صورة ارشيفية
صورة ارشيفية


اكتشاف مذهل في باطن الأرض.. فطريات تحمي الحياة منذ 475 مليون عام

هاجر عودة

الإثنين، 15 يونيو 2026 - 02:25 م

يعتقد كثيرون أن التربة التي نسير فوقها يوميا ليست سوى طبقة من الأرض تستخدم للزراعة أو البناء أو شق الطرق، إلا أن العلماء كشفوا عن عالم هائل يختبئ تحت أقدام البشر، يتمثل في شبكة فطرية معقدة تلعب دورا محوريا في الحفاظ على الحياة على كوكب الأرض منذ مئات الملايين من السنين.

وأظهرت دراسة علمية نشرت في مجلة «ساينس» أن تربة الأرض تحتوي على شبكة ضخمة من الفطريات الجوفية، تمتد خيوطها لمسافة تصل إلى نحو 110 كوادريليون كيلومتر، وهي مسافة تعادل ما يقرب من 750 مليون مرة المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس.

بنية تحتية خفية عمرها 475 مليون عام

تتمثل هذه الشبكة في ما يعرف بالفطريات الجذرية الشجرية، وهي منظومة واسعة من الخيوط الأنبوبية المجهرية الدقيقة المعروفة باسم «الخيوط الفطرية»، وتعد هذه الفطريات من أقدم الكائنات التي ساهمت في دعم النظم البيئية على الأرض، إذ يرجع وجودها إلى نحو 475 مليون سنة.

اقرأ أيضا| «الزراعة» تطلق 500 نموذج إرشادي لنشر «المخصبات الحيوية» بالمحافظات

وتقيم هذه الفطريات علاقة تكافلية مع أكثر من 70% من النباتات الموجودة على سطح الأرض، حيث تزود النباتات بالمياه والعناصر الغذائية التي تحتاجها للنمو، مقابل حصولها على الكربون الذي تمتصه النباتات من الغلاف الجوي عبر عملية البناء الضوئي.

ولا تقتصر أهمية هذه الشبكات على تغذية النباتات فحسب، بل تؤدي دورا بيئيا بالغ الأهمية في مكافحة تغير المناخ، إذ تساعد على تخزين كميات كبيرة من الكربون داخل التربة، مما يساهم في الحد من تراكمه في الغلاف الجوي وبالتالي المساعدة في تبريد الكوكب.

10 أمتار من الفطريات داخل ملعقة صغيرة من التربة

وأوضح الدكتور جاستن ستيوارت، المؤلف الرئيسي للدراسة، أن كثافة هذه الشبكات تفوق التصورات الشائعة، مشيرًا إلى أنه يمكن العثور على ما يصل إلى 10 أمتار من خيوط الفطريات الجذرية داخل ملعقة صغيرة واحدة فقط من التربة.

ولفهم توزيع هذه الشبكات على مستوى العالم، أجرى باحثون من جمعية حماية الشبكات تحت الأرض (SPUN)، وهي منظمة تأسست عام 2021 بهدف دراسة وحماية الأنظمة الفطرية الجوفية، تحليلًا لبيانات أكثر من 16 ألف عينة تربة جمعت من مختلف أنحاء العالم.

اقرأ أيضا| «الزراعة» توفر مخصبات حيوية للفلاحين لخفض تكاليف الإنتاج

واعتمد الفريق البحثي على نماذج متقدمة للتعلم الآلي لإنشاء أول خريطة عالمية توضح أماكن انتشار هذه الشبكات الفطرية وكثافتها، إضافة إلى تحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر والتدهور.

النشاط البشري يهدد الشبكات الفطرية

وكشفت نتائج الدراسة أن التهديد الأكبر لهذه البنية التحتية الطبيعية يأتي من الأنشطة البشرية، وبشكل خاص من الممارسات الزراعية المكثفة، وأظهرت البيانات أن كثافة الشبكات الفطرية في الأراضي الزراعية تقل في المتوسط بنسبة 47.3% مقارنة بالنظم البيئية البرية الطبيعية.

ويرجع الباحثون هذا التراجع إلى عدة عوامل، أبرزها عمليات الحراثة المكثفة التي تؤدي إلى تفتيت التربة وتمزيق الخيوط الفطرية، إلى جانب الاستخدام المفرط للأسمدة الكيميائية ومبيدات الفطريات التي تخل بالتوازن الدقيق القائم بين النباتات والفطريات.

وحذر العلماء من أن تدهور هذه الشبكات قد يترتب عليه تداعيات بيئية واسعة النطاق، تشمل انخفاض قدرة التربة على تخزين الكربون، وتراجع كفاءة توزيع العناصر الغذائية للنباتات، بالإضافة إلى ضعف قدرة التربة على حماية الأنهار والبحيرات من الملوثات الناتجة عن الجريان الزراعي.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور توبي كيرز، أحد المشاركين في الدراسة، أن اختفاء هذه الشبكات يعني انتقال كميات أكبر من المواد الكيميائية والمخلفات الزراعية إلى المجاري المائية، الأمر الذي قد يهدد جودة المياه والنظم البيئية المرتبطة بها.

الأراضي العشبية الأكثر ثراء بالفطريات

كما حددت الخريطة العالمية المناطق التي تضم أعلى كثافة من الشبكات الفطرية تحت سطح الأرض، حيث تصدرت الأراضي العشبية القائمة، وسجلت مناطق مثل مستنقعات إيفرجليدز في ولاية فلوريدا الأمريكية، وأراضي السد الرطبة في جنوب السودان، إلى جانب أنظمة البراري والسهوب الطبيعية، أعلى معدلات كثافة لهذه الشبكات الحيوية.

ورغم الأهمية البيئية الكبيرة لهذه المناطق، أشار الباحثون إلى أن العديد منها يعاني حاليًا من ضعف الحماية وتزايد معدلات التدهور البيئي.

دعوة لإعادة التفكير في أساليب الزراعة

ويأمل العلماء أن تسهم نتائج الدراسة في إعادة النظر في الممارسات الزراعية التقليدية، وتشجيع تبني أساليب أكثر توافقا مع الأنظمة الطبيعية الموجودة في التربة.

وأكد فريق البحث أن العمل بالتعاون مع الفطريات الجذرية، بدلًا من إضعافها أو القضاء عليها، قد يساعد النباتات على الحصول على احتياجاتها الغذائية بصورة طبيعية، ويقلل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية، كما يعزز قدرة التربة على احتجاز المزيد من الكربون، بما يدعم الجهود العالمية لمواجهة التغير المناخي وحماية النظم البيئية للأجيال المقبلة.

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة