صالح الصالحى
وحى القلم
القمح والقدرة
الأربعاء، 20 مايو 2026 - 06:51 م
فى لحظات بعينها لا يتحدث الرؤساء عن الزراعة باعتبارها مجرد محصول، ولا عن القمح بوصفه حبوباً تطحن لتصير خبزاً، وإنما باعتباره سؤالاً سياسياً من الدرجة الأولى.. ذلك أن الأمم لا تقاس فقط بما تملكه من سلاح، بل بما تستطيع أن تضعه على موائد شعوبها حين تضطرب الأسواق، وتشتعل الحروب.
ومن هنا بدا حديث الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال افتتاح مشروع مستقبل مصر للإنتاج الزراعى مختلفاً عن الخطاب التقليدى الذى اعتادت الحكومات أن تتحدث به عن الزراعة.. لم يكن الرئيس يتحدث عن فدادين تزرع، ولا عن صوامع تبنى، بل كان يطرح مفهوماً جديداً للأمن القومى عنوانه «من يملك قوته يملك قراره».
فحين اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، اكتشفت دول كثيرة أنها لا تستورد القمح فقط، بل تستورد معه القلق، والارتباك، واحتمالات الجوع.. هنا تحديداً فهمت مصر أن قضية القمح ليست شأناً زراعياً، وإنما معركة سيادة.
اللافت فى رؤية الرئيس أنها تجاوزت الفكرة التقليدية للاكتفاء الذاتى بوصفه رقماً حسابياً جامداً.. فالاكتفاء الكامل قد يكون مستحيلاً فى دولة يتزايد سكانها بهذه السرعة، لكن الأهم هو بناء قدرة وطنية تقلل الارتهان للخارج، وتمنح الدولة مساحة مناورة حين يختل العالم.. ولهذا جاء مشروع «مستقبل مصر» أقرب إلى إعلان سياسى بوسائل اقتصادية.. فالدولة التى تُمد الطرق إلى قلب الصحراء، وتنقل المياه والكهرباء، وتبنى صوامع ومصانع، لا تبحث فقط عن زيادة الإنتاج، وإنما تعيد رسم الخريطة السكانية والاقتصادية معاً.
والأعمق من ذلك، وربما الأخطر أن الرئيس بدا وكأنه يواجه بعقل الدولة منطقاً قديماً ترسخ لعقود، يقول إن مصر تستورد ما ينقصها طالما أن
السوق العالمية مفتوحة.. لكن العالم تغير.. وما كان متاحاً بالأمس لم يعد مضموناً اليوم.. الحبوب أصبحت سلاحاً، والموانئ صارت أوراق ضغط، والدول الكبرى لم تعد تخجل من استخدام الغذاء أداة نفوذ سياسى.
ومن هنا يمكن فهم الإصرار الرئاسى على التوسع الزراعى رغم الكلفة الهائلة.
لأن الدولة ببساطة لا تبنى حسابات الحاضر فقط، بل تحاول شراء المستقبل قبل أن يرتفع ثمنه أكثر.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أمة ليس الفقر، وإنما العجز.. والعجز يبدأ حين تصبح لقمة العيش مرهونة بإرادة الآخرين.. ولذلك فإن معركة القمح، فى جوهرها، ليست معركة زراعة، بل معركة استقلال.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع
.. وتظل «غزة» هى الهدف الأساسى!!
العقاد والمازنى وهيكل فى زمن «التريند»!
لعبة أفسدها التريند
أحمد هاشم يكتب: أفاعي «الإخوان» «14»
الراعى الرسمى لإسرائيل (2/2)
الدواء سُم قاتل ! «2»