الهجرة إلى الأحلام
الهجرة إلى الأحلام


نعود لنرسم وجه الطفولة: الهجرة إلى الأحلام

أخبار الأدب

الأحد، 17 مايو 2026 - 10:13 ص

سفيان صلاح هلال

حين نرجع إلى الطبيعة لنتأمل تصرفات الكائنات الحية؛ سنجد أن الهجرة من سمات الكثير منها، فبعض الطيور تهاجر من أوطانها الأصلية لأسباب خاصة بطبيعتها تتناقض مع طبيعة المكان الجغرافية فى بعض فصول السنة، وبعض الأسماك تهاجر للتكاثر، وبعض الحيوانات تهاجر خلف الماء والعشب، لكن معظم هذه الكائنات تعود بعد قضاء حاجتها إلى أوطانها فور زوال السبب مهما تنوعت أسباب هجرتها، ومهما وجدت من الأسباب التى تشجعها على البقاء فى المهجر أبدًا.  والإنسان ككائن حى عرف الهجرة سواء من مكان لمكان، وهى الهجرة بالجسد، أو الهجرة من حال لحال وهى الهجرة بالروح والنفس، والنوع الثانى من الهجرة يحدث بأشكال كثيرة قد لا تتطلب هجرة الجسد لكن نرصد تغير حال المهاجر وإن لم يترك مكانه، مثل أن نرى شخصًا اعتزل الناس، أو سلك طريق المتصوفة والرهبان، أو حتى تطرف فى ميوله أو غير ذلك... 
والشاعر أشرف قاسم فى ديوانه (نعود لنرسم وجه الطفولة) الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 20٢٦ يقدم لنا نوعًا من الهجرة تليق بالشعر ولغته وتتناسب مع اهتمامات الشاعر الإنسانية والوطنية 
«_ مضى العمر ..
_ بل بقى العمر
يكفى الذى فيه نحيا ..
نمط الثوانى لنصنع منها السنين الطوال
نعيش الذى لم نعشه
نسافر بالروح»

إذن فالشاعر هنا يسافر بالروح سفرًا تعويضيًا ليعيش الذى لم يعشه، فأسباب الهجرة من الواقع كثيرة وأيضًا أشكال الهجرة إلى الأحلام كثيرة. تتعدد الأسباب بين ما هو شخصى أو إنسانى أو وجودى أو وطني، وتتعدد منازل المهجر؛ فيرحل الشاعر إلى الطفولة أو إلى الحب أو حتى بالموت استشهادًا فى سبيل القضايا العادلة.
يمثل الموت مشكلة للناس أجمعين والشاعر يتحين الفرص للهروب من الموت ولو هروبًا معنويًا «لم تزل فرصة للهروب من الموت؟» ولكن الشاعر لا يخاف الموت، بل يحب الحياة فارتباطاته الاجتماعية والانسانية عميقة؛ وهو يخشى أن
 يفرق الموت بينه وبين الأحبة

«_ هل تخاف الردى؟
_ بل أحب الحياة
وأعشق صوت صغيري
إذا ما شدا           
وأعشق وجهك حين يطير
بقلبى المتيم
يطلقنى فى خيال المدى
أكره الموت»
 
إن الإلحاح على كراهية الموت وحب الحياة تيمة تتكرر كثيرًا فى الديوان وتتخذ أبعادًا فلسفية متنوعة؛ لذلك سنجد الديوان مشبعًا بطابع حوارى يتردد بين السؤال والجواب أو القول والشرح بما يناقضه؛ مما يكسب اللغة طابعًا استعاريًا أكثر من طابع المعانى الصارمة... كما قرأنا فى الاستشهاد السابق، ويتكرر هذا كثيرًا فى الديوان، مما يطبع التجربة بطابع وجودى يتنقل ما بين الشخصى والعام، فى الديوان يمكن أن نرصد أيضًا انكسارات كسيرة تجعل الشاعر يتخذ موقفًا رافضًا للواقع مثلًا: 
«نرفض أن يستبينا الشجن   
_ نحن فى وطن ليس يؤمن بالحب»
والشاعر يحب كل جميل ويكره كل ما يؤرق حياة الناس، ليس فى محيطه فقط، بل يتعدى الحدود ليشاهد عذاب أبناء فلسطين الذين لا ترحمهم الصهيونية ولا ينظر إليهم العالم ولا حتى العرب بنى جلدتهم

«تأتى إلينا عبر شاشات الدموع وجوههم
نبكى بكاء الخانعين        
نظل نستجدى السماء النصر
كيف يجيء هذا النصر
حين الكل خان؟
صور الملائكة الصغار 
تحاصر الأرواح
تترك فى عميق الروح ندبتها
التى لا تنمحى»

لا يخفى كم الأسى الذى طوق قلب الشاعر والعجز العملى فى بكاء الخانعين، وهو يسخر متسائلًا ما جدوى الدعاء بلا فعل؟ وكأنه يسترجع قول عمر بن الخطاب «إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة» بشكل آخر: إن السماء لا تمطر نصرًا للمتقاعسين، لهذا ليس غريبًا أن يهدى نصًا للمكافحة الفلسطينية «بشرى أبو شرر وكأنه يعتذر لها عن تقصيره مبررًا لها هذا

«صرنا كأبناء الشوارع
عرضة للتِّيهْ
تخاصمنا مدينتُنا
وتنكرنا شوارعها
مبانيها
أزقتها»
وكأنما الشاعر يقول لها لستم وحدكم تحت طائلة الاحتلال، العالم كله محتل لجبروت الظلم والمصالح بأشكال شتى، ويكشف زيف المدنية المدعاة التى تحترم الأقوياء وتقتل وتظلم الفقراء أو تسخرهم لمصالحها ولو بإراقة دمهم. 

«أن الأسى واليأسَ
فوق مراتب
التشبيهْ!
_ سُدىً سنموت دون الحلم»؟

ولكن إذا كان لا بد من الموت فإن الشاعر لا يريد أن يكون موته بلا ثمن بل فداء لقضية عادلة أو نبراسًا لأصحاب قضية

 _ «ستسألنى عن أبي
عن أخي
عن حبيبى..
مضوا للشهادة   
غافلهم جبننا
خلف تلك الخطوط
_ مضوا يرسمون لنا من زكى الدماء الطريق»
وهذا الرحيل يعتبره الشاعر نوعًا من الهجرة حينما تغلق كل أبواب الحياة أمام الجمال والحب والحق؛ هنا يكون الرحيل الجميل أيضًا، رحيل الشهداء لا رحيل القانطين.
 لكن الشاعر لا يرى هذا الحل وحده هو المفضل بل هو الضرورة، أما الرحيل من القبح والظلم فبعدة طرق ومنها الهجرة للحلم المبدع، يتجلى هذا فى نصه (أضمك) إذ تتحول الأنثى معادلًا موضوعيًا 
«أضمك؟
هل تحتوى السحر ضمةْ؟
أبوس فراشةَ ثغر 
بعطر الندى 
مستحمةْ
أصلى لرمان صدر
تشامخ فى أنفة الفاتحين
أصلى وراء جبين توضأ بالنور
صار إمام الأئمةْ
أصافخ كفيك
ينفرط النور من بين هذى الأصابع
يمنح قلبى الأمان،
فينسى المواجع،
ينسى على وطن الفرح
هَمَّهْ
تمر يدى فوق شعر
تشرب من خمرة الذكر
من ورد ليل التهجد» 
المتأمل فى لغة القطعة الشعرية لا يلاقى تلك اللغة المليئة بالشغف الأيروسى بين رجل وأنثى، أو حتى اللغة التى توحد الحبيبين عند حاجات بيلوجية أو افتتان جمالى مادي، اللغة فى القطعة مثل لغة مقدسة تستمد من المفاهيم الروحية للشاعر نفسه معانيها ومفرداتها: الصلاة، التهجد، الوضوء، النور، الذكر ... وكلها إزاحات تتجه بالنص إلى معان مجردة لا أنثى مجسمة، وإن كان الشاعر وجد فى الأنثى القدرة على تحمل مثل هذه المعاني. وبالتالى فليس غريبًا أن تكون الهجرة لحب من نوع مختلف أيضًا 

«_ إذن لا نحب؟
_ إذن نخلص الحب    
نرفعه،
نستحث الشغف
حين يلبسنا الحب ثوب الملائك
يصقلنا فى أتون السماء
يرققنا كى نشف كبلورة» 
إن الحب فى القطعة السابقة هو أسطورى كالإنسان / الملاك المشتهى، فالهجرة هنا هجرة من النموذج الإنسان الصراع من أجل الذات للنموذج المضاد الإنسان الحضور من أجل الصفاء. لهذا ليس غريبًا أن يرتد الشاعر إلى الطفولة 

«نستظل بما بين أعطافنا
من حكايا الطفولة
ننسج منها خيوط الجمال
فتعلو ونعلو            
ونشعر فى النور دفء البيوتْ
نقاوم هذا الخراب
نحب الحياة
لنبقى» 
فالطفولة بين عطاء الأمومة وعطاء البراءة والأمل هى منقذ الشاعر، وربما لهذا كان عنوان الديوان «نعود لنرسم وجه الطفولة».
لا يفوتنى أن أشير إلى نقطتين لاحظتهما عند قراءة الديوان
النقطة الأولى حضور الحوار 
والنقطة الثانية هى الحضور الملموس للإيقاع 
والنقطتان تشيران إلى محاولات الشاعر للتحليق خارج إطار المتاح من اللغة والمعانى المحيطة به للهجرة إلى أسطورته الخاصة بلغة الإبداع.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة