صورة رئيسية
بريق «الذهب الأسود».. الباب الخلفي لـ«بيزنس» دبلوم التلمذة الصناعية (2 - 3)
الإثنين، 22 يونيو 2026 - 06:36 م
صدفة قادتنا إلى استكمال الجزء الثاني من سلسلة التحقيقات التي تجريها «بوابة أخبار اليوم» حول المنشآت التعليمية المخالفة التابعة لمصلحة الكفاية الإنتاجية والتدريب المهني بوزارة الصناعة، والمعروفة باسم «المراكز التكنولوجية».
فخلال رحلتنا للبحث عن المراكز التي أُغلقت، استوقفنا بريق منشورات دعائية لعدد من تلك المدارس على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تبيع «الوهم» للطلاب تحت ستار «العمل بالبترول» وإمكانية الالتحاق بكليات الهندسة بمجموع منخفض، في مشهد بدا أقرب إلى تسويق الأحلام منه إلى عرض الحقائق.
اقرأ أيضًا| «سناتر» أم مدارس تقنية؟ .. نكشف بالمستندات «بيزنس» شهادات دبلوم التلمذة الصناعية

بداية الخيط
ومن خلال متابعة صفحات تلك المدارس على مواقع التواصل الاجتماعي، رصدت «بوابة أخبار اليوم» عشرات المنشورات التي تؤكد قدرة هذه المؤسسات المخالفة على «إعداد طالب جاهز للعمل في صناعة النفط والغاز، ومدرب على تقنيات الحفر والإنتاج».
كما أشارت بعض تلك المدارس إلى أن «الطلاب يتلقون تدريبًا داخل شركات البترول بهدف إكسابهم خبرات عملية تؤهلهم للالتحاق بسوق العمل فور التخرج».

«البترول» تكشف مفاجآت
خضنا رحلة بحث للتحقق من طبيعة العلاقة بين مدارس التلمذة الصناعية المتخصصة في البترول وشركات القطاع، وتواصلنا مع وزارة البترول والثروة المعدنية، التي نفت تدريب طلاب مدارس التلمذة الصناعية داخل شركة الإسكندرية للبترول خلال العام الدراسي 2025/2026.
وأكد مصدر بوزارة البترول لـ«بوابة أخبار اليوم» أنه لا يتم تحصيل أي مبالغ من الطلاب مقابل التدريب، كما أنه لا توجد أي علاقة بين التدريب وفرص التعيين المستقبلية.
وأوضح أن التدريب المسموح به داخل شركات البترول يقتصر على التدريب الصيفي لطلاب الجامعات، وبالتحديد طلاب كليتي الهندسة والعلوم، مؤكدًا أن هذا التدريب مؤقت ومجاني بالكامل.

بيع الوهم
لم يكن استغلال اسم وزارتي الصناعة والبترول في إعلانات تلك المدارس هو ما لفت انتباهنا فقط، بل أثار الانتباه أيضًا طبيعة المجالات التدريبية نفسها.
فإعلانات أقسام البترول بمدارس التلمذة الصناعية تشير إلى تدريب الطلاب في مجالات مثل التكرير، وهي مجالات تتطلب اشتراطات فنية وأمنية دقيقة، الأمر الذي دفعنا للبحث عن مدى ملاءمة تأهيل الطلاب للعمل أو التدريب داخل مثل هذه البيئات، ما يثير العديد من علامات الاستفهام.
ولمحاولة فهم أعمق، تواصلنا مع الدكتور جمال القليوبي، الخبير وأستاذ هندسة البترول والطاقة، الذي قال إن المؤسسات التعليمية الفنية المتخصصة في مجالات البترول والطاقة مطالبة بتطبيق معايير دقيقة عند قبول وتأهيل الطلاب، بما يتوافق مع متطلبات العمل الفني عالميًا.
وأضاف أن هذا القطاع الحيوي يحتاج إلى نوعية خاصة من المهارات والإمكانات الفنية، نظرًا لارتباطه المباشر بعوامل السلامة والأمن الصناعي والتعامل مع معدات عالية الحساسية.

