جوانا ستالنيكر
جوانا ستالنيكر


والباقى هو الصمت: فلاسفة التنوير فى فراش الموت

أخبار الأدب

الأحد، 07 يونيو 2026 - 04:00 م

أحمد الزناتى

كَتَب راينر ماريا ريلكه إحدى قصائده: «يا رب: هَبْ كل امرئ ميتته الخاصة؛ ارزقه الموت المولود من قلب الحياة؛ الحياة التى عرف فيها الحب، والمعنى والشقاء». وكتَب عبد الرحمن بدوى فى الموت والعبقرية: «الكل فانون، ولكن كل إنسان يموت وحده، ولا يمكن أن يكون واحد آخر بديلًا عنه». 
بينما كنت أراقب تقلُّب الفصول (شتاء قارس فى أول مايو!)، وجدت نفسى بين رؤيتين متناقضتين للموت؛ الأولى قدَّمها الفيلسوف السويدى سورين كيركجارد فى كتيّبه الصغير: «الزنبق فى الحقل، والطير تحت السماء»، حيث يعيدنا إلى مقاعد التلاميذ فى استهلال الكتاب، مُناشدًا ابن آدم أن يتعلَّم «الصمت والطاعة والفرح» من كائنات تعيش موتها كما تعيش حياتها، فى تسليم مطلق لنواميس الكون، دون قلق من مستقبل، أو خوف على فوات رزق، أو خطفة موت مفاجئة.
 أما الرؤية الثانية فقد اقتحمت خلوتى فى ساعة متأخرة عندما مرَّ أمامى إعلان عمل، نشرته صفحة دار نشر جامعة ييل على تطبيق فيسبوك للأستاذة الجامعية جوانا ستالنيكر، أستاذ اللغة الفرنسية بجامعة كولومبيا. 
عنوان الكتاب بترجمة حرفية: «الباقى هو الصمت»، (دار نشر ييل، 2025).

يقلِب كتاب د. ستالنيكر الأخير التصورات السائدة حول إرث عصر التنوير رأساً على عقب، وذلك عبر استنطاق ما كتبه رموز فلاسفة عصر التنوير فى ختام حياتهم؛ حيث يطرح الكتاب حجة مفادها أن فلاسفة التنوير، وبينما كانوا يتأملون الكتابة بوصفها سبيلاً للوصول إلى الأجيال القادمة، تقبّلوا احتمالية ألا تنجو أسماؤهم ولا كتاباتهم طويلاً بعد تحلُّل أجسادهم، وبعد أن نقشوا الصمت والعدم فى ثنايا أعمالهم الأخيرة. تبدأ المؤلفة بختام مسرحية «هاملت» لشكسبير، إذ ينطق الأمير المحتضر بكلماته الأخيرة: «والباقى هو الصمت»، فتتخذ المؤلفة هذه الكلمة عنواناً لكتابها عن فلاسفة القرن الثامن عشر التنويريين وهم يواجهون الموت، مستكشفةً كيف كَتب مفكرو عصر التنوير مثل: ديفيد هيوم، والكونت دى بوفون، ودينيس ديدرو، وجان جاك روسو، وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة؛ ثم تتساءل: هل تراجعوا عن معتقداتهم السابقة؟ وهل واجهوا «الفراغ» الذى أوشكوا على التلاشى فيه عبر إبداعٍ متجدد؟
تُقدم المؤلفة رؤية مغايرة لما ألفناه عن عصر التنوير؛ فبدلاً من التركيز على التنوير بوصفه حركة تمضى دوماً إلى الأمام، تسلط الضوء على «فكرة التنوير فى الرمق الأخير لو جاز لى التعبير، حيث يلتفت الفلاسفة إلى الوراء فى لحظاتهم الأخيرة.
كان الفيلسوف والمؤرخ ديفيد هيوم (1711-1776) قد كتب مقالته قصة حياتى عام 1776 وهو يحتضر إثر إصابته بسرطان المعدة، قاصداً أن تكون تأبينًا لنفسه ومقدمة لأعماله الكاملة.
تذهب المؤلفة إلى أن هذه المقالة لم تكن محاولة من هيوم لنيل الخلود الأدبى البتة، بل كان قد بدأ بالفعل فى «التدريب» على موته عبر الكتابة عن نفسه بصيغة الماضي، قائلاً: «لأختتم تاريخى من خلال وَصْف شخصيتى؛ أنا الآن، أو بالأحرى «كنت» (إذ هذا هو الأسلوب الذى يجب أن أستخدمه الآن عند الحديث عن نفسى».
تواصل المؤلفة: «بينما كان الفيلسوف الإسكتلندى ديفيد هيوم طريح فراش الموت فى صيف عام 1776، غدا رحيله حدثاً يترقبه الجميع بشغف، حيث ذهب كاتب السِيَر المعروف جيمس بوزويل إلى منزل هيوم، ليجده وادعاً بل ومبتهجاً، يتحدث فى شؤون شتى بطمأنينة نفس وصفاء ذهن يندر أن يملكهما رجل فى أوج عافيته. وبأسلوبه اللبق طرح بوزويل مسألة الدار الآخرة، متسائلاً عن إمكانية وجود حياة بعد الموت، فأجابه هيوم: إن حدوث ذلك هو احتمال ألا تحترق قطعة فحم أُلقِيَت فى النار، ثم أردف بأن فكرة وجودنا الأبدى ليست إلا وهماً يفتقر إلى أدنى منطق. وحين ألحَّ بوزويل متسائلاً عما إذا كان فناء النفس يورثه قلقاً، أجاب هيوم بأنه لا يجزع من فكرة العدم أكثر مما يجزع من فكرة أنه لم يكن موجوداً قبل ميلاده. بل إن هيوم صرح جهرًا بأن أخلاقيات كل دين هى أخلاقيات سوء، وأنه كلما سمع عن متدين استنتج أنه إنسان نذل، وإن كان قد عرف رجالًا صالحين لم يمنعهم صلاح أخلاقهم من التدين».
تنتقل المؤلفة إلى فكرة أخرى عن هيوم فتقول:
«يطرح عنوان الكتاب حياتى My own Life [وقد ترجمتُ مقالة هيوم كاملة وستصدر فى كتابى «فلسفة الفقد» بإذن الله]، تساؤلاً حول مفهوم المِلْكية: ما الحياة؟ وبأى معنى نمتلك حياتنا، خاصة فى اللحظة التى نستعد فيها للتخلى عنها؟ بالنسبة لهيوم، كانت حياته مرادفة لـتاريخ كتاباته. وبما أنه وصف نفسه فى كتابه «رسالة فى الطبيعة البشرية» بأنه ليس سوى حزمة من الإدراكات المتغيرة التى تنتهى بالموت، إلا أنه يضع ملكيته لحياته — ونعنى بها ياء الملكية فى لفظ «حياتي» — بل وملكية أعماله ذاتها، موضع شك؛ فهى عنده مرهونه بمزاج الجمهور المتقلب. لذا نراه يستعرض إخفاقاته بمرارة: كيف أن عمله الأول الرسالة قد وُلد «ميتاً من المطبعة»، وكيف أن كتابه «البحث فى مبادئ الأخلاق» قد أطل على العالم دون أن يلحظه أحد. ذلك أنَّ «وجود» العمل الفنى فى نظر هيوم مشروط باعتراف الجمهور؛ فبغير التفات الناس، لا يملك الكاتب مِلكيةً حقيقيةً لحياته أو إنتاجه (انتهى الاقتباس).
اللافت عندى أن هيوم جعل حياته مرهونة بآراء الآخرين، والحق أننا إذا سألنا أولئك «الآخرين» المزعومين لوجدنا أن 99,9% منهم ساخطون على حياتهم العامة والخاصة، وعلى اختياراتهم الحياتية، وعلى المجتمع والناس، ومع ذلك نُعلّق حياتنا (ولنلاحظ ضمير الملكية كما فعل هيوم) بآراء الناس، أو كما يقول أحد الفلاسفة الرواقيين: كيف يهمّنى إعجاب بشر لا تعجبهم حياتهم من الأساس!
تستطرد المؤلفة: «إن هيوم لا يطمح لـ «المجد» بمعناه الدينى [الأرجح تقصد المجد السماوى وفق المفهوم المسيحى]، بل لـ «الشهرة» (Fame)، المستمدة من اللاتينية (Fama) التى تعنى «ما تلوكه ألسنة الآخرين»، بالرغم من إدراكه أن هذا الحديث خاضع لتقلبات التاريخ العشوائية. فى ختام قصة حياتي، يُطرح بقاء إرث هيوم موضع تساؤل؛ فالحقيقة التى يواجهها الفيلسوف هى أن النسيان والعدم هما المصير الحتمى الذى يستوعب فى جوفه الإنسان وأفكاره على حد سواء».
>>>
أما الروائى والمفكر التنويرى دينيس ديدرو فقد كان يحدوه الأمل فى أن يتحد بعد موته مع من يحب، ليس فى فراديس ميتافيزيقية (وفق تعبير المؤلفة)، بل عن طريق تحوّله إلى سيلٍ من الجزيئات المادية المنسجمة مع الطبيعة.
تقول المؤلفة: «جرت العادة على اعتبار عصر التنوير حركةً تتطلع دوماً إلى المستقبل، وهو أمر يبدو منطقياً بالبديهة، لأن التنوير هو الذى شكّل ملامح العالم الذى نحيا فيه اليوم. تفيض الفلسفة التنويرية بالاستعارات والسرديات التى تعزز هذه الرؤية؛ بدءاً من فكرة «الصفحة البيضاء» للفيلسوف جون لوك، الذى يرفض الادعاء بأن الإنسان يولد وهو يحمل معارف أو مبادئ فطرية مثل الأفكار الدينية أو المنطقية المسبقة، وصولاً إلى قصة الانتقال من «حالة الطبيعة» إلى «المؤتمر المدني» عند جان جاك روسو. 
وفى الفصل الخاص بعالم الطبيعة والرياضيات الفرنسى التنويرى كونت «جورج لويس دوبوفون»،الذى سعى إلى عقلنة الموت ونزع القداسة عنه، نقرأ: «نرى «بوفون» يتطرق إلى مسألة الموت بمناهج شتى، ومنها المناهج الإحصائية؛ إذ خرج إلى نتيجة تفيض طمأنينة، فحواها أن المرء حين يبلغ الثمانين، تظل بين يديه فرصة سانحة ليعيش عاماً آخر، ومن ثم فلا مسوغ لرهبة الموت. كانت فحوى رسالته أن الخشية من الموت لا تستقيم مع المنطق؛ إذ أراد الفلاسفة فصم تلك العروة الوثقى التى ربطت مهابة الموت بالدين الكاثوليكى فى فرنسا آنذاك، تحريراً للناس من أصفاد الخوف. ويصح لنا أن نعد هذا المسلك وسيلة لمجابهة الموت، كما يصح ـ فى الوقت ذاته— اعتباره نوعاً من المراوغة والفرار إلى «لعبة الأرقام»». (انتهى الاقتباس).
وأودُّ أن يتذكر القارئ كلمة الهروب المنسوبة لدو بوفون، لأنى سأستعملها فى آخر المقالة، ولأن ابن آدم عادةً لا يهرب من شيء يأمنه، أو يأنس به، أو يفهمه. فالهروب ينطوى على هاجس مكتوم.
فى الفصل الأخير نرى حياة المفكرة والناشطة السياسية مدام رولاند (1754–1793)، الوجه الأشد وضوحاً ومأساوية فى ختام الكتاب؛ فهى تلك المثقفة العصامية التى صاغت عقلها اقتداءً بِسُنَّة أدبيات التنوير، لتجد نفسها لاحقاً واحدة من أبرز قادة ومخططى حزب «الجيروند» إبان الثورة الفرنسية. وبينما كان أسلافها من فلاسفة التنوير يموتون على فراشهم موتاً بطيئاً، كانت هى تتقدم إلى المقصلة فى ذروة عطائها، لتصبح «النموذج المضاد» الذى يكسر صمت التنوير بضجيج الشهادة السياسية.
تقول المؤلفة: «خلافاً لـ «بوفون» الذى رأى الموت عملية فسيولوجية تتمثل فى «تيبّس اللحم والعظام»، كان موت رولاند «انقطاعاً حاداً» أملته القوى السياسية. إنها لم تمت بوصفها ذاتاً فلسفية تتأمل فناءها الخاص، بل بوصفها ذاتاً سياسية حديثة تدرك أن عنقها الذى سيبتر مرتبط بمصير أمة بأكملها. ومع أن السيدة رولاند -والكلام لا يزال على لسان المؤلفة- عاشت حياتها متشككة [دينياً]، ومتأثرة بمادية الكاتب «ديدرو» التى لا تؤمن إلا بالدنيوى والملموس، إلا أن كتابات السجن شهدت عودة قوية للمفاهيم الميتافيزيقية. ففى نصوصها الأخيرة لم تعد تتحدث عن الموت بوصفه عملية تحلل بيولوجى صرف، بل استعملت لغة «التضحية» و«الفداء» [تقصد مفاهيم الإيمان المسيحى]؛ ومن هنا أحلَّت رولاند اليقين أو الإيمان باليوم الآخر محلَّ «العَدَم» التنويرى، معتبرة أن روحها ستجد العدالة فى عالم آخر بعيداً عن ظلم «روبسبيير» [المحامى الفرنسى الذى تولّى قيادة لجنة الأمن العام، وهى السلطة التنفيذية التى حكمت فرنسا بعد الثورة الفرنسية]. 
>>>
سآخذ طرف الخيط من كلمتي: النسيان والعَدم، وأربطهما بأول المقالة.
ما العلاقة بين كتاب كيركجارد الذى نوّهت به فى مطلع المقال وكِتاب فلاسفة التنوير على فراش الموت؟ العلاقة أنها مرآة كاشفة للرؤية الكلية للعالم. يلوذ الفريقان بالصمت ويواجهان النسيان والعَدَم (وإن اختلف تأويل كلمة العَدَم عند كل فريق)؛ أما الأول فيلوذ بالصمت إقراراً بالعجز أمام المطلق (ربما تأسّى فيتجينشتاين بهذا المسلك)، انطلاقًا من أنّ العجز عن إدراك الإدراك إدراك، وعند الفريق الثانى صمت سلبى لا مكترث، لا يرى إلّا ظاهر الحياة الدنيا. يتواشج كتابُ كيركجارد السابق مع هذه الفكرة بشكل أو بآخر، ولكنه يتبنّى منظوراً مغايراً: منظور مخلوقات الله فى الطبيعة.
يتصادف أن يقترن كل كتاب يرتقى ويدخل دائرة الأعمال القريبة مني، بواقعة ما؛ وقد ظهر كتاب كيركجارد الصغير أمامى مرات عدة فى الأشهر الماضية، حتى أتممته فى ليلتين لصغر حجمه. أما الواقعة فهى زيارة لأحد الأقارب أؤجلها منذ شهور، وهو شيخ نزيل أحد دور الرعاية الطبية؛ مريض ألزهايمر وباركنسون، أرمل، وأولاده مغتربون. وعيه غائب فى عالم آخر. وكان سبب تأجيل الزيارة ثِقلها النفسي، ولأن أبى توفى بالمرض نفسه قبل سنوات، ولأن كل الأحبة الراحلين الذين دفنتُهم بيدى قضوا فى ظروف قاسية، ولأن رجلاً عظيماً صاحب أيادى بيضاء على حياتى العملية مات بالمرض نفسه قبل سنتين، وتعمّدت ألا أحضر جنازته ولا عزاءه بالرغم من قربى الشديد منه، ولا بأس أن يكون للمرء طقوسه فى الإعراب عن محبته ووفائه لأحد، حتى وإن بدا جافياً أو بارداً. هكذا يَخلُد فى الذاكرة اللا إرادية. لم أكن أريد رؤية قريبى فى هذه الحالة، ولم أكن أريد أن أتذكر ما مضى، ولم أكن أريد أن يعاودنى الوسواس السمج أنى سأموت بالمرض نفسه. فى مثل هذه الأحوال يكون الإدمان هو المهرب: إما إدمان العمل والإفراط فيه التماساً للنسيان، وإما إدمان الانغماس فى الحياة وصخبها وفضائها الأزرق لأجل النسيان أيضاً.
ثم زرته صباح أحد الأيام تحت تأثير فكرة كيركجارد. دخلتُ الغرفة فوجدته جالساً على كرسيه، ينظر إلى نقطة ما فى الفراغ؛ فى تلك اللحظة صَمتُّ صمتَ الطير الذى قرأته عند كيركجارد. يصمت الطير أو تصمت الزنابق لأنها تؤمن أن كل شيء يأتى فى وقته، وأنها لا تملك أن تعرف الساعة ولا اليوم. ساعة كاملة أناجى فيها نفسى وأمامى شيخ يبتسم بلا وعي. أدركتُ وأنا فى طريق العودة أن كل محاولات التنوير والصمود أمام محاولة فهم ما بعد الموت هى ضرب من المراوغة. 
ربما يُعجَب المرء برباطة جأش هيوم وهو فى الرمق الأخير، وويعجب بثقة الرجل المفرطة فيما يعتقد، لكنى استغربت منه ألا ينشغل بسؤال: ما مغزى رحلته كلها إذا كان اسمه سيُنسى، وإذا كانت أنوار العقل ستُطفأ فى يوم. ما قيمة كل ما أنتجَ إن لم خلت قصة حياته من مغزى أو تأويل؟ حيث يصبح السعى وراء الشهرة والأثر الأدبى سعيًا عبثيًا فى فضاء محكوم عليه بالعدم والنسيان، وذاكرة البشر مجبولة على النسيان بطبعها. لم يجرؤ هيوم على الاعتراف بأن غياب «قَفْلة» أو «خاتمة» قصة حياته يجعل من المغزى الإنسانى برُمته وهمًا مقيمًا، ومجافاة صارخة، وغير منصفة لروح العقل/ المنطق الذى طالما آمن به وحده. فى نهاية المطاف لا عزاء يفوق الصمت الذى تمثله الزنبقة أو الطير، الذى لا يشكو، ولا يتفلسف، ولا يطلب المجد، أو الخلود.
أتى كيركجارد وهدم كل شيء بضربة واحدة، عندما قال:
«حين يواجه الطير قسوة هذه الحياة، ويُختبر فى المصاعب والمصائب، يتعين عليه أن يجرب شرّ هذا العالم، ويتحمل رمى عشّه بحجر، أو أن إنساناً استمتع بهدم عشّه الأثير، أو المكان المحبب إليه، إلخ، يتحمل بلا قيد أو شرط كل شيء، يطيع إرادة الله. يظل الطير صامتاً وينتظر، فهو يعرف، أو بالأحرى يؤمن بقوة أن كل شيء سيحدث فى وقته المحدد، لذلك ينتظر، لأنه يعرف أنه لا يجوز له معرفة الساعة أو اليوم، ولذلك يلزم الصمت ويعاني، ولكن الإنسان للأسف لا يفعل هذا.. يعرف أن الهلاك هو النهاية. حتى لو دهمه الموتُ بغتةً، فلا ينكر أنه قد عاش، وأكل وشرب وفَرِح يومًا، ولا بأس إن كانت هذه لحظة النهاية. 
فى ساعة الرحيل واجه فلاسفة التنوير، الذين أقاموا مشروعهم على تنوير العقول، والإيمان بالمادة، حقيقةَ أن نور التنوير سيُطفأ، وأن أسماءهم وأعمالهم ستصير هشيماً تذروه الرياح، وأنه من غير المعقول أو المنطقى ألا تكون للحكاية بقية. 
آمن كيركجارد بالصمت المُطيع السعيد، ولم يرَ فيه استسلاماً جبرياً (لأن لا مفرَّ من الموت، أيّاً ما كان الخندق الذى تقف فيه). فطَلَب من الإنسان أن يتعلّم من الطير والزنبقة، من المخلوق الضعيف الذى لا يعرف ساعة موته ولا ساعة رزقِه، فيصمت، ويصبر ويشكر وينتظر.
فى الصفحة الأولى من نوفيلا صمويل بيكيت «الحب الأول والصحبة»، يسارع السارد المجهول إلى تدوين البيتين الآتيين على نُصب قبرِه: «هنا يرقد من أفلتَ منه مرارًا، والذى لم يفلت منه إلى الآن». 
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة