زكريا عبد الجواد
زكريا عبد الجواد


رٌكن الحواديت

هل أنت مبسوط؟!

زكريا عبدالجواد

الجمعة، 22 مايو 2026 - 09:14 م

الفقر حزن ونكد، حتى أنه حين يسألك شخص عن الحالة المادية لشخص آخر فقد تقول إنه رجل «مبسوط» أو من ناس مبسوطين، فى ربط مباشر بين الانبساط والمال!

ذات مرة صادفت صديقًا قديمًا، وحين سألته عن أحواله استهل كلامه بأنه يمتلك عمارة ومخبزًا وشاليها فى الساحل الشمالى، بينما كان سؤالى عن أحواله «الإنسانية» بعد تجربة زواجه الأولى المريرة ولا يعنينى ما وصل إليه من ثراء أبدًا! 

لا شك أن المال هو المحرك «الساكن» للوجود البشرى، والمسهّل الأكبر للعيش، وهو الطاقة التى تُشكّل جغرافيا غالبية العلاقات، لكن هل هو فعلًا مفتاح الانبساط؟

قارون آتاه الله من المال ما وصفه القرآن الكريم «وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِى الْقُوَّةِ» ولم تكن أزمته فى ثرائه، بل فى فلسفة الامتلاك لديه، حين أنكر فضل ربه وقال: «إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِى»، وعزل المال عن مصدره الإلهى، وبُعده الاجتماعى، فتحولت كنوزُه من وسيلة لتسهيل حياته إلى أداة للبغى والاستعلاء، وأوصلته إلى أسوأ عاقبة. 

الثراء الفاحش لم يضمن حياة زوجية سعيدة للملك تشارلز والأميرة ديانا وكلاهما لم يسد الجوع «الروحى» للآخر وانتهت علاقتهما بالطلاق. 

قد يفرض الثراء على صاحبه عزلةً إجبارية خوفاً من الاستغلال، ويتحول بيته إلى سجنٍ فاخر، وهذه العزلة تولد ما يعرف بـ«اكتئاب الوفرة»، حيث يفقد كل شىء بريقه نتيجة سهولة الوصول إليه.

الرؤية الإسلامية للمال حققت توازنًا دقيقًا بين الامتلاك والتحرر، لا ترفض المال ولا تُقدّسه، بل تضعه فى موضعه الصحيح بشرط حلال مصدره واعتبرته وسيلة للابتلاء والعمارة، ولم يدعُ الإسلام إلى الزهد السلبى، بل دعا إلى السعى والعمل: ﴿فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾. 

وفى النهاية الانبساط الإنسانى «الحقيقى» يتمثل فى امتلاك المال لنسخر به الحياة، وإن أفضل ثروة هى التى نرسم بها ابتسامة على وجه محتاج، أو نرفع بها ظلمًا عن إنسان، فالشعور بلذة نُبل العطاء لا يمكن لشحيح مهما امتلك أن يشتريه أو يشعر به.
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة