كلير سوينرسكي
أصعب من الكتابة للكبار الأطفال كقراء قساة
الأحد، 17 مايو 2026 - 11:09 ص
كلير سوينرسكي
ترجمة: أسماء يس
قبل بضع سنوات، رفضت محررة كتب الأطفال التى عملت معها لسنوات طويلة فكرتى لرواية جديدة موجهة لليافعين. كان الرفض صعبًا علَي، فقد كانت القصة مؤثرة للغاية؛ إذ تدور حول ابنة طاهٍ مشهور تنتقل إلى بلدة صغيرة بعد أن تبناها شقيقها الأكبر. لكن رفض المحررة جاء سريعًا وقاطعًا بأنها لن تقبل هذه المخطوطة.
ككاتب، تترسخ بعض القصص بعمق فى ذهنك الإبداعي، فتراودك عبر الأغنيات التى تسمعها فى الراديو، وأحلام اليقظة العابرة فى أثناء الاستحمام. ببساطة لا تتركك فى حالك. وقد خطر لى أن القصة ستكون أكثر إثارة للاهتمام من وجهة نظر شقيق الفتاة وسيدة مسنة تعيش فى البلدة. كتبت الفصل الأول بخط يدى وأنا على متن قارب، وأرسلته على عجل إلى وكيل أعمالي، الذى أخبرنى بثقة أنه يستطيع تسويقه، وبالفعل استطاع. وهكذا بدأ فصل جديد تمامًا فى مسيرتى المهنية.
منذ نشر ذلك الكتاب «سيدات الجنازة فى مقاطعة إيليري»، كتبت رواية أخرى للكبار «قديسو نادى العشاء»، وعددًا من الروايات الأخرى لليافعين. وواصلت شق طريقى المهنى فى كلتا الفئتين العمريتين بصعوبة بالغة، لأجد نفسى وقد انتهى بى الحال أكتب لجمهورَين مختلفين تمامًا.
عندما أصرح بهذا، عادة ما يطرح علَى الكتَّاب الطموحون الذين يكتبون لفئات عمرية متعددة سؤالين: هل من الصعب التنقل بين الفئات العمرية المختلفة؟ وأى فئة أصعب فى الكتابة لها؟
السؤال الأول إجابته معقدة ومتشعبة: أنها صعبة، وليس صعبة فى الوقت نفسه. ككاتبة محترفة، أتمنى لو كنت ملتزمة فقط تجاه إلهامي، لكنى فى الواقع ملزمة بمواعيد تسليم نهائية لم أحددها. من الصعب التنقل بين الفئات العمرية، لكن الحياة صعبة، وعلَى فعل ذلك من أجل عملي، لذا أفعله. لكن لدى حيل أستخدمها لتيسير الأمور، وأنا أمارسها بالفعل؛ عندى مثلاً «بلاى ليست» مرتبطة بكل كتاب؛ كما أحاول -أسبوعيًّا- اتباع جدول زمنى محدد؛ والمشى وراء الدوافع التى تجدد طاقتى الإبداعية قدر الإمكان، لكنى لا أنجح فى ذلك دائمًا. فالوضع، مثلما يقول أحد مقاطعى المفضلة من برنامج Saturday Night Live: أصعب من العمل فى منجم فحم.
أما السؤال الثاني، فأستطيع الإجابة عليه بسهولة: كتابة قصص جيدة للأطفال أصعب من كتابة قصص جيدة للكبار. والسبب فى ذلك متعدد الجوانب. أولاً، الأطفال حكام قساة جدًا. لن يمنحوك أكثر من صفحة واحدة، وإن لم تجذب انتباههم فى الفقرات الأولى، فابقى قابلنى لو أقنعتهم بالاستمرار فى القراءة، إذ لا بد أن يكون هناك مغريات قوية.
ثانيًا، رواياتى للكبار جميعها معاصرة، أى أنها مكتوبة بأسلوبى ووفق رؤيتى للعالم. بينما تتطلب كتب الأطفال تغييرًا جذريًّا فى المنظور، وكأنى أكتب بلغة مختلفة. بالطبع كنت طفلة فى يوم من الأيام، وأتذكر الكثير من المشاعر والرغبات ووجهات النظر المهمة، لكن نقلها بطريقة تلامس مشاعر الطفل المعاصر، دون التحدث إليه بتعالٍ أو إلقاء دروس أخلاقية مباشرة، ربما تبدو مهمة خارقة.
ثالثًا، يقع على عاتق كاتب كتب الأطفال ضغط أكبر للإسهام فى تشكيل وتطوير شخصيات اليافعين. ومع الأخذ فى الاعتبار أننا جميعًا، ودائمًا، نتطور ونتغير، لكن ثمة فكرة شبه صائبة مفادها أن الأطفال يتطورون بوتيرة أسرع، وأن القصص بالنسبة لهم قد تكون قنوات للنمو العاطفي، والدهشة، والتعاطف. بعبارة أخرى: الأطفال هم المستقبل، ومن الأفضل أن تبدع قصة تساعدنا على الوصول إلى مستقبل مشرق.
لكن الأطفال ليسوا المستقبل فحسب؛ بل الحاضر أيضًا، مثلما قال ماك بارنيت [كاتب الأطفال]، والسفير الوطنى لأدب الشباب. إنهم أفراد لهم كيانهم الخاص هنا والآن، يمرون بصعوبات وتحديات، ويحتاجون إلى نعمة القصص لتساعدهم على تجاوز عواصف الحياة، تمامًا كما نحتاجها جميعًا. صحيح أن منظورهم أكثر محدودية، لكن هذا لا يقلل من أهمية احتياجاتهم أو إلحاحها. ويكاد يكون هناك تصور نمطى بأن كتَّاب أدب الأطفال يجب أن يكونوا إما مهرجين ساذجين أو نسخة عصرية من سارة؛ بطلة قصة الأطفال «سارة البسيطة والطويلة»، أى مستعدون لتوزيع الحكمة طول الوقت. لكن الأطفال لا يحبون أن يعاملوا بتعال، مثلهم فى ذلك مثلنا، بل إنهم أكثر حساسية فى ملاحظة هذا التعالى لأنهم معتادون عليه. وأنا أكتب بجدية للأطفال للسبب نفسه الذى يجعلنى أكتب بجدية للكبار، لأنهم بشر حقيقيون يستحقون قراءة قصص جميلة.
نعم، الكتابة للكبار صعبة للغاية. والكتابة للأطفال أصعب. والكتابة لكليهما أصعب بكثير. لكن هذا تحديدًا ما يجعلها مشبعة جدًا؛ فكل يوم يحمل تحديًا إبداعيًّا جديدًا، وفرصة جديدة لسرد قصة مؤثرة، سواء كانت لتلميذ فى الصف السابع أو لجدته.
بالطبع توجد بعض الصعوبات فى بناء الاسم-البراند. وبالعودة إلى الماضي، ربما كان من الحكمة أن أتخذ اسمًا مستعارًا لفئة عمرية معينة. لكنى لم أرغب فى ذلك. لقد كتبت هذه القصص بشخصيتى الكاملة؛ لا بنسخة منمقة ومنقحة منها. هل يزعجنى تعليق أحدهم على أحدث كتبى للأطفال: «لقد أعجبتنى رواية «سيدات الجنازة فى مقاطعة إيليرى» كثيرًا، لكنها تبدو وكأنها كتبت للأطفال»؟ بالطبع يزعجني. هل يغضب البعض من استخدام كاتبة أطفال ألفاظًا نابية فى رواية للكبار؟ الغريب أن الإجابة هى نعم. لكن من الممتع كذلك فى زيارتى لإحدى المدارس أن تخبرنى معلمة كم تستمتع برواياتى الموجهة للكبار، أو سماع أخبار عن نادى قراءة للأمهات وبناتهن؛ حيث تقرأ الأمهات رواية «سيدات الجنازة فى مقاطعة إيليري»، وتقرأ البنات رواية «أى وكل بريق».
أشعر بامتنان كبير لأننى أستطيع سرد القصص للأطفال والكبار على حد سواء. فهذا يضفى تنوعًا على جدولي، ويتيح لى ممارسة مهارات مختلفة. كما أنه، لحسن الحظ، يوفر لى مصادر دخل متعددة. والأهم من ذلك، أنه يتيح لى الكتابة لعدد أكبر من الناس، ويجعلنى أستغل إبداعى للتواصل مع شريحة أوسع من القراء وخدمتهم. وعلى الرغم من وجود اختلافات واضحة بين الكتابة للأطفال والكتابة للكبار، فإن المهمتين تشتركان فى الهدف نفسه: سرد قصة لشخص يحتاج إلى سماعها.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










فانوس فوق المقطم
جمال الغيطانى.. حامل سلام العابرين
بعد الفوز بجائزة البوكر العربية
صرختها الأدبية ألهمت أجيالاً من الكاتبات
د. جوزيبى سكاتولين.. مسيرة فريدة فى رحاب التصوف
السحر الأسود للكلمات: لماذا تغرى الفاشية الكُتَّاب؟
يا أنا!
غـيـمة
عبر عدسة الأدب