اسامة عجاج
اسامة عجاج


فواصل

نبيل فهمي.. المهمة الأصعب

أسامة عجاج

الثلاثاء، 09 يونيو 2026 - 08:46 م

قد تكون الصدفة وحدها وراء بدء نبيل فهمى مهامه الكبرى فى شهر يونيو مرتين، فمنذ ١٣عاماً، قبل التحدى عندما وافق - بعد اعتذار عدة مرات - على القبول بمنصب وزير الخارجية، فى الفترة الأخطر التى مرت بها الدبلوماسية المصرية، فى إطار المتغيرات والأحداث التى شهدتها مصر فى تلك الفترة، وفي٢٣ يونيو الحالي، سيعلن  وزراء خارجية الدول العربية، موافقة القادة العرب على التوصية المرفوعة لهم، على ترشيح نبيل فهمى أميناً عاماً للجامعة العربية فى اجتماعهم بالعاصمة الأردنية عمان، دون انتظار للقمة العربية القادمة، والتى يبدو من الصعوبة عقدها، على الأقل فى ظل هذه الظروف التى كان من المفترض أن تستضيفها السعودية. 
نجح نبيل فهمى فى المهمة الأولي، رغم قصر مدتها، التى امتدت عاماً واحداً، فى التعامل مع سوء الفهم الذى تعامل به المجتمع الدولي، عما جرى فى مصر يونيو٢٠١٣، وكان أبرز مظاهره توترا ملحوظا فى العلاقات مع أمريكا، نتيجة تردد واشنطن فى تأييد التغيير الحاصل، وتجميد جزء من المعونة العسكرية، واستثمر نبيل فهمى علاقاته الطويلة، مع مراكز اتخاذ القرار فى واشنطن، خلال عمله سفيراً لمصر فى أمريكا تسع سنوات كاملة، فى سرعة إنهاء التأزم، وتنظيم زيارات لعدد من كبار المسئولين الأمريكيين لمصر، كما نجح فى استئناف العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وإعادة هيكلة العلاقات الخارجية، والتوجه إلى روسيا، من خلال دورتين لاجتماعات صيغة (٢ + ٢) وزيرى الدفاع والخارجية فى البلدين خلال عام فقط، وكذلك مع الصين، كما نجحت وزارة الخارجية بتحركاتها النشطة، فى استعادة مصر عضويتها فى الاتحاد الإفريقى فى ١٧ يوليو٢٠١٤. 
وهكذا، ومن جديد، يجد نبيل فهمى نفسه، أمام تحدٍ جديد، ونوعية مختلفة، وهذه المرة كأمين عام للجامعة العربية، منذ اعتماد وزراء الخارجية فى مارس الماضى بالإجماع ترشيح مصر له، لخمس سنوات قادمة، تبدأ من أول الشهر القادم، فى أدق ظروف مر بها النظام العربى الرسمي، الذى يعانى من حالة انكشاف استراتيجى كبير، وضعف وإنهاك سياسى شديد، نتيجة ما واجهه طوال الحقب الثلاثة الماضية، وتحديداً منذ الغزو العراقى للكويت، مروراً باتساع دوائر الأزمات، والتى شملت عدداً كبيراً من الدول العربية، وأصبح النظام العربى على مفترق طرق، فى ظل غياب أى أفق سياسي، واستعصاء على الحل، آخرها تداعيات طوفان الأقصي، وجرائم إسرائيل ضد الإنسانية فى قطاع غزة، وتوابع الهجوم الأمريكى والإسرائيلى على إيران، لدرجة غياب التوافق على مفهوم الأمن القومى العربي. فلم تعد إسرائيل هى المهدد الأول للمنطقة العربية، بل هناك من يتبنى أنها إيران. كما يعانى النظام العربى الرسمى من توابع الانقسامات السياسية بين الدول، وإعلاء المصالحة الوطنية على القومية، والتأثير السلبى للتوافق على شكل موحد للعلاقات العربية مع دول الجوار والدول الكبرى، مع ضعف مزمن لمؤسسات الجامعة العربية، مع غياب فكرة الإلزام، وعدم وجود آلية لمتابعة القرارات والتوصيات. 
ولعل خطورة المرحلة القادمة، أن النظام العربى على المحك فى ظل تلميحات من بعض الجهات بالخروج من الجامعة العربية، ومخاوف من مشروعات إعادة رسم خريطة المنطقة، وفى مقدمة هذه المشاريع يأتى  الشرق الأوسط الجديد الذى سبق أن تحدث عنه نتيناهو، وجوهره  تكريس التفوق النوعى عسكرياً، ومنع ظهور أى قوة أخرى على الصعيد العربي، أو إيران، ويمتد مؤخراً إلى تركيا، التى أصبحت محوراً مهماً فى استراتيجية تل أبيب، مع ضمان الدعم الأمريكى وتوسيع نطاق اندماجها فى المنطقة، بدعم واضح، من خلال تبنى الرئيس ترامب الاتفاقيات الإبراهيمية، ومحاولات فرضها على المنطقة، بينما يعتمد المشروع الإيرانى على بناء شبكة نفوذ إقليمية ذات طابع طائفي، عبر العديد من دول المنطقة، وأبرز نموذج لذلك، اللعب بورقة حزب الله، وهو الذى يحظى بمكانة عالية فى هذه الاستراتيجية. كذلك أنصار الله فى اليمن. ومثل هذا التوجه عامل مساعد فى سد الفجوة فى القدرات مع واشنطن، والسعى إلى اعتراف دول المنطقة بأنها قوة إقليمية وازنة فى أى ترتيبات قادمة، وآخر تلك المشروعات الحديث عن تبلور نظام (هجين) يضم دولاً عربية مثل مصر والسعودية وقطر، مع دول إسلامية تركيا وباكستان. 
 كل هذه العوامل، تجعل من إعادة إحياء النظام العربي، وهى المهمة الأصعب التى تنتظر نبيل فهمي، وتحتاج عاملين أساسيين، الأول توافر إرادة سياسية من الدول الأعضاء للسير بجدية فى هذا المسار، باعتباره المظلة المضمونة والآمنة، لتحقيق استقرار المنطقة، والثانية يتعلق بجهد الأمين العام الجديد، ومن خلال استقراء لتاريخ وقدرات نبيل فهمى الدبلوماسية، أستطيع أن أؤكد أنه يملك القدرة والرغبة فى تحقيق الهدف، وهو ما كان واضحاً فى بيانه عقب الإعلان عن ترشيحه، وتحدث عن شعوره بالمسئولية الكبيرة فى ظل التحديات غير المسبوقة التى تواجه الأمة العربية، وأستطيع أن أؤكد استثماره الفترة الماضية لوضع ملامح تحركه، رغم أن الميثاق يقلص من صلاحيات الأمين العام، ويحصرها فى إطار إداري، ولكنه بثقة الدول الأعضاء قادر على توسيع هامش حركته، بعيداً عما نص عليه الميثاق، ومنها متابعة تنفيذ القرارات والتوصيات الصادرة من مجلس الجامعة، والإشراف على مختلف قطاعات الأمانة العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإعداد الميزانية، وتعيين موظفى الأمانة، وتنظيم الاجتماعات، ويقتصر مهامه الديبلوماسية، فى تمثيل الجامعة أمام المنظمات الدولية والهيئات العالمية، وظنى أن مخطط التحرك سيركز على الأقل فى المرحلة الأولى على وقف التدهور الحاصل باستخدام الأدوات المتاحة، بتفعيل عمل اللجنة مفتوحة العضوية لإصلاح وتطوير الجامعة العربية برئاسة مصر، والتى تم إقرارها من وزراء الخارجية العرب عام ٢٠١٣، وينبثق عنها أربعة فرق عمل  فرعية، لمراجعة الميثاق برئاسة السعودية، وتطوير أجهزة الجامعة ومهامها، ومن بينها مجلس السلم والأمن برئاسة تونس، والارتقاء بالعمل الاقتصادى برئاسة العراق، وتعزيز الدور الشعبى فى المنظومة برئاسة الجزائر.
وأخيراً كل المؤشرات تقول إن الجامعة العربية على موعد مرحلة طرح المبادرات، والسعى إلى إقرارها من قادة الدول العربية، فى ظل استشعار عام بمخاطر المرحلة، وأن الجامعة العربية ستظل المظلة الأضمن، بعيداً عن أى استقطاب إقليمى أو دولي.
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة