زهرة عبد الله  -  حنان الطاهر
زهرة عبد الله - حنان الطاهر


«فضفضة» صحية| فن الحكى وسيلة لغرس القيم وتخفيف الضغط النفسى للأطفال

إيمان طعيمه

السبت، 06 يونيو 2026 - 08:20 م

 

زهــرة تنشـــر الونـــس بـ«القصـــص».. وحنــان بــدأت بـ«يُحكـى أن»

«زمان قالوا فضفض عشان ترتاح، ما هو الكلام المحبوس بيتعب»..

مقولة شعبية قديمة تلخص احتياج الإنسان الدائم للحكى والتعبير عما بداخله، فالفضفضة لم تكن يومًا مجرد كلام عابر، بل وسيلة للتخفيف من الضغوط النفسية واستعادة التوازن..

ومع تطور العصر، لم تعد الفضفضة مقتصرة على الكبار فقط، بل امتد تأثيرها إلى الأطفال أيضًا، لكن فى إطار أكثر تنظيمًا ووعيًا، فيما يُعرف اليوم بـ«فن الحكي»، هذا الفن، الذى بات يقدمه متخصصون.

يُستخدم هذا الفن كأداة داعمة للصحة النفسية، تساعد الأفراد على التعبير عن مشاعرهم وفهم ذواتهم بطريقة آمنة ومدروسة، فى هذا السياق، تقترب «الأخبار» من عالم «الحكواتية» لرصد طبيعة هذا الفن، والتعرف على أدواره المختلفة، وتأثيره الحقيقى فى حياة الكثيرين.

تؤكد حنان الطاهر، الحكواتية ومدربة الحكي، أن فن الحكى يعد من أقدم الفنون الإنسانية وأكثرها أصالة، مشيرة إلى وجود رأى شائع يعتبره «أبو الفنون»، وإن كان هذا الرأى محل جدل واختلاف، موضحة أن الحكى كفن لم يتغير فى جوهره عبر العصور، إذ يقوم دائمًا على ثلاثة عناصر أساسية هى «الحكواتي، والجمهور، والقصة»، وهى حالة إنسانية ممتدة منذ قديم الأزل وحتى الوقت الحالي، مضيفة أن الاختلاف الحقيقى بين الحكى قديمًا وحاليًا لا يكمن فى المضمون، وإنما فى الأدوات المعاصرة التى فرضها العصر، مثل السوشيال ميديا، وتوافر مساحات مخصصة للعروض، وغيرها من الوسائط الحديثة.

وتروى أن رحلتها مع الحكى بدأت من خلال مشروع ثقافى للأطفال حمل اسم «يُحكى أن»، كان يهدف إلى تقديم أنشطة مرتبطة بالكتب والقراءة وتنمية الوعى الثقافى لدى الأطفال، ومع انتشار جائحة كورونا عام 2020 وإغلاق المشروع، وجدت نفسها أمام أمرين إما الاستسلام أو الاستمرار، فقررت أن تكمل طريقها فى فن الحكي، وتحوله من نشاط مرتبط بمشروع محدود إلى مسار مهنى قائم بذاته، يشمل الحكى والتدريب عليه.

وتشير مدربة الحكى إلى أن الحكى لا يعد مجرد وسيلة للترفيه، بل هو فى الأساس أداة إنسانية عميقة للتواصل.

الحكى داخل المدارس

وتلفت مدربة الحكى إلى أن فن الحكى موجود بالفعل داخل بعض المدارس، حيث بدأ عدد من المعلمين فى إدراك قيمته التربوية واستخدامه فى العملية التعليمية، خاصة فى المراحل الأولى، إلا أنها تشير إلى أن هذا الاستخدام لا يزال محدودًا وغير منتشر.

وعن التحديات التى تواجه فن الحكي، تشير حنان إلى أن أبرزها يتمثل فى صعوبة ترسيخ فكرة أن الحكى فن حقيقى له قيمة وتأثير، كما تعرب عن استيائها من ضعف الاهتمام المؤسسى بهذا الفن، رغم الجهد الكبير المبذول لإخراج جلسات الحكى فى صورة فنية متكاملة، تجمع بين الحكواتى والجمهور والقصة فى حالة إنسانية واحدة.

ونس الحكايات

وفى السياق ذاته، تقول زهرة عبد الله، الكاتبة ومؤسسة مشروع «ونس الحكايات»، إن الحكى يهدف فى الأساس إلى إتاحة مساحة آمنة للأشخاص للتواصل مع ذواتهم من خلال فنون الحكى والكتابة كأداة للتفريغ النفسى والتواصل مع الذات، إلى جانب الحكى الشخصي، وتشير إلى أن تجربتها مع فن الحكى بدأت عام 2016، عندما انضمت كميسرة لورش الحكى فى مشروع «بُصي»، وهى أول تجربة عملية لها فى هذا المجال، فكانت تقوم بتفريغ القصص الشخصية وتحويلها لاحقًا إلى عروض تُقدم على المسرح وتحكى للجمهور، وهو ما شكّل نقطة التحول التى دفعتها إلى ممارسة الحكى بنفسها، إلى جانب تيسير الورش.

وترى أن ميل الناس إلى القصص وورش الحكى أو الكتابة، بدلًا من النصيحة المباشرة، يرجع إلى أن النصيحة غالبًا ما تحمل طابع الوعظ أو الإحساس بالتفوق، ما يضع الطرف الآخر فى موقف دفاعي، لكن الإنسان حين يحكي، لا يبحث عن توجيه أو تصويب، بل يحتاج إلى من يسمعه دون أحكام أو نقد، وإلى أن يرى ألمه ويعترف به.

وتضيف أن الحكى فى كثير من الأحيان يكون «نصف العلاج»، إذ إن الشخص حين يحكي، يسمع نفسه، ويعيد تأمل الموقف من جديد، بعيدًا عن المقاطعة أو المقارنة أو إصدار الأحكام، وهو ما لا يتوافر غالبًا فى جلسات النصيحة التقليدية.

فضفضة خادعة

وعن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، ترى أن للسوشيال ميديا جانبين متناقضين فيما يخص الحكى العلاجي، فإيجابيًا، ساهمت فى كسر الخوف المرتبط بالحديث عن الصحة النفسية، وفتحت المجال للكلام عن موضوعات كانت تُعد من المحظورات، إلا أنها فى المقابل قد تمنح شعورًا زائفًا بالتعافى، حيث يكتفى البعض بالفضفضة عبر التعليقات والإعجابات، معتقدين أنهم تجاوزوا المشكلة.

وتؤكد زهرة أن الحكى يستخدم داخل غرف العلاج النفسى كجزء من التعامل مع حالات مثل اضطرابات ما بعد الصدمة والفقد، حيث يساعد على ترتيب الذكريات وتفكيك الأحداث، وتختتم حديثها بالتأكيد على أن ازدياد الإقبال على ورش الحكى فى الفترة الأخيرة يعكس احتياجًا إنسانيًا حقيقيًا للتواصل المباشر، فى ظل هيمنة الشاشات، مشيرة إلى أن فن الحكى بات ملاذًا للكثيرين للعودة إلى ذواتهم ولمس مشاعرهم فى مساحات آمنة.

تعليم القيم

فيما تقول لبنى الحسيني، مدرب معتمد فى التربية الإيجابية، إنها تؤمن بأهمية الحكى كأداة أساسية فى تربية الطفل من خلال الأسلوب القصصي، وتشير إلى أن علاقتها بالحكى بدأت أثناء عملها كمعلمة أطفال، حيث يعتمد التدريس على الحكى لجذب انتباه الأطفال وبناء تواصل حقيقى معهم.
وتؤكد لبنى أن الجيل الحالى لا يتقبل الأسلوب التقليدى القائم على المحاضرات والنصائح المباشرة.

قائلة: «أى قيمة نرغب فى غرسها لدى الطفل يمكن تقديمها من خلال قصة»، مشيرة إلى أن الحكى قادر على تناول موضوعات كبيرة مثل الصداقة، والوطن، والمساواة، والمواطنة، والأمانة، والحب، بل وحتى قضايا حساسة مثل انفصال الوالدين، بأسلوب يطمئن الطفل ويجعله مستمعًا ومشاركًا.

وتستشهد بقصة واقعية عن طفل استمع إلى إحدى الحكايات التى تناولت الانفصال بين الوالدين، ثم بادر بالحديث مع والده قائلًا: «ممكن تعيشوا فى بيتين عادي، بس نفضل نحب بعض»، وهو ما دفع الوالدين لإعادة التفكير ومحاولة حل خلافاتهما، وهذه هى القيمة الحقيقية التى يسعى فن الحكى إلى إيصالها للأطفال بطريقة سلسة ومريحة، رغم ثِقل الموضوعات المطروحة، فالحكى فن إنسانى قديم يتيح للطفل التعبير عن مشاعره وأفكاره، خاصة أن كثيرًا من المشكلات النفسية تبدأ من شعور الإنسان بعدم القدرة على التعبير عن نفسه.

 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة