غرف العمليات الرقمية - ل. د. سمير فرج - د. طارق هلال - د. وائل العبد - د. وليد حجاج
تحقق خسائر كبيرة بتكلفة محدودة| الحروب العصرية.. تدمير «أون لاين»
الجمعة، 12 يونيو 2026 - 09:30 م
المسيّرات والأنظمة الروبوتية أشعلت الحرب فى الشرق الأوسط
لم يعد الانتصار فى الحروب مرهوناً بعدد الدبابات أو المقاتلات أو حجم الجيوش كما كان الحال لعقود طويلة.
ففى الوقت الذى تواصل فيه الدول تطوير ترساناتها العسكرية التقليدية، تتشكل ملامح صراع جديد أكثر تعقيداً، صراع يبدأ داخل مراكز البيانات وغرف العمليات الرقمية وخلف شاشات الحواسيب العملاقة، فى إحدى ساحات الحرب الروسية الأوكرانية، نجحت طائرة مسيّرة لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف من الدولارات فى تدمير معدات عسكرية تقدر بملايين الدولارات.
فى مشهد اعتبره خبراء الدفاع إعلاناً عملياً عن دخول العالم مرحلة جديدة من الحروب، تتراجع فيها أهمية العدد والكلفة أمام سرعة الخوارزميات ودقة البيانات وقدرة الذكاء الاصطناعى على دعم القرار، وخلال سنوات قليلة، انتقل الذكاء الاصطناعى من كونه أداة تقنية تُستخدم فى المجالات المدنية إلى عنصر مؤثر فى التخطيط العسكرى وإدارة العمليات والاستطلاع وتحليل المعلومات والحرب السيبرانية والتأثير على الرأى العام.
وأصبحت الطائرات المسيّرة الذكية والأنظمة الروبوتية والأقمار الصناعية المتطورة ومنصات الحرب الإلكترونية مكونات رئيسية فى عقيدة الجيوش الحديثة، غير أن التحول الأخطر لا يتعلق بالسلاح فقط.
وإنما بالعقل ذاته، فبينما تتسابق القوى الكبرى لتطوير جيوش رقمية قادرة على الرصد والتحليل واتخاذ القرار فى ثوانٍ معدودة، تتصاعد أيضاً حروب المعلومات والتضليل والتأثير النفسى.
حيث قد يحقق مقطع مصور مزيف أو حملة إلكترونية منظمة تأثيراً استراتيجياً يتجاوز أحياناً تأثير الضربات العسكرية التقليدية.
فى ظل هذا السباق العالمى المحموم، يبرز سؤال يفرض نفسه بقوة: كيف تستعد دول العالم للحرب القادمة؟ وهل سيظل الإنسان صاحب القرار الأخير، أم أن الخوارزميات بدأت بالفعل فى إعادة رسم خرائط القوة وصناعة النصر والهزيمة؟، فى هذا التحقيق، ترصد «أخبار اليوم» ملامح الثورة العسكرية الجديدة، وكيف تعيد دول العالم بناء جيوشها لعصر الذكاء الاصطناعى، والدور الذى تلعبه البيانات والطائرات المسيّرة والحروب السيبرانية فى تشكيل معارك المستقبل.
وأكد اللواء د. سمير فرج، الخبير الاستراتيجى ومدير إدارة الشئون المعنوية الأسبق، أن الذكاء الاصطناعى لم يعد مجرد تقنية مساندة داخل المؤسسات العسكرية، وإنما أصبح أحد العناصر المؤثرة فى إعادة تشكيل طبيعة الجيوش الحديثة وإدارة العمليات العسكرية، مشيراً إلى أن العالم يشهد تحولاً متسارعاً نحو دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى مجالات القيادة والسيطرة والاستطلاع والدعم اللوجستى واتخاذ القرار.
وأوضح أن هذا التطور يفرض تحديات معقدة أمام الجيوش، فى مقدمتها احتمالات وقوع أخطاء نظامية ناتجة عن اعتماد الأنظمة الذكية على البيانات والخوارزميات فى مواقف ميدانية متغيرة، لافتاً إلى أن غياب التقدير البشرى المباشر قد يؤدى أحياناً إلى قرارات تحمل عواقب خطيرة على الأرض.
وأشار إلى أن البعد الأخلاقى يمثل أحد أكبر التحديات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعى عسكرياً، خاصة فيما يتعلق بمدى التزام الأنظمة الذاتية بقواعد القانون الدولى الإنسانى وقوانين الحرب، مؤكداً أن المجتمع الدولى ما زال يبحث عن إطار واضح ينظم هذه القضية شديدة الحساسية.
وأضاف أن العالم دخل بالفعل مرحلة سباق التسلح الرقمى، حيث تتنافس الدول على امتلاك أحدث التقنيات والقدرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعى لتحقيق التفوق العسكرى، محذراً من أن الاعتماد الكامل على البيانات لا يضمن دائماً سلامة القرار، إذ قد تقود المعلومات الصحيحة نفسها إلى نتائج كارثية إذا جرى تفسيرها أو توظيفها بصورة غير دقيقة داخل بيئة العمليات.
وحذّر اللواء سمير فرج من المخاطر السيبرانية المصاحبة لهذا التحول، موضحاً أن الأنظمة العسكرية الذكية أصبحت أهدافاً محتملة للهجمات الإلكترونية، وأن أى اختراق أو تلاعب بهذه المنظومات قد يترتب عليه تأثيرات استراتيجية واسعة النطاق، وعن مستقبل الجيوش، توقع أن تشهد السنوات المقبلة توسعاً كبيراً فى استخدام تقنيات التعلم العميق والتكامل بين العنصر البشرى والأنظمة الذكية، بما يسهم فى رفع كفاءة العمليات العسكرية وتحسين مستويات التدريب والتخطيط واتخاذ القرار.
وفيما يتعلق بالطائرات المسيّرة، أوضح اللواء سمير فرج أن الحرب الروسية الأوكرانية قدمت نموذجاً واضحاً للتأثير المتنامى لهذه المنظومات فى ساحات القتال الحديثة، بعدما أثبتت قدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والرصد والتشويش واستهداف الأهداف المختلفة بكفاءة عالية وتكلفة منخفضة مقارنة بالطائرات المقاتلة التقليدية.
وأضاف أن الطائرات المسيّرة تمتلك مزايا عديدة، أبرزها انخفاض تكاليف التشغيل وعدم حاجتها إلى بنية تحتية معقدة أو أطقم طيران كبيرة، وهو ما جعلها خياراً مهماً للعديد من الجيوش حول العالم.
وأكد فى الوقت نفسه أن هذه المنظومات لن تحل محل القوات الجوية التقليدية، لأن الطائرات المقاتلة وطائرات النقل العسكرى ما زالت تحتفظ بقدرات استراتيجية لا تستطيع الطائرات المسيّرة القيام بها، خاصة فيما يتعلق بنقل القوات والمعدات الثقيلة وتنفيذ الضربات بعيدة المدى وحمل الذخائر ذات الأوزان الكبيرة.
وأكد د. طارق هلال، الخبير السياسى والاقتصادى، أن الذكاء الاصطناعى أصبح أحد أهم عناصر القوة الشاملة للدول، مشيراً إلى أن العالم يشهد تحولاً جذرياً فى مفهوم النفوذ والسيطرة، بعدما أصبحت البيانات والخوارزميات ركائز أساسية فى تشكيل موازين القوة الدولية، وأن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على الصواريخ والطائرات والدبابات، موضحاً أن العالم دخل مرحلة جديدة من الصراعات تُدار عبر الفضاء الرقمى، حيث يمكن للهجمات الإلكترونية أن تشل اقتصاد دولة كاملة أو تعطل بنية تحتية حيوية دون إطلاق رصاصة واحدة.
وأوضح أن الصراع العالمى حول الذكاء الاصطناعى تجاوز حدود المنافسة التكنولوجية التقليدية، ليصبح جزءاً من معادلات القوة والنفوذ الدولى، مؤكداً أن البيانات الضخمة والخوارزميات المتقدمة أصبحت من أهم مصادر القوة الشاملة للدول فى العصر الحديث.
وشدد على أن الأمن السيبرانى أصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومى، مؤكداً أن حماية البيانات والبنية التحتية الرقمية لم تعد أقل أهمية من حماية الحدود البرية والبحرية والجوية، وحذر من أن الدول التى لا تمتلك قدرات رقمية متقدمة قد تجد نفسها خارج معادلات التأثير فى المستقبل، موضحاً أن الرهان الحقيقى لم يعد على امتلاك التكنولوجيا فحسب، بل على القدرة على توظيفها بكفاءة لخدمة التنمية وتعزيز الاستقلالية الوطنية.
وأكد أن مصر تمتلك فرصة مهمة للانخراط بقوة فى هذا التحول العالمى من خلال تطوير البنية التحتية الرقمية، ودعم البحث العلمى، وبناء الكفاءات التكنولوجية، بما يعزز قدرتها على مواجهة تحديات المستقبل وحماية أمنها القومى، مشيراً إلى أن حسم صراعات المستقبل قد يرتبط بامتلاك المعرفة والقدرة على إدارة البيانات بقدر ارتباطه بامتلاك أدوات القوة التقليدية.
ومن جانبه، أكد الدكتور المهندس وائل العبد، الخبير السياسى، أن البيانات أصبحت الوقود الحقيقى للذكاء الاصطناعى، وأن امتلاكها وتحليلها يمنح صانع القرار قدرة أكبر على فهم المجتمعات والتنبؤ بالسلوكيات والتأثير فى اتجاهات الرأى العام، وأوضح أن الذكاء الاصطناعى لم يعد يقتصر على التطبيقات العسكرية المباشرة.
وإنما امتد إلى ميادين المعلومات والإدراك والتأثير النفسى، حيث يمكن توظيفه فى نشر الشائعات وحملات التضليل وخطابات الكراهية والتأثير على استقرار الجبهة الداخلية للدول.
أوضح أن أحد أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعى يتمثل فى القدرة على دراسة السلوكيات البشرية عبر فترات زمنية طويلة واستخلاص أنماط تساعد على التنبؤ بالقرارات والتصرفات المستقبلية، لافتاً إلى أن دقة هذه التوقعات ترتفع كلما توافرت بيانات أكثر وأدق.
وأشار إلى أن هذه القدرات تفتح الباب أمام استخدامات خطيرة فى الصراعات الحديثة، حيث يمكن توظيف الذكاء الاصطناعى فى نشر الشائعات وحملات التضليل الإعلامى وخطابات الكراهية والتأثير على الرأى العام، بما ينعكس بشكل مباشر على استقرار الجبهة الداخلية للدول وصناعة القرار السياسى.
وشدد على أن تفكيك الجبهة الداخلية وإضعاف الثقة فى المؤسسات الوطنية قد يحقق أهدافاً استراتيجية كانت تتطلب فى السابق استخدام القوة العسكرية المباشرة، مؤكداً أن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على المواجهات التقليدية، بل امتدت إلى ميادين المعلومات والإدراك والتأثير النفسى.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن التكنولوجيا تحمل دائماً وجهين؛ أحدهما إيجابى يسهم فى تحقيق التنمية وتعزيز القدرات الوطنية، والآخر قد يتحول إلى مصدر تهديد إذا أسىء استخدامه.
ومن جانبه أكد د. وليد حجاج، خبير أمن المعلومات ومستشار الهيئة الاستشارية العليا للأمن السيبرانى وتكنولوجيا المعلومات، أن العالم يشهد تحولاً جذرياً فى طبيعة الحروب والصراعات العسكرية.
موضحاً أن المعارك الحديثة لم تعد تبدأ بإطلاق الرصاص أو تحرك الجيوش، بل تنطلق قبل ذلك بسنوات عبر جمع البيانات وتحليلها واختراق الأنظمة المعادية لتحقيق تفوق معلوماتى يسبق أى مواجهة عسكرية، وقال حجاج إن الذكاء الاصطناعى أصبح القوة المحركة الرئيسية لإعادة تشكيل قواعد الحرب فى القرن الحادى والعشرين.
مشيراً إلى أن الطائرات المسيّرة المدعومة بخوارزميات الذكاء الاصطناعى باتت قادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع وتحديد الأهداف واتخاذ قرارات عملياتية بسرعة ودقة غير مسبوقة..
ولم تعد الحروب القادمة مجرد مواجهة بين جيوش متقابلة أو أسلحة متطورة، ففى عالم يتغير بهذه السرعة، قد لا تبدأ الحرب القادمة بإطلاق رصاصة، لكنها بالتأكيد ستُحسم بالعقل الذى يمتلك المعلومة أولاً.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
رئيس جمهورية الكونغو: العاصمة الجديدة نموذج إفريقى للتنمية الحديثة نتطلع للاستفادة منه
لتحسين التجربة السياحية وتعزيز التحول الرقمى: ماكينات حجز ذاتى لزيارة وادى الملوك بالأقصر
«تطوير التعليم بالوزراء»:اختبارات مجانية للالتحاق بمعهد الكوزن المصرى اليابانى
اللواء خالد مجاور لـ«أخبار اليوم»: إنجازات غير مسبوقة بطول وعرض أرض الفيروز
د. عمرو صدقى لـ «أخبار اليوم»: إعداد أول خريطة لمواقع الاستشفاء الطبيعى والعلاجى
بشهادات دولية مصـر مركز إقليمـى للطاقـة
اللواء تيسير العطار مـديــر المعـهـد لـ « أخبار اليوم »: معهد اللغات للقوات المسلحة صرح أكاديمى بمعايير عالمية
المنيا| المحـــافظة بـدأت التشغيـل التـجريبى
كفر الشيخ| ٣ قلاع طبية جديدة بتكلفة ٢ مليار جنيه








