صورة تعبيرية
المشعوذون.. وتجارة العلاج باسم الدجل
السبت، 06 يونيو 2026 - 05:11 ص
حين يسكن الدجل رؤوس المتعلمين وتنتصر الخرافة على الفطرة تسيل الدماء بلا ثمن؛ في قرية فنارة بمحافظة الإسماعيلية لم يقتل المحامي الشاب والدته المسنة بأسطوانة غاز بل قتلها بهواجس سكنت عقله وأوهمته بأنها تمارس ضده أعمالاً شيطانية، هي قصة مأساوية تعيد طرح السؤال الشائك: متى ندرك أن الهلاوس مكانها عيادات الأطباء لا ساحات الدجالين أو مدافن الموتى؟!، في السطور التالية نكشف تفاصيل تلك الجريمة البشعة وابعادها الاجتماعية على المجتمع.
البداية كانت في قرية فنارة الهادئة التابعة لمركز فايد بمحافظة الإسماعيلية؛ حيث لم يكن أحد يتخيل أن سكون الليل سيقطعه دويّ جريمة لا يرتجف لها الجسد فحسب بل تهتز لها الفطرة الإنسانية في أسمى صورها.
لم يكن القاتل غريبًا ولم يكن الدافع سرقة أو انتقاما من عدو بل كان الابن الذي من المفترض أن يكون عكازًا لوالدته في خريف عمرها الـ88 فبدلا من أن يحميها من عثرات الزمن كانت أسطوانة البوتاجاز هي الأداة التي اختارها لينهي بها حياة والدته التي سهرت الليالي في سبيل سعادته لتكون نهايتها في مشهد تراجيدي تجاوز حدود العقل والمنطق.
داخل جدران منزل بسيط كانت السيدة المسنة سميرة تعيش أيامها الأخيرة في سكينة محاطة بذكريات عمر طويل قضته في رعاية اسرتها والسهر على راحة أبنائها لكنها لم تتخيل أن من يعيش معها في نفس البيت وفي غرفة مجاورة لغرفتها سيقوم بتلك الفعلة الشنعاء.
في تلك الغرفة كان نجلها الذي يعمل في مهنة المحاماة والتي تقتضي إعلاء الحق والمنطق لكنه كان غارقا في دوامة من الأوهام.
تحت وطأة ضغوط نفسية أو هلاوس لم تُحسم طبيعتها بعد استل المتهم أنبوبة وبدلا من استخدامها لأغراض الحياة جعل منها أداة للموت؛ حيث وجه ضرباته القاتلة لجسد والدته الواهن، أمه التي لم تسعفها سنواتها الـ88 ولا صرخات استغاثتها المكتومة في صد بطش الابن.
الأم التي فارقت الحياة في مكانها تاركة خلفها دماءً شاهدة على لحظة انفصال تام عن الواقع عاشها الجاني والذي لم يشعر بأي شيء ولم يندم على ما فعله بوالدته.
ما أثار دهشة وصدمة الأهالي ورجال الشرطة على حد سواء لم يكن فقط بشاعة الأداة المستخدمة بل الدافع الذي ساقه المتهم بدم بارد فخلال استجوابه لم يظهر المتهم ملامح الندم المعتادة لأي شخص ارتكب جريمة قتل بشعة لأحد أفراد الأسرة بل ألقى قنبلة بأنه فعل ذلك بسبب السحر والشعوذة!
زعم المحامي الشاب أن والدته كانت تمارس ضده أعمال السحر والشعوذة وبسبب ذلك تعدى عليها بالضرب بالأنبوبة كما قال في التحقيقات وزعم انها أضرت بحياته ومستقبله.
وهي الذريعة التي يراها خبراء علم النفس محاولة من العقل الباطن لتبرير الانهيار الذهني أو الهروب من حقيقة الاضطراب النفسي الحاد؛ حيث تحولت الأم في نظره من نبع للحنان إلى مصدر للشر مما دفعه لارتكاب فعلته ظنا منه في لحظة غياب وعي أنه يتخلص من لعنة.
خرافة اجتماعية
وهنا تقول الدكتورة جيهان عبد الحميد استاذة علم النفس: «من الناحية النفسية نحن لسنا أمام جريمة جنائية تقليدية دافعها السرقة أو الحقد بل أمام حالة نموذجية لما يسمى الذهان الحاد أو الفصام الاضطهادي حيث يفسر علم النفس لجوء المتهم لادعاء السحر بأنه ضلالة ثابتة فالمريض في هذه الحالة لا يكذب بل يؤمن يقينا بأن أمه تؤذيه بقوى خفية هذا الانفصال عن الواقع يجعله يرى قتلها دفاعًا عن النفس وليس جريمة.
وتضيف؛ إن تفسير استخدام أداة منزلية ثقيلة وغير منطقية للقتل مثل أسطوانة بوتاجاز يشير إلى حالة من الهياج العصبي المفاجئ وفقدان السيطرة التام على الانفعالات؛ حيث يفقد المريض القدرة على التحكم العقلي ويستخدم أول ما تقع عليه يداه لإنهاء التهديد الوهمي الذي يحيط به.
وتشير إلى أن ذلك فرضيات تحتاج إلى إيداعه مستشفى لمدة ٤٥ يومًا لمتابعة حالته ومعرفة هل هو يدعي المرض لكي يهرب من جريمته أم مريض فعلا؟!، ولكن في كل الأحوال الصمت أمام المرض النفسي يحول صاحبه إلى قنبلة موقوتة تنفجر في وجه الجميع.
وتقول إيمان أحمد الباحثة الاجتماعية إن هذه الجريمة هي نتاج تزاوج قاتل بين المرض النفسي والخرافة الاجتماعية ففي مجتمعاتنا الريفية غالبًا ما يتم تنميط المرض النفسي على أنه سحر أو حسد مما يجعل الأسر تلجأ للمعالجين الروحانيين بدلا من الأطباء والكارثة هنا تكمن في الإنكار الاجتماعي فالجاني يعمل محاميًا وهي مهنة لها وجاهة اجتماعية تجعل الأسرة ترفض الاعتراف بمرض ابنها النفسي خوفًا من الوصمة.
وتؤكد الباحثة الاجتماعية؛ أن هذا الصمت أدى لتحول المريض من شخص يحتاج لعلاج إلى قنبلة موقوتة ولهذا نحن بحاجة إلى تغيير الثقافة الجمعية لنفهم أن الطبيب النفسي ليس رفاهية بل هو حائط الصد الأخير قبل أن تتحول الأوهام إلى دماء داخل منازلنا.
ففي كثير من القرى والمجتمعات يُفسر السلوك الغريب أو الهلاوس بأنها سحر أو مس شيطاني وهذا التفسير يدفع الأهل للجوء للدجالين بدلا من الأطباء مما يؤدي لتدهور حالة المريض حتى يصل لمرحلة الانفجار والقتل.
***
تعيش القرية حالة من الحداد غير المعلن فالجيران يصفون المجني عليها بالهدوء والطيبة ويؤكدون أنها كانت تعيش لخدمة ابنها وكانت تخاف عليه من نسمة الهواء هكذا لخص أحد الجيران المشهد.
فحالة الذهول تسيطر على الجميع فكيف للميزان أن يختل لدرجة أن يقتل رجل قانون مَن علمته أولى خطوات الحياة، فجريمة فنارة ليست مجرد خبر في صفحة الحوادث بل هي صرخة تحذير من خطورة إهمال الأمراض النفسية وتغليفها بغطاء السحر والدجل بينما ينتظر المتهم كلمة الفصل من القضاء ومن التقارير الطبية تبقى الضحية «سميرة» رمزًا لمأساة أسرية ستظل محفورة في ذاكرة الإسماعيلية لسنوات طويلة.
إن العدالة ستأخذ مجراها بلا شك، لكن الندبة التي تركتها هذه الواقعة في قلب المجتمع المصري تؤكد حاجتنا الماسة لإعادة النظر في كيفية التعامل مع ذوي الاضطرابات الذهنية قبل أن تتحول هواجس الغرف المغلقة إلى دماء على عتبات المنازل.
اقرأ أيضا: القبض على «أم عرفة» أشهر دجالة فى البحيرة
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
بأمر الأم.. الأبناء تحولوا إلى قتلة
ضبط 50 طنًا بودرة سامة داخل مصنع بالدقهلية كانت ستتحول لأطباق طعام
ضربات حاسمة من الداخلية.. مصادرة أطنان من السموم بقيمة 470 مليون جنيه
الأم: صوت بنتي لسه في ودني وهى بتناديني الحقيني يا أمي من تعذيب حماتى
د. إبراهيم مجدي: الخرافة تعطل التفكير وتؤدي إلى الاستسلام النفسي| حوار
الاستئناف تعيد حضانة طفلين لوالدتهما بعد كشف ألاعيب الأب
تقتل طفلها انتقامًا من زوجها
ضبط طالب نصب على المواطنين عبر السوشيال ميديا
ضبط شخص نشر فيديو قديم لتعذيب طفل لزيادة المشاهدات