فحوصات طبية ونفسية
وفي لقاء مع «بوابة أخبار اليوم»، أشار «القليوبي» إلى ضرورة وضع معايير دقيقة للطالب الفني، تشمل القدرة على الاستيعاب والفهم والانضباط السلوكي والالتزام باشتراطات الأمن الصناعي.
واقترح إجراء اختبارات وفحوصات طبية ونفسية من خلال لجان متخصصة ومعتمدة للتأكد من جاهزية
الطلاب للالتحاق بهذه المجالات الدقيقة، مشددًا على أن طالب تخصصات البترول يجب أن يتمتع بلياقة صحية وذهنية كاملة، وقدرات استيعابية مرتفعة، فضلًا عن إجادة اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة التشغيل الأساسية في قطاع البترول، حيث تعتمد المعدات والكتالوجات الفنية والتعليمات التشغيلية والتقارير الفنية على اللغة الإنجليزية بصورة كبيرة.
تخصصات بترول في شركات ملابس !
وخلال رحلة البحث لم يكن بريق «الذهب الأسود» وحده هو ما استوقفنا، لكن «بوابة أخبار اليوم» بحثت في طبيعة الشركات التي انبثقت عنها أقسام البترول داخل بعض مدارس التلمذة الصناعية، لمحاولة لفهم الصورة بشكل أشمل.
وكشفت مستندات رسمية صادرة عن وزارة الصناعة بتاريخي 10 سبتمبر 2023 و12 مايو 2025، أن شركتين من الشركات المرتبطة بهذه المدارس تعملان في مجال صناعة الملابس الجاهزة، وفقًا لما ورد في سجلاتهما الصناعية.

موقف وزارة الصناعة
وتواصلت «بوابة أخبار اليوم» مع وزارة الصناعة، التي لم تدلِ بتعليق رسمي، لكن مصدرًا مسؤولًا بالوزارة أكد أن هناك خمس مدارس تقنية على مستوى الجمهورية تمنح الطلاب دبلوم التلمذة الصناعية تخصص البترول، من بينها مدرستان تابعتان لمراكز التدريب المهني تعملان في إطار شراكة بين مصلحة الكفاية الإنتاجية والتدريب المهني والقطاع الخاص.
وشدد المصدر على أن الوزارة تتجه إلى عدم تجديد التراخيص للمدارس الثلاث الأخرى، بسبب تقديمها تخصص البترول رغم أن الشركات التي أُنشئت لتلبية احتياجاتها التدريبية تعمل في صناعة الملابس الجاهزة.
كما كشف مستندان صادران عن وزارة الصناعة بتاريخي 5 مايو 2026 و14 يونيو 2026 – حصلت «بوابة أخبار اليوم» على نسخة منهما – أن نحو 1000 طالب يدرسون حاليًا في أقسام البترول بالمدارس الثلاث، وأن هذه الأقسام لن يُسمح لها باستقبال أي دفعات جديدة اعتبارًا من العام الدراسي 2026/2027.

مصير مجهول
ومع اقتراب تنفيذ قرار الإغلاق، يكتنف الغموض مصير طلاب تلك المدارس الذين انتقلوا إلى الصف الثاني، وهو ما يظل أحد أبرز التساؤلات المطروحة في العام الدراسي الجديد 2026-2027.
وقال مصدر مسؤول بوزارة الصناعة لـ«بوابة أخبار اليوم»، إن الطلاب المقيدين بالفعل سيُسمح لهم باستكمال مراحلهم الدراسية داخل المدارس الحالية حتى التخرج، على أن يتم الإغلاق النهائي لأقسام البترول عقب انتهاء آخر دفعة، كاشفًا أن عدد الطلاب الذين سيدرسون في الصفين الثاني والثالث في العام الدراسي الجديد يبلغ 709 طلاب.
صحيح أن تلك المعلومات كانت في جعبة وزارة الصناعة، إلا أن هناك تساؤلًا مشروعًا يطرح نفسه بقوة: لماذا سمحت وزارة الصناعة باستقطاب طلاب جدد في تخصصات البترول خلال العام الدراسي 2025-2026، رغم وجود مخالفات في تلك المدارس؟

أرباح طائلة.... والطلاب «ضحايا»
وأوضح مصدر بوزارة الصناعة أن أصحاب هذه المراكز تقدموا بطلبات ومناشدات للوزارة خلال العام الماضي لعدم إغلاق مدارسهم، بحجة الحفاظ على استثماراتهم وتجنب الإضرار بالطلاب، مشيرًا إلى أن المصروفات التي يدفعها الطالب في تلك المدارس سنويًا تتراوح بين 30 و35 ألف جنيه، على أن يشمل المبلغ رسوم التدريب بشركات البترول التي قد تصل إلى نصف هذا المبلغ، وفقًا للمصدر.
وأضاف أن الوزارة استجابت بصورة استثنائية مراعاةً لاستمرار العملية التعليمية وعدم الإضرار بالدارسين، مشددًا على أن «قرار عدم تجديد التراخيص هذا العام نهائي ولا رجعة فيه، وأن وزارة الصناعة تصحح مسار التدريب المهني لتلبية احتياجات سوق العمل»، بحسب قوله.
وفيما يتعلق بمدى قانونية إغلاق تلك الأقسام، كشف مستند صادر عن وزارة الصناعة بتاريخ 27 يوليو 2026 أن مدرسة التلمذة الصناعية تُعد نشاطًا تدريبيًا مؤقتًا داخل المنشآت الصناعية التي تمارس نشاطًا إنتاجيًا يحتاج إلى عمالة فنية ماهرة، ويتم تدريب الطلاب على المهن المختلفة لتلبية احتياجات المنشأة أو مجموعة منشآت تعمل في المجال الصناعي ذاته.
وأوضح المستند أن الخريجين يحصلون على شهادة دبلوم التلمذة الصناعية – المختومة بختم النسر – وهي شهادة معادلة لدبلوم المدارس الصناعية وفقًا لقرار وزارة التربية والتعليم رقم 92 لسنة 1968 والمعدل بالقرار رقم 57 لسنة 1969.
ورغم ما كشفته «بوابة أخبار اليوم» من مستندات ووقائع، تبقى عدة أسئلة مطروحة أمام الجهات المعنية تبحث عن إجابات:
- كيف سُمح لشركات تعمل في مجال الملابس الجاهزة بإنشاء مدارس تمنح دبلوم التلمذة الصناعية في تخصص البترول؟
- هل تحول الهدف من إنشاء المراكز التكنولوجية المخالفة إلى جني أرباح طائلة من جيوب الطلاب وأسرهم بدلًا من توفير العمالة الفنية المدربة ؟
- كيف سُمح لشركات ملابس بفتح تخصص بترول في مدارس التلمذة الصناعية ؟
- متى تفتح وزارة الصناعة تحقيقًا بشأن تلك القضية خاصة أن طلاب المدارس المخالفة يحصلون على شهادة مختومة بختم النسر ؟
أسئلة لا تزال معلقة، وإجاباتها وحدها كفيلة بحسم الجدل الدائر حول هذا الملف.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
بناء العقول قبل المناهج.. كيف تعزز الدولة ثقافة القراءة لدى النشء والشباب؟
بورصة المانجو.. موسم رزق يجمع المزارعين والتجار في القناوية
بطل الأسرة.. كيف خلد المصري القديم مكانة الأب على جدران المعابد؟
الغاز الطبيعي تحت ضغط الاضطرابات الجيوسياسية.. آسيا الأكثر تأثرًا وأمريكا الأكثر استقرارًا
المجموعة الرباعية.. مصر ترسم ملامح مرحلة جديدة من التوافق الإقليمي
حدائق تلال الفسطاط.. مشروع حضاري يعيد إحياء قلب القاهرة التاريخية |صور
الجمعية الجغرافية.. صرح علمي عريق يوثق تاريخ مصر ويحفظ تراثها
رسائل طمأنة.. كيف وفرت الداخلية مناخًا آمنًا لطلاب الثانوية العامة؟
قلاع العالم الرقمي| لماذا طالب الرئيس باستراتيجية وطنية لصناعة مراكز البيانات؟







