د.محمد سليم شوشة
د.محمد سليم شوشة


عصر المعرفة

الذكاء الاصطناعى والتجربة الصينية

الأخبار

الإثنين، 15 يونيو 2026 - 07:51 م

د.محمد سليم شوشة

الذكاء الاصطناعى هو الذى وصل بالصين إلى هذا المستوى الذى هى عليه الآن بحيث أصبحت قوة عالمية بارزة صنعت لحظة تحول فى القوى العالمية

من الظواهر المؤسفة أننا لا نتعمق كثيرا فى قراءة تجارب الأمم الأخرى، يبدو أن هذا مرتبط بمواقفنا الفكرية من الآخر بشكل عام، لكن هذا موضوع آخر. لكن ما نريد التأكيد عليه هنا هو أن غياب الوعى والقراءة العميقة لتجارب الأمم والحضارات الأخرى وبخاصة المعاصرة يجعلنا نخسر كثيرا، فالإنسان إنما يكون قادرا على بناء الحضارة عبر الوعى بذاته وبالآخرين وأن يتسم بالتجرد.
فى تجربة الصين وتحولاتها هناك ظواهر مهمة جدا متوارية ومختفية وراء هذا الركام من التطور الظاهر أو العلنى. فالمسألة ليست مجرد نهضة مادية وفكرية، فالواقع أن وراء التحول الصينى الكبير الذى أوصلها إلى ما هى عليه الآن هو حالة من التواضع والإنصات العميق لتجارب البشر والحضارات، فقد فهمت الصين تجارب أوربا وأمريكا بشكل عميق، ثم ركزت فى الأخير على التجربة الأمريكية وربما تكون مفاجأة أن الصين لم تنقل عن أمريكا إلا شيئا واحدا هو العلوم الإدراكية، وبخاصة العلوم الإدراكية فى اللغة ومحاولات العلماء فهم كيفيات معالجة العقل البشرى للغة. لنا أن نتخيل أن نهضة الصين الحالية أساسها كلية وجامعات ومعاهد ومراكز بحثية بدأت من الاهتمام باللغة الطبيعية، أى اللغات البشرية، ومن لا يصدقنى عليه أن يرجع لمحاضرات علماء اللغة الإدراكيين الأمريكان وهم يحاضرون فى جامعات صينية بدعوات واسعة وأعداد كبيرة، بل على من لا يقتنع بهذا أن يبحث حول اتهامات الأمريكان للصينيين بسرقة علوم الذكاء الاصطناعى وبخاصة اللغة. 
نعم الذكاء الاصطناعى هو الذى وصل بالصين إلى هذا المستوى الذى هى عليه الآن بحيث أصبحت قوة عالمية بارزة صنعت لحظة تحول فى القوى العالمية ورجحت كفة الميزان ناحية الصين التى استولت على الصناعات العالمية وجعلت ماركات من الصناعات الصينية التى كانت مشهورة قبل عقود بالرداءة والعيوب الصناعية أصبحت الآن مشهورة بالكفاءة والجودة وتفوقت على القلاع الصناعية الأوربية والأمريكية. نعم لا يمكن إنكار عوامل النهضة الحضارية الراسخة فى المجتمع وفى الإرادة المجتمعية، ولكن الواقع هو أن الطفرة الإنتاجية الحالية وهذه المستويات من الجودة مرجعها إلى الذكاء الاصطناعى الذى نقلته الصين بسلاسة ونعومة عن الولايات المتحدة الأمريكية بشكل متدرج وبإصرار شديد وبتنوع بين عدد من الآليات منها إيفاد الوفود والبعثات إلى أمريكا بتركيز على العلوم الأساسية للذكاء الاصطناعى وبخاصة الحوسبة اللغوية وكل ما يتصل بأبحاث اللغة والعلوم الإدراكية وبخاصة فى الـ MIT أى معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا وهو بدرجة أساسية يركز على الدراسات اللغوية ولكن من منظور تكنولوجى وبربط بين الدراسات الدماغية والحوسبة، والآلية الثانية عبر استضافة أبرز علماء هذه التخصصات ليدرسوا فى الصين منذ العام 2002 فاستضافوا جورج ليكوف وجيلس فوكنر وعددا آخر من هذه التخصصات، ومحاضرات هؤلاء العلماء الأمريكيين فى الصين موجودة على اليوتيوب.
ما جعل الآلة قادرة على أداء عمليات التفكير وبصورة أكثر كفاءة من العقل البشرى هو هذه العلوم التى ركزت الصين على نقلها من وقت مبكر وعملت على استزراعها فى ثقافتها العلمية وأكاديمياتها بنوع من الدأب والإصرار وفرضتها فرضا على المجتمع، وكأنهم قد علموا أن هذا هو ميزان القوة الجديد بين القوى العالمية الكبرى، وأن هذا هو بديل القنبلة النووية والأسلحة غير التقليدية، ومن هذا التفوق فى الذكاء الاصطناعى تطورت كل القطاعات فى الصين سواء فى الصناعة أو الزراعة أو التنبؤ بحالات الأسواق واحتياجات البشر والدعاية وصولا إلى الأبحاث الحربية والعسكرية وعلوم الفضاء، كلها أصبح الذكاء الاصطناعى هو المسئول عن معالجتها والتعاطى معها بدقة أعلى من البشر واحتمالات خطأ أقل بكثير جدا من التفكير البشرى أو الطبيعي. 
الذكاء الاصطناعى ليس تطبيقا فى الكمبيوتر كما قد يتصوره كثيرون منا بما فى ذلك بعض الباحثين والأكاديميين الذين يقدمون أنفسهم للمجتمع بوصفهم متخصصين فيه برغم كونهم مجرد مختصين فى علوم الكمبيوتر أو كليات الحاسبات، والحقيقة أن هذا ليس هو الذكاء الاصطناعى، الذى هو شىء مختلف عن الكمبيوتر حتى وإن تأسس فى أعماقه على المبدأ الرقمى the digital principal نفسه الذى تقوم عليه الكمبيوترات، ذلك لأن العلوم التى يتأسس عليها الذكاء الاصطناعى تتصل بالتشريح واللسانيات أى علوم اللغة وعلم النفس الإدراكى والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وليس مجرد الحوسبة الرقمية. فتحويل الآلة لأن تصبح عقلا يفكر ويتعاطى مع العالم والأشياء وعناصر الوجود كما يتعاطى العقل البشرى تم عبر درس عميق للغة البشرية أو ما يعرف باللغات الطبيعية وكيفيات معالجتها بيولوجيا داخل الدماغ الإنسانى human brain. وللحديث بقية.
 

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة