عبد الكريم الحجراوى
عبد الكريم الحجراوى يكتب: مطاردة الموتى
الخميس، 28 مايو 2026 - 08:34 م
ما زلتُ أرى الموتى يسيرون فى الشوارع أمامى، لم يعد شبحهم يخيفنى، باتوا جزءًا من حياتى، يسيرون فى صمت، أو يجلسون على المقاهى. أذكر أول ميت رأيته، من يومها تعلمت الدرس جيدًا، ألا ألاحقهم أو أحاول التواصل معهم.
كانت الدنيا شتاءً قارسًا، وحدى على مصطبة الانتظار بمحطة قطار الجيزة، تحت لمبة يتشظى نورها الأصفر فى نطاق دائرى، يُحِطينى بجو يشعرنى بالكآبة والحزن. فجأة ظهرت جدتى «فهيمة» بزيها الأسود الكامل، عجوز نحيفة كما عهدتها دائمًا. ناديتها: «جدتى!» لم تلتف، هرولتُ وراءها، رَكِبتْ القطار، هممت بالركوب خلفها دفعتنى قدمها بقوة لم أعرفها فى سنواتها التى فاقت التسعين، سقطتُ فاقدًا للوعى. ثم استفقت على وجوه أناس متحلقين، يلوموننى على محاولة الانتحار، وخسارة شبابى.
حملونى إلى مصطبة، نضحوا الماء على وجهى، أصروا أن أرتشف قدر ما أستطيع فاختلط الماء بدمى فى الحلق. يومها أدركت أن مطاردة الموتى أمر خطير.
ومن هنا بدأت رحلتى، نتشارك الشوارع والمقاهى، لم أعد أهتم بالتفسير، ولا بالحكى عما يتراءى أمامى.
اليوم، رأيت «هدى» تمشى فى محطة مترو «العتبة»، فانخلع قلبى، حاولتُ الوصول إليها وسط الزحام، كلما تقدمت خطوة يعيدنى الحشد خطوات للخلف، لما يئست واشتد كربى صرخت بأعلى صوتى:
«يا هدى، هذا أنا، انتظرينى!»
أكملت المسير، ولم تلتفت إلى وجعى.. سقطتُ على الأرض، دهستنى الأقدام، وحملت أيادٍ أخرى ضعفى، كنت أبكى كطفل. قالوا إنهم سينادون بالمذياع عن الطفلة التى فقدتها، فلم يمنع ذلك نحيبى ونهنهتى باسمك.
رأيت أناسًا أعرفهم وآخرين من عصورٍ غابرة، رأيت جدى الثامن عشر، عرفته وعرفنى؛ لكن لا أحد منهم كان أنتِ. أى خيانةٍ تلك ارتكبتِها وغادرتِ، كيف لا أجن حين أراك وقد أضنانى الفقد والحنين؟ هل تعتقدين أن عشر سنوات تكفى لأَنسى؟ أتعرفين، منذ ألمّت بى تلك اللعنة أو النعمة، لم أحلم أن أرى أحدًا غيرك.
انتظرت، وانتظرت، تأملت الموتى حولى، لعلى أصادفك. كم منّيت نفسى. تتابعت السنوات، رأيت أجيالًا من لدن آدم، لكنك استعصمتِ، وعندما رأيتك وليت قبلتك عنى.
غادرت محطة المترو متكئًا على ألمى، مضيتُ أتلفّت علِّى أرى طيفك.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
وحيد الطويلة يكتب: مقام بياتى
أسامة سيد غريب (الصف الثانى الإعدادى) يكتب: مولاتى
شاعرة مغربية آمال الصالحى تكتب: ما تبقّى منى يكفى
وائل وجدى يكتب: شموخ
ونيس المنتصر يكتب: عندما تتفكك القوانين تتشكّل الهندسة
الديوان| صفر مشاهدان
الديوان| ابنته
الديوان| إلى صديق لم يغب كماً ينبغى إلى أًشرف البولاقى
الديوان| الأسئلة









