عمرها أقدم من أمريكا.. "محمصة سليم" حكاية من زمن البركة
«محمصة سليم» حكاية من زمن البركة.. 216 عاما من عبق الحمص والتراث
الأحد، 07 يونيو 2026 - 01:19 م
ماجدة شلبي
في قلب مدينة طنطا وبالقرب من ساحة مسجد "شيخ العرب" يقف مكان صغير في مساحته عظيم في تاريخه يحمل بين جدرانه حكاية عمرها أكثر من قرنين من الزمان. هناك حيث تتسلل رائحة الحمص الساخن إلى المارة وتختلط بدخان التحميص وصوت الماكينات القديمة تقف (محمصة سليم) كأنها قطعة محفوظة من ذاكرة مصر الشعبية.
ليست مجرد محمصة عادية أو محل قديم لبيع الحمص لكنها حكاية وطن وتراث وعائلة توارثت المهنة أبًا عن جد حتى أصبحت المحمصة واحدة من أشهر المعالم التراثية بمدينة طنطا بل وأقدم محمصة حمص في مصر كلها بعدما تأسست عام 1810 أي قبل أن تعرف أمريكا الحديثة مكانتها العالمية بسنوات طويلة وقبل أن تتغير خرائط العالم مرات عديدة.
وعلى مدار أكثر من 216 عامًا بقيت (محمصة سليم) صامدة في مكانها تتحدى الزمن وتقاوم اندثار المهن القديمة بينما اختفت حولها عشرات الحرف والمحلات التاريخية التي لم تستطع الصمود أمام تغيرات العصر.
بمجرد دخولك إلى المكان تشعر وكأنك عبرت بوابة زمنية تعيدك عشرات السنين إلى الوراء أكياس الحمص المرصوصة بعناية والموازين القديمة وصوت التحميص المتواصل والوجوه التي تحمل ملامح الطيبة والبساطة المصرية القديمة كل تفصيلة داخل المحمصة تحكي قصة طويلة من الكفاح والعمل والبركة.
ويقول الدكتور محمد إبراهيم سليم ابن الحاج إبراهيم سليم إن تلك المحمصة ليست مجرد تجارة بالنسبة لهم بل تاريخ عائلة كاملة موضحًا أن والده ورثها عن جده وأنهم يمثلون اليوم الجيل التاسع الذي يعمل في هذه المهنة العريقة.
وأضاف أن ارتباطه بالمكان لم يتغير رغم دراسته للصيدلة إذ يحرص على الحضور يوميًا إلى المحمصة ومتابعة العمل بنفسه لأنه يشعر أن هذا المكان يمثل جزءًا من هويته الشخصية وذاكرة أسرته قائلاً إن الحفاظ على المحمصة بالنسبة لهم واجب تجاه تاريخ طويل صنعه الأجداد على مدار مئات السنين.
وأكد أن تجارة الحمص في طنطا بدأت منذ أكثر من مائتي عام وأن عائلتهم كانت أول من بدأ صناعة وبيع الحمص بالمدينة لافتًا إلى أن الحمص ظل عبر الزمن واحدًا من أشهر المأكولات الشعبية المرتبطة بالمصريين خاصة خلال الموالد والمناسبات الدينية.
وأوضح أن الحمص ليس مجرد (تسالي) كما يظن البعض بل نبات غني بالبروتين وله قيمة غذائية كبيرة لذلك ظل حاضرًا بقوة على موائد البسطاء والأغنياء على حد سواء وأصبح جزءًا من الذاكرة الشعبية لأهالي الدلتا.
ولأن للمكان تاريخًا طويلًا فقد تحول على مدار العقود إلى مقصد للسياسيين والمشاهير ورجال الدولة والفنانين إذ زاره الرئيس الراحل محمد أنور السادات كما جلس داخله الشيخ محمد متولي الشعراوي ومرّ به الزعيم سعد زغلول خلال زياراته لمدينة طنطا فضلًا عن عشرات الشخصيات العامة التي حرصت على تناول الحمص من المحمصة العريقة التي أصبحت جزءًا من تاريخ المدينة نفسها.
ولا تتوقف حكاية (محمصة سليم) عند بيع الحمص فقط بل تمتد إلى رحلة طويلة وشاقة من التصنيع والإعداد تحتاج إلى خبرة متوارثة عبر الأجيال.
ويشرح الدكتور محمد إبراهيم سليم مراحل تصنيع الحمص قائلاً: (إن البداية تكون من زراعته في محافظات الصعيد مثل المنيا وأسيوط حيث يحتاج الحمص إلى أجواء باردة بعيدًا عن الأمطار حتى لا يتعرض للتلف أو التعفن.
بعد ذلك تبدأ مرحلة (التنشير) وفيها يتم فرد الحمص على مفارش مخصصة لمدة لا تقل عن 70 يومًا كاملة حتى يجف بالشكل المطلوب ثم تأتي مرحلة الغربلة والتبخير لإزالة الشوائب وتنظيف الحبوب جيدًا.
أما المرحلة الأهم فتكون بوضع الحمص داخل الجير الحي لمدة يوم كامل وهي عملية تساعد على تفتيح لون الحبة ومنحها الشكل المعروف لدى الزبائن ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التحميص تحت درجات حرارة مرتفعة وهي المرحلة التي تمنح الحمص طعمه المميز ورائحته الشهيرة التي يعرفها أهالي طنطا من مسافات بعيدة.
وبعد انتهاء التحميص يتم تغليف الحمص وتجهيزه للبيع سواء داخل المحمصة أو للباعة والتجار الذين يأتون من مختلف المحافظات للحصول على الحمص من مصدره الأشهر والأقدم.
ومن داخل المحمصة يقف المعلم حماصة أحد أقدم العاملين بالمكان يتابع حركة الماكينات بعين خبيرة اكتسبت خبرتها عبر سنوات طويلة من العمل.
ويقول إن صناعة الحمص تغيرت كثيرًا عما كانت عليه قديمًا بعدما دخلت الماكينات الحديثة التي سهلت مراحل التصنيع المختلفة موضحًا أن كل شيء في الماضي كان يتم يدويًا بالكامل بداية من تنظيف الحمص وغربلته وحتى تحميصه وتعبئته.
وأضاف أن رغم التطور الكبير في المعدات فإن سر الطعم الحقيقي ما زال يعتمد على خبرة (المعلم) وقدرته على ضبط درجات الحرارة ووقت التحميص بدقة لأن أي خطأ بسيط قد يفسد جودة المنتج بالكامل.
وأشار إلى أن موسم البيع الحقيقي بالنسبة لهم يبدأ مع احتفالات مولد السيد البدوي والمولد النبوي الشريف حيث تتحول طنطا إلى مدينة لا تنام وتمتلئ شوارعها بالزوار القادمين من مختلف أنحاء الجمهورية ويصبح الحمص وقتها واحدًا من أهم رموز الاحتفال والبهجة الشعبية.
ويضيف أن آلاف الزوار يحرصون كل عام على شراء الحمص من (محمصة سليم) تحديدًا باعتبارها الأقدم والأشهر حتى أصبح المكان جزءًا من طقوس زيارة طنطا نفسها.
ورغم مرور السنين وتعاقب الأجيال ما زالت (محمصة سليم) تحافظ على روحها القديمة كأنها ترفض الاستسلام لعصر السرعة والحداثة لتبقى شاهدًا حيًا على زمن كانت فيه المهنة شرفًا وكان التراث يُصنع بحب وصبر لا بالماكينات وحدها.
و تبقى (محمصة سليم) أكثر من مجرد محل لبيع الحمص إنها صفحة نادرة من تاريخ طنطا الشعبي وقطعة أصيلة من ذاكرة المصريين ومكان ما زالت رائحته تحمل عبق الماضي وتحكي للأجيال الجديدة كيف يمكن لمهنة بسيطة أن تتحول إلى أسطورة تعيش أكثر من قرنين.

الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
من المتحف إلى الموضة.. حكاية «عقد» مصري تحدى الزمن
حكايات مصرية خالدة.. كيف حفظ الزمن رسالة ابن لوالده لآلاف السنين؟
«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت
حكاية مستضيف النبي.. رحلة الـ 80 عاماً من بيت المدينة إلى أسوار القسطنطينية
«رحلة البردي».. حكاية قرية ورثت سر الفراعنة وصنعت «شريان حياة»
الصلصلة.. الموسيقى المقدسة في طقوس المصريين القدماء
أسرار ميناء عيذاب.. حكاية بوابة الحجاج والتجارة المفقودة على البحر الأحمر









