سعيد الخولى
سعيد الخولى


كلمة والسلام

طريق الهجرة وملحمة الزمان

سعيد الخولي

الخميس، 18 يونيو 2026 - 07:16 م

1448 عام هجرى جديد يظلل الأمة الإسلامية فى ظروف صعبة قاسية على أهل فلسطين السليبة وحرب أمريكية إسرائيلية على إيران تلقى بظلالها على كل العالم العربى والإسلامى. لقد رأيت الهجرة وعشتها بعينىْ وروح حاج فى رحلة الحج أنا وزوجتى، رأيتها تتجسد هناك فى موطن نزول الوحى وعلى طريق الهجرة فرارًا بالرسالة من لظى مكة وفظاظة الكفار من أهلها وأهل نبيها صلى الله عليه وسلم، ليصنعوا من هناك ملحمة الزمان.

كانت الرحلة شريطًا وثائقيًا حيًا لجغرافيا صعبة ما بين صحارى منبسطة حينًا وترتفع حينًا وتنخفض حينًا لتصنع هضابًا وأودية متعددة، حتى إذا ما دخلنا حدود مكة وأعماقها ازدادت التضاريس ضراوة وصعوبة بجبال عالية وأودية سحيقة، وانفلت العقل من أسر الحافلة ونوافذها وأجهزة تكييفها ورفاق الرحلة ليركب آلة الزمن متخيلًا أولئك المستقبلين للرسالة المحمدية الخاتمة بين مرحب بيقين وتضحية ورافض بإصرار وتعنت فيما يشبه اليقين، كلا الصنفين رأيته يستمد يقين الإيمان أو حتى عناد الكفر بتصميم من تلك البيئة الصعبة التضاريس الوعرة المسالك، فإذا كانت تلك الصعوبة والوعورة ما زالتا تلقيان بظلالهما على تلك البقاع رغم كل التقدم والتيسير فى الأمر فكيف كانت آنذاك رهبة وصعوبة ووعورة فى نفوس ساكنيها؟

هذا هو السؤال أراه جديرًا بالبحث عن مصاعب رحلة وعرة محفوفة بالمشاق لقطع تلك المسافات الطويلة من مكة إلى المدينة عبر ثمانية أيام بلياليها تتحدى فيها إرادة المهاجرين وعورة الطريق واختيار المجهول فرارًا بدينهم ويقينهم.

ولعلى ألمح بعضًا من حكمة الله فى اختيار مكان وأهل بعث الرسالة بشدتهم وبأسهم وتعايشهم مع طبيعة شديدة الصعوبة ليكون المؤمنون منهم قادرين بالفعل على تحمل صلف وبأس الكفار، حتى العبيد ممن اعتنقوا الإسلام أراهم قد اكتسبوا صلابتهم من قسوة تلك البيئة فوقر الدين واليقين فى القلوب وتحملت الأجساد عذاب الكافرين، بل لعل إيمانهم فى تلك البيئة كان أشبه بدخول الحديد وصهره فى أفران صعوبة الطبيعة وعداوة الكفار ليخرجوا منها أنقياء المعدن خالصى اليقين، وقد تسلحوا بالعظمة اليقينية والاستقواء العقدى والتسليم المطلق لله وأوامره ونواهيه، وبهذا فقط مهدوا الأرض وحرثوها وأعدوا تربتها تمامًا لمئات الأجيال بعدهم لزرعها مرة بعد أخرى وتصدير محصولها وحبوبها إلى عالم الباحثين عن رب الكون وعقيدته الخاتمة.

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة