هشام عطية
قلب مفتوح
«طيبات» الفتنة!
الجمعة، 19 يونيو 2026 - 08:57 م
منذ أحداث يناير ٢٠١١ الفوضوية العصيبة، تسللت إلى الروح المصرية موجات من التشظى والانقسام والرغبة الشديدة فى الانتقام والتشفي، تحولت معها الخلافات فى الرأى إلى معارك وجودية، تشهر فيها أسلحة التسفيه والإيذاء المعنوي، بل والجسدى أحيانا، وكأننا استبدلنا ثقافة الحوار بجاهلية قبلية تصنف الناس إلى معسكرين: «معنا» أو «ضدنا».
آخر تجليات هذا الانقسام العبثى تجسد فى الضجة الواسعة حول ما سمى «نظام الطيبات الغذائي».
انقسم المصريون إلى فريقين متناحرين فريق رفع النظام إلى عنان السماء ووضع صاحبه فى مصاف الأولياء والعلماء، معتبرا نظامه معجزة غذائية لا تناقش، وفريق آخر رآه مجرد تخاريف دجال من الجهلاء وأتبعه بعض الخرقاء.
فى خضم هذا الصخب، ضاع صوت العلم الذى يؤكد حقيقة بسيطة، وهى أنه لا يوجد نظام غذائى واحد يصلح لكل البشر، فالاستجابة للغذاء عملية فردية معقدة، وما ينجح مع شخص قد يضر بآخر.
المفارقة المدهشة أن هذه المعركة بين أنصار الطيبات وأعدائه، كشفت عن حقيقة اقتصادية مهمة غابت عن بالنا. الاندفاع نحو تطبيق نظام الطيبات، وما صاحبه من الامتناع عن استهلاك أصناف محددة، أسهم عمليا فى كسر حاجز الطلب على البيض والدواجن، مما أدى إلى هبوط أسعارها بشكل ملحوظ. هذا الدرس العملى أثبت، بالدليل القاطع، أن المصريين يمتلكون فى أيديهم سلاحا اقتصاديا فتاكا هو «المقاطعة». لو أننا نضجنا بما يكفى لتبنى ثقافة مقاطعة منظمة وواعية، لأمكننا إنقاذ أنفسنا من دوامات الغلاء المتكررة التى تبتلع كل أموالنا، بدلا من انتظار الحلول من خارج إرادتنا.
الكارثة الكبرى فى خناقة «الطيبات»، هى أن تتحول قضية هامشية - مهما بلغت ضجتها - إلى فتنة ومادة للانقسام المجتمعى الحاد. أن نغدو «فريق الطيبات» و«فريق هذا ما وجدنا عليه آباءنا»، فهذا مؤشر خطر على عطب شديد طال وعينا الجمعي، وأصاب جبهتنا الداخلية بشقوق بالغة وتصدعات، والتى طالما شكلت درعنا الواقى ضد التفكك والانهيار. هذه الجبهة المنهكة تبدو اليوم فى أشد الحاجة إلى ترميم عاجل. لن ننجو كمجتمع وكدولة ما لم نستعد فضيلة الاختلاف بلا تشظ، ونستوعب أن التماسك الاجتماعى هو الضمانة الوحيدة لعبور الأزمات، لا الانتصار الوهمى فى معارك الرأي. اللهم بلغت، اللهم فاشهد.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة








بقرة إسرائيل الحمراء!
ليبيا وحلم الوحدة
حين يباع الأمل فى السوق السوداء!
لا تحزن فى الأشهر الحرم
دموع القوافى فى عيون المراثى
تشجيع بطعم العائلة
الشباب .. صُنّاع المستقبل
تهدئة مشروطة
لعبة النفوذ