المسرح الجامعي
المسرح الجامعي


المسرح الجامعي .. من هنا بدأ عادل إمام والفخراني فإلى أين وصلنا؟ 

أخبار النجوم

الأحد، 21 يونيو 2026 - 01:49 م

محمد‭ ‬بركات

أغلب كبار النجوم تعلموا الفن وبدأوا مسيرتهم في المسرح الجامعي، من عادل إمام ومحمود عبد العزيز، ثلاثي أضواء المسرح، ثم محمد هنيدي وجيله، وصولًا إلى ماجد الكدواني ورحمة أحمد، وبين هؤلاء أجيال عديدة كان وقوفها الأولى على الخشبة الجامعية. وفي نهاية الثمانينيات وبدايات التسعينيات ومع موجة الإرهاب، استهدفت الجماعات المتأسلمة في الجامعة المسرح الجامعي تحديدًا بالترهيب وبالجنازير، ذلك أنه وعلى مدار تاريخ الجامعات المصرية، ظل أقوى المنصات التي تطلق طاقات الشباب وتمنحهم مساحة للتجريب واكتشاف الذات، فهو ليس مجرد نشاط فني داخل الحرم الجامعي، بل فضاء تربوي وثقافي يسهم في تشكيل الوعي وبناء الشخصية، وحائط صد في مواجهة تحديات فكرية متطرفة. فالمسرح ليس نشاطًا طلابيًا عابرا، بل مؤسسة ثقافية عريقة يمتد تاريخها لأكثر من قرن. 

ورغم ما يمتلكه المسرح الجامعي من تاريخ طويل وتجارب مؤثرة في تشكيل المشهد المسرحي المصري، والمشهد الفني عمومًا، فإن واقعه اليوم يكشف عن أزمة مقارنة بسنوات مضت، بسبب قرارات المنع أو الإيقاف المفاجئ لنشاط مسرحي، حتى وإن كانت لأسباب تنظيمية، أو إهمال بعض الجامعات عن الاهتمام بالمسرح الجامعي بدعوى “التقشف” أو تقليص الميزانيات المخصصة لهذا المجال. 

“أخبار النجوم” طرحت تساؤلات عن مدى أهمية المسرح الجامعي في تشكيل الوعي وبناء الشخصية، وهل هو نشاط ترفيهي يخضع لمنظومة “التقشف” بسبب تقليص الميزانيات، أم فضاء تربوي وثقافي لا يقل أهمية عن التعليم الجامعي.

في البداية يقول المخرج ناصر عبد المنعم: يجب أن نتفق في البداية أن المسرح الجامعي أو النشاط الطلابي بشكل عام هو جزء من العملية التعليمية، وليس نشاطا منفصلًا عنها. جميعنا تخرجنا من الجامعات وتكونا فكريا وثقافيا داخلها، ليس فقط في قاعات المحاضرات ولكن في الحرم الجامعي كله من خلال الأنشطة التعليمية والثقافية. فنجد الأبطال الرياضيين والفنانين وغيرهم خرجوا من النشاط الجامعي، وبالتالي فهو جزء مهم جدًا من منظومة التعليم، وليس نشاطًا ترفيهيًا يمكن الاستغناء عنه أو الترفع عنه داخل الجامعة. أتمنى من جميع القيادات الجامعية أن تتحلى بهذه الروح، لأن فكرة ترشيد الإنفاق هي فكرة عجيبة، لأن كل طالب يقوم سنويًا بدفع المصروفات الدراسية، من ضمنها مصروفات تدخل تحت بند “رسم ممارسة نشاط” مستقطع من مصروفاته الدراسية. وبالتالي، فالطلاب سواء مارسوا النشاط أم لا، يستقطع منهم بالفعل مبلغ مالي، بالإضافة إلى الدعم المالي من قبل الجامعات. وهذا دور مهم جدا لتنمية المجتمع وتكوين الشباب ومواجهة الأفكار المتطرفة.

ويضيف عبد المنعم: المسرح الجامعي ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل مساحة للحوار وطرح الأسئلة وكسر الجمود الفكري، فكلما اتسعت مساحة الإبداع تراجعت قدرة الأفكار المتطرفة على السيطرة على العقول، لأن هذه المرحلة العمرية يكون فيها الشباب متحمسين جدًا، ويفسرون أي شيء على أنه اضطهاد. لذلك كان المسرح الجامعي والمسرح المدرسي أحد أهم أدوات بناء الشخصية لدى الشباب القادرة على التفكير الحر. فالمسرح الجامعي حائط الصد في مواجهة تحديات فكرية متطرفة. وخلال الثمانينيات تصاعد نفوذ بعض التيارات الدينية المتشددة داخل عدد من الجامعات، وظهرت محاولات للتضييق على الأنشطة الفنية والثقافية بدعوى مخالفتها للدين أو اعتبارها من المحرمات. وشهدت تلك الفترة حملات متكررة ضد الحفلات الموسيقية والعروض المسرحية والمعارض الفنية، في محاولة لفرض رؤية أحادية على الحياة الجامعية. غير أن تلك المحاولات لم تنجح في إيقاف الحركة الثقافية والفنية داخل الجامعات المصرية. لذلك على القيادات الجامعية أن تدرك وتمتلك القدرة على التحليل النفسي وفهم هذه المرحلة السنية وطبيعة التعامل معها.

وواصل عبد المنعم: حزين جدًا من إيقاف بعض الجامعات الأنشطة الثقافية وعدم إقامة مسابقات، مثل جامعتي قناة السويس وكفر الشيخ. هذا بخلاف الحدث المؤسف المتمثل في رفض جامعة العاصمة “حلوان سابقا” عرض مسرحية “الدحديرة” وإطفاء النور عن المسرح، بعد تمسك الطلاب بمشاركة طالبين صدر بحقهما قرار منع تربوي. أوقف المخرج العرض وسط مشادات، وادعى عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن عميد الكلية ورئيس الجامعة تعمدًا منعه. ثم أعلنت الجامعة تمسكها بالانضباط واللوائح، وقررت تحويل المتسببين للتحقيق، كما عرضت تقديم المسرحية على نفقة الجامعة بشرط استبعاد الطالبين المذكورين. فأصدر فريق المسرح بيانًا للاعتذار، وتدخل نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي، مؤكدا أن ما حدث كان مجرد سوء تفاهم. بعدها أشاد رئيس الجامعة بالنشاط المسرحي الطلابي، وتم عرض المسرحية خلال الأيام الماضية.

ويضيف المخرج الكبير، أيضًا فكرة إيقاف الأنشطة الجامعية، وتحديدًا المسرح، بسبب ترشيد الإنفاق، أعتبرها سببًا واهيًا، لأن تكلفة العرض المسرحي ضئيلة جدًا. فمنذ ما يقرب من 20 عامًا أخرجت لفريق جامعة القاهرة، الذي كان يضم محمد فراج ومحمد سلام ومحمد ممدوح، وهم الآن نجوم. أنا خريج جامعة القاهرة كلية الآداب، ودفعتي صلاح عبد الله وعبلة كامل. كما ضم فريق التمثيل بجامعة عين شمس محمود حميدة وفاروق الفيشاوي والمخرج عصام السيد ومحسن حلمي وسامي مغاوري وغيرهم. وقبل ذلك كان عادل إمام والضيف أحمد ومحسنة توفيق وسعيد صالح وغيرهم.

وتابع عبد المنعم: وعندما نتحدث عن بعض السلبيات يجب أن نتحدث أيضًا عن الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، الذي يؤمن بأهمية المسرح الجامعي، وكرّم الطلاب الفائزين في مهرجان العروض المسرحية الطويلة، الذي تشرفت بالمشاركة في لجنة تحكيمه، وأعلن تخصيص جوائز مالية بقيمة 20 ألف جنيه للمركز الأول، و15 ألف جنيه للمركز الثاني، و10 آلاف جنيه للمركز الثالث، مع التوجيه بزيادة قيمتها خلال الدورات المقبلة، إلى جانب إطلاق “مهرجان القاعة” ليكون منصة جديدة للتعبير الفني واكتشاف المواهب الشابة. أحيي رئيس الجامعة الذي يعتبر المسرح الجامعي جزءا أصيلا من العملية التعليمية وأداة مهمة لبناء الوعي وصقل مهارات الطلاب وتنمية قدراتهم الإبداعية. فهو نموذج للقيادة الجامعية الناجحة. وكل الشكر والتقدير والاحترام لقيادات جامعة القاهرة التي أتشرف بأنني واحد من أبنائها، تخرجت قبل سنوات بعيدة في كلية الآداب، وتكونت ثقافيًا وفنيًا بين جنباتها. هنيئًا لطلاب جامعة القاهرة برئيس جامعتهم الذي يحيطهم بكل الحب والدعم، على أمل أن تسود تجربة جامعة القاهرة الرائدة في بقية الجامعات.

من جانبه، قال المخرج نادر صلاح الدين: إذا أردت أن “تتقشف” أو تقوم بترشيد ميزانية منزلك فلن تمنع الطعام عن أسرتك. هكذا المسرح الجامعي، ليس نشاطًا ترفيهيًا، لكنه نشاط يؤسس الشاب لكي يخرج مواطنًا مثقفًا ومتطورًا يعتمد عليه. المسرح لا يكلف ميزانية الجامعات سوى مبالغ ضئيلة جدًا، لأن فريق التمثيل هم طلاب يعملون مجانًا بمجهودهم الشخصي، وتكاليف العرض لا تتعدى 50 ألف جنيه.

وعن أهمية المسرح الجامعي يقول صلاح الدين: شهدت فترة الثمانينيات محاولات جماعات تيار الإسلام السياسي السيطرة على الفضاء الجامعي والاتحادات الطلابية، وسعى الفكر المتطرف إلى تحريم الفنون والموسيقى والمسرح داخل الحرم الجامعي وتشويه المشاركين فيه. فشكل المسرح الجامعي خط الدفاع الأول وساحة المواجهة الفكرية المباشرة ضد موجات التطرف والتشدد الديني التي اجتاحت الجامعات المصرية. وتحولت خشبات المسرح في تلك الحقبة من مجرد نشاط طلابي ترفيهي إلى أداة تنويرية وتوعوية لتفكيك الخطاب المتطرف وتحصين عقول الشباب.

وأضاف صلاح الدين: ما حدث في جامعة حلوان، بغض النظر عمن أخطأ، هو أكبر دليل على وجود شباب لديهم طاقات يريدون إثبات أنفسهم ويكافحون من أجل موهبتهم. والطلاب يمتلكون رغبة قوية في الابتكار، لكن الإمكانيات المتاحة لهم محدودة بسبب نقص الميزانية وأدوات العمل المسرحي. وإن توفير بنية تحتية مجهزة تشمل معدات الإضاءة والميكروفونات وأنظمة الصوت الجيدة من شأنه أن يطلق طاقات الطلاب الإبداعية ويمنحهم القدرة على تنفيذ رؤاهم الفنية بصورة أكثر اكتمالا. لكن تظل الجريمة الأبشع في جامعة العاصمة هي إطفاء النور على المسرح.

بينما يقول الفنان عزت زين إنه منذ نشأة المسرح الجامعي لم يتوقف عن دعم واكتشاف المواهب الشابة. فهو أحد أهم الروافد الثقافية والفنية التي تساهم في تشكيل الوعي الفكري والجمالي لطلاب الجامعات، وبمثابة “المصنع الحقيقي” ومفرخة المواهب الأولى التي قدمت للفن العربي كبار النجوم عبر الأجيال. فقد شهدت مسارح الجامعات بداية انطلاق أسماء حفرت مسيرتها في وجدان الجماهير، مثل عادل إمام الذي بدأ انطلاقته القوية عبر مسرح كلية الزراعة بجامعة القاهرة، ويحيى الفخراني في مسرح كلية الطب بجامعة عين شمس، ونال لقب أفضل ممثل على مستوى الجامعات، وسمير غانم وطارق النهري وسعيد صالح وعبلة كامل وغيرهم. وما زال يضخ دماء جديدة للحركة المسرحية.

وأضاف زين: خلال الفترة الأخيرة تم إلغاء مهرجانات مسرحية في عدد من الجامعات تحت بند “التقشف”، الذي تم تفسيره وتطبيقه بشكل خاطئ. وهذا حدث، على سبيل المثال، في جامعة الفيوم، لأن المفترض أن تطبيق ذلك لا يخل بالأنشطة الثقافية داخل الجامعات، فالمسرح أحد الأنشطة الرئيسية التي تقوم بها الجامعة. وكان ذلك شيئًا مؤسفًا. كما ألغت بعض الجامعات المهرجان بعد اختيار الطلبة والنصوص، وكانوا على بعد أيام من إقامة المهرجان. المسرح الجامعي لم يكن في يوم من الأيام عبئًا على الجامعات. وقد أسست فرقة مسرح جامعة الفيوم، وشاركت من خلالها في معظم المهرجانات التي نظمتها الجامعة.

 

اقرأ  أيضا: خالد جلال يناقش تراجع الاهتمام بالمسرح الجامعي بمجلس الشيوخ

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة