د.عطية لاشين  --  الشيخ سامى صالح  -- د. فودة السيد
د.عطية لاشين -- الشيخ سامى صالح -- د. فودة السيد


تقـاليـع زمـن التـرنـد| العلماء: ليس كل مشهور قدوة.. والوعى ضرورة لحماية الشباب

الأخبار

الخميس، 11 يونيو 2026 - 07:11 م

حسام بركات

فى وقت أصبحت فيه الشهرة تُصنع بضغطة زر، وتتصدر فيه «الترندات» المشهد اليومى بنماذج بعضها مقزز، آخرها أحد المغنيين الذى ظهر بتقليعة شعر منفرة وخواتم معلقة فى شعر ذقنه، يبرز سؤال مهم: من يستحق أن يكون قدوة للأجيال؟

فبين تأثير مواقع التواصل الاجتماعى وتراجع حضور النماذج الملهمة فى بعض الأحيان، تتجدد الحاجة إلى ترسيخ معايير صحيحة لاختيار القدوة، حفاظًا على وعى الشباب وهويتهم وقيمهم، فى هذا التحقيق، نوضح الرؤية الإسلامية للقدوة الحقيقية، وكيف يمكن حماية الأجيال من الانسياق وراء الشهرة الخالية من الرسالة والقيمة.

يؤكد د. عطية لاشين، أستاذ الفقه الإسلامي، بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر أن اختيار القدوة فى الإسلام لا يقوم على الشهرة أو كثرة المتابعين، وإنما يقوم على معيارين أساسيين هما: صلاح الدين، وحسن الخلق، فالقدوة الحقيقية هى التى تقود الإنسان إلى الخير وتعينه على طاعة الله وتدفعه إلى البناء والإصلاح، لا إلى الانشغال بالمظاهر الزائفة أو اللهاث وراء الشهرة.

ويضيف أن القرآن الكريم وضع للمسلمين النموذج الأكمل للقدوة فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فالعبرة ليست بمن يملك القدرة على جذب الأنظار، وإنما بمن يملك القدرة على تهذيب النفوس وإصلاح السلوك، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وفى ذلك توجيه واضح إلى الرجوع لأهل العلم والخبرة لا إلى أصحاب الضجيج الإعلامي.

ويشير إلى أن بعض مشاهير مواقع التواصل قد يقدمون محتوى نافعا، لكن الواجب هو تقييم الأشخاص بميزان القيم والأخلاق والصدق، لا بميزان عدد المشاهدات والإعجابات، فالمسلم مطالب بأن يكون واعيا ومدققا فيما يتلقى، وأن يدرك أن التأثير الحقيقى لا يقاس بحجم الانتشار بل بمقدار النفع الذى يقدمه الإنسان لنفسه ولمجتمعه. ويشدد على أن حماية وعى الأجيال تبدأ من ترسيخ قيمة الاقتداء بالعلماء والمصلحين وأصحاب الإنجازات الحقيقية، لأنهم الأقدر على بناء الإنسان وصناعة المستقبل، بينما تظل الشهرة وحدها معيارا مضللا إذا انفصلت عن الأخلاق والقيم.
بناء وعى

يضيف د. فودة السيد، إمام وخطيب مسجد الإمام الشافعى، أن الإسلام يرفض أن تكون الشهرة أو كثرة المتابعين معيارًا للحكم على الأشخاص أو اتخاذهم قدوة، لأن القيمة الحقيقية للإنسان فى ميزان الشرع تقوم على الإيمان والعلم والعمل الصالح وحسن الخلق، لا على حجم الانتشار أو الأضواء الإعلامية، فكم من شخص ذائع الصيت لا يقدم للناس إلا الفراغ أو الانحراف، وكم من عالم أو مصلح نافع للأمة لا يعرفه إلا القليل.


والقرآن الكريم لفت الأنظار إلى خطورة الاغترار بالكثرة، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فليست الكثرة دليلًا على الحق، كما أن الشهرة ليست شهادة على الصلاح، كما يقول سبحانه: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وفى ذلك بيان لمكانة العلم وأهله، وأن التفضيل يكون بالمعرفة النافعة لا بالانتشار الواسع.

وأن النبى  حذر من الانخداع بالمظاهر، فقال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، مما يؤكد أن معيار التفاضل الحقيقى هو العمل والخلق والإخلاص.

ويشدد على أن أخطر ما يواجه الشباب اليوم هو الخلط بين الشهرة والتأثير الإيجابي، فليس كل مشهور قدوة، وليس كل مؤثر جديرًا بالاتباع، ومن هنا تأتى أهمية بناء الوعى النقدى الذى يمكّن الشباب من التمييز بين من يدعو إلى الفضيلة والعلم والعمل، وبين من يصنع لنفسه حضورًا رقميًا دون رسالة نافعة أو قيمة حقيقية للمجتمع.

أمر عارض

يشير الشيخ سامى صالح، مدير إدارة أشمون الأزهرية، أن الإسلام ينظر إلى الشهرة باعتبارها أمرًا عارضًا لا يرفع قدر الإنسان ولا يجعله قدوة ما لم تقترن بالعلم النافع والأخلاق الكريمة والعمل الصالح، فالقدوة فى المفهوم الإسلامى هى من يدعو الناس إلى الخير بسلوكه قبل كلامه، ويكون نموذجا فى الصدق والأمانة وتحمل المسئولية.

وأن كثيرًا من الشباب قد ينجذبون إلى أصحاب الشهرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ظنا أن كثرة المتابعين دليل على النجاح أو صحة الأفكار، بينما يؤكد الشرع أن المعيار الحقيقى هو مدى توافق الأقوال والأفعال مع القيم الدينية والأخلاقية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.

ويضيف أن حماية الأجيال من الانسياق خلف القدوات الزائفة تتطلب دورًا متكاملًا من الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية، لترسيخ قيمة العلم والخلق والعمل الجاد، وتعريف الشباب بالنماذج المضيئة من العلماء والمصلحين وأصحاب الإنجازات الحقيقية الذين أسهموا فى نهضة أوطانهم وخدمة مجتمعاتهم.
 

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة