاريخية» داخل قلب الحضارة المصرية نفسها.. ومع تكرار محاولات تزييف التاريخ المصري، وتشويه صورة المصرى القديم، ونسب الحضارة المصرية إلى شعوب أخرى، كان لابد من تحرك حقيقى يواجه هذه الادعاءات بلغة العلم والدليل. ومن هنا جاءت خطوة الإدارة العامة للوعى الأثرى بوزارة الآثار بإطلاق «تحدى الـ100يوم»، كواحدة من أهم التحركات الثقافية والوطنية فى مواجهة هذا العبث المنظم بالتاريخ.


 مائة يوم من نشر معلومات قصيرة ومدعومة بالأدلة الأثرية والجينية والمنطقية، مع هاشتاجات موحدة بعدة لغات للوصول إلى العالم كله واستعادة الرواية المصرية الحقيقية بعد سنوات من التزييف المتعمد.. فالخطورة الحقيقية لا تكمن فقط فى اختلاق الأكاذيب، بل فى تكرارها باحترافية عبر الأفلام الوثائقية والمنصات الأجنبية وصفحات التواصل، حتى تستقر فى الوعى العالمى باعتبارها حقائق. ولهذا فإن الرد العلمى المنظم لم يعد رفاهية، بل ضرورة لحماية الهوية المصرية من محاولات الاختطاف الثقافى.


والحقيقة أن مصر لا تحتاج إلى اختلاق أمجاد أو صناعة بطولات وهمية، فآثارها ومعابدها ونقوشها ومقابرها، وحتى الدراسات العلمية الحديثة، كلها تشهد على حضارة فريدة ومتصلة الجذور عبر آلاف السنين. ولهذا فإن ما تقوم به الإدارة العامة للوعى الأثرى يجب ألا ينظر إليه باعتباره مجرد حملة إلكترونية، بل بداية مشروع وطنى لاسترداد الوعى التاريخى المصرى، وحماية الرواية المصرية من محاولات السرقة والتشويه..

فالدول الكبرى لا تحمى تاريخها بالعواطف وحدها، بل بالعلم والإعلام والتعليم والحضور القوى على المنصات العالمية. أما مصر، التى كتبت أول فصول الحضارة الإنسانية، فلن تسمح بأن تختطف هويتها أو يعاد تشكيل تاريخها وفق أهواء جماعات تحاول صناعة أمجاد وهمية على حساب الحقيقة. ولهذا فإن «تحدى الـ 100 يوم» ليس مجرد دفاع عن الماضى، بل معركة وعى حقيقية لحماية تاريخ مصر وإعادة تثبيت الحقيقة أمام العالم.
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة