اسامة عجاج
اسامة عجاج


فواصل

فتش عن إسرائيل!

أسامة عجاج

الثلاثاء، 16 يونيو 2026 - 08:34 م

لن أدخل فى الجدل العقيم الذى لن يفيد، حول من المنتصر فى المواجهات العسكرية التى بدأت مرحلتها الأخيرة نهاية شهر فبراير الماضى بين أطرافها الثلاثة، أمريكا وإسرائيل وإيران؟.. فالأمور تسمح لكل طرف بالمراوغة والادعاء بأن له اليد العليا، مثلاً الرئيس ترامب أعلن تحقيق النصر٢٧ مرة، بينما يحق لطهران أن تدعى - ولها كل الحق - أن بقاء النظام على حاله، رغم أن استهداف قيادات الصف الأول حتى الرابع بعد  الهجمات العسكرية والحصار والعقوبات يمثل إنجازاً استثنائياً.
وعلينا أن نتعامل مع الواقع، بأن الاتفاق يمثل دليلاً على حالة الإنهاك التى وصل إليها الطرفان، وقناعة كل منهما بإمكانية البدء بمرحلة جديدة بينهما، حيث ترى إدارة ترامب أن العودة إلى العمل العسكري، ستكون أكثر صعوبة وأقل فاعلية، مع تعرض القوات الأمريكية المنتشرة فى المنطقة لمخاطر كبيرة، وأصبحت تبعات استمرار المواجهات كارثية على الاقتصاد العالمي، ناهيك عن توابعه على انتخابات التجديد النصفى للكونجرس، وإمكانية فقد الأغلبية فيه، والتى قد تقيد صلاحياته وتحركه، بينما إيران ترى أن استمرار العقوبات والعزلة الاقتصادية، يستهلك قدراتها التنموية، ويؤثر على استقرارها الداخلى على المدى البعيد، ولذلك فهى فى حاجة إلى تخفيف العقوبات، والإفراج التدريجى عن الأموال المجمدة للتعامل مع الأزمات الاقتصادية التى تثقل كاهل المواطن، وكانت سبباً فى احتجاجات يناير الماضي.
وظنى أن القضية الجديرة بالاهتمام، تتلخص فى السؤال الأهم، وهو ماذا بعد، فنحن أمام مرحلتين، الأولى مذكرة تفاهم، التى سيتم التوقيع عليها وفقاً للمعلن بعد غد الجمعة، والثانية اتفاق نهائى سيتم التوصل إليه خلال ستين يوماً، قابلة للتمديد، يحكمه ثلاثة عوامل، وهى كالتالي: 
الأول: حالة التوجس وعدم الثقة والشك التاريخى التى تحكم العلاقات بين الطرفين، فإيران لا تنسى لترامب أنه من قام بالانسحاب من اتفاق ٢٠١٥، كما أنه أفشل كل المفاوضات السابقة خلال ولايته الثانية، واستخدمها كغطاء لبدء عمل عسكرى وهجمات غير مسبوقة على إيران، أولها كان فى يونيو من العام الماضي، قبل ساعات من جولة مباحثات كانت مقررة فى العاصمة العمانية مسقط، فشاركت واشنطن فى هجمات الـ١٢مع إسرائيل، وتكرر نفس السيناريو نهاية شهر فبراير الماضى فى عمليات (الغضب الملحمي)، وقد يفسر ذلك المظاهرات المليونية فى مدن إيران رفضاً للاتفاق، والذى كما يقول المتظاهرون أنه لا يتوازى مع تضحيات الشعب طوال عقود، ووصل الأمر إلى اتهام رئيس البرلمان قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجى بالخيانة، والمطالبة بإقالتهما، ودعت المظاهرات الوزير بالهجرة إلى أمريكا، وحتى لو كانت المظاهرات مسيسة، وتعبر عن التيار المتشدد داخل النظام، أو الحرس الثوري، مما دعا الرئيس بزشكيان إلى التدخل ورفض فكرة التخوين، وعلى الجانب الآخر تكشف تصريحات الرئيس الأمريكى تجاه إيران حالة من العداء غير مسبوق، والتهويل من مخاطرها ليس على إسرائيل بل على الجوار، وزادها إلى أوربا والولايات المتحدة نفسها. 
العامل الثاني: الدور الإسرائيلى المخرب، ودعونا نتفق على أن هناك حالة من التوجس والمخاوف من هذا الدور، على خلفية  استثمار تل أبيب تقسيم خريطة الطريق للوصول إلى اتفاق سلام على مرحلتين، للمساهمة فى إفشاله تماماً، فى ظل العداء التاريخى بين طهران وتل أبيب منذ عقود، وبداية الثورة الإيرانية، والتاريخ القريب، يكشف دور نتنياهو فى  محاولة إجهاض اتفاق ٥ زائد واحد عام ٢٠١٥، والاستقواء على أوباما بالكونجرس، حيث طالب أعضاؤه أثناء زيارته لواشنطن برفضه، ووصفه بأنه اتفاق بالغ السوء وخطر تاريخي، وسيضفى شرعية على البرنامج النووي، وهو من أقنع ترامب بالانسحاب من الاتفاق فى دورته الأولى عام ٢٠١٨، وقد شهدت الأيام الماضية خروج نتنياهو من (بيت الطاعة الأمريكية) ولم يلتزم بالتعليمات، حيث قام بالهجوم على الضاحية الجنوبية، فى استفزاز فاضح لإيران، رغم تعليمات ترامب، مما استدعى طهران للرد المباشر على أهداف حيوية فى إسرائيل، واستحق التوبيخ العلنى على ذلك، الذى وصل إلى توجيه الشتائم، ولكنَّ هجوماً مشبوهاً على طائرة أباتشي، تبرأت منه إيران، وشبهات بمسئولية تل أبيب عنه، استلزم رداً أمريكياً لمدة يومين، وفى الثالث، أعلن ترامب التوصل إلى اتفاق مع طهران، مما أثار ردود فعل واسعة داخل دوائر اتخاذ القرار فى إسرائيل، وفى ظل الحرص على (شعرة معاوية) مع ترامب، اكتفى نتنياهو بإصدار بيان من مكتبه عن مضمون اتصال بينهما، أكد فيه بأن بلاده ليست طرفاً فى الاتفاق، وأنها تثق فى التزامات ترامب بأن يتضمن أى اتفاق نهائى إخراج المواد المخصبة وتفكيك البنية الخاصة به، إلى جانب تقييد برنامج إيران الصاروخي، ووقف دعمها للتنظيمات المسلحة فى المنطقة، ولكنه عاد لممارسة خطته فى الهجوم على الضاحية من جديد، فتدخل ترامب بتوبيخه، ودفع الوسطاء إلى ضمان عدم رد طهران لتفويت الفرصة على نتنياهو، ولا تخفى القيادات السياسية فى إسرائيل غضبها الشديد من الاتفاق، واعتبرته كارثياً، خاصة وأنه لم يلتزم بأى من المبادئ التى توافق عليها الطرفان، فى بداية العمليات، وتتمثل فى ثلاثة عناوين: البرنامج النووى والصواريخ البالستية ووكلاء إيران فى المنطقة، كما جاء خالياً من ملف الصواريخ البالستية، ويمكن رصد شكل التحرك الإسرائيلى القادم، على مسارين وهما: الذهاب إلى العمل العسكرى ضد إيران دون غطاء أمريكي، بكل ما يترتب على ذلك من كلفة مرتفعة وعزلة دولية، وقد تعتمد إسرائيل على الأكراد الذين تم تسليحهم فى إسقاط النظام، المسار الثانى جاء على لسان وزير الدفاع يسرائيل كاتس، إبقاء الجيش فى المناطق الأمنية فى لبنان وغزة وسوريا لفترة غير محددة، وقد يتم  التركيز على الساحة اللبنانية، لإجهاض الجهود التى بذلها المفاوض الإيراني، للنص صراحة على الوقف الكامل للعمليات العسكرية فى لبنان وكافة الساحات، مع جدول زمنى للانسحاب السريع، وضمان وقف أعمال التدمير وتجريف الأراضي، والإفراج عن الأسرى. 
العامل الثالث: التعاطى بشكل تخريبى مع سياسة ترحيل المشاكل، وتحديد مهلة الـ ٦٠ يوماً للبحث فى الملفات الصعبة، التى استعصت على الوسطاء والطرفين فى الوصول لحلها، وهى البرنامج النووي، ورفع الحصار، ومنع دعم إيران لما تسميه واشنطن الأنشطة الإرهابية، (فالشياطين تعشش فى التفاصيل)، مع وجود تباين شديد فى رؤية كل طرف لها، مما يخلق حالة من التوجس والمخاوف من الوصول فى نهاية الأمر إلى اتفاق سلام، تكون بداية مرحلة جديدة فى العلاقات بين واشنطن وطهران، وللمنطقة.

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة