د. محمد أبوالفضل بدران
د. محمد أبوالفضل بدران


يوميات الأخبار

الغـرفة 116

د.محمد أبوالفضل بدران

السبت، 27 يونيو 2026 - 07:21 م

لماذا انتشر هذا المرض اللعين؟ ما الأسباب وما طرق الوقاية وما أفضل العلاج؟ هل يشارك الأساتذة المتخصصون بكليات الطب والصيدلة فى مؤتمرات دولية متخصصة فى علاج السرطان؟

الطريق من المطار إلى مستشفى شفاء الأورمان بالأقصر بدا لى طويلًا، أذهب كى أعود أختى نور الهدى التى ترقد فى الحجرة 116 بالطابق الأول، منذ دخولك بوابة المستشفى تلحظ نظافة المكان وانضباط العمل؛ حُراس أمن مُدربون وموظفو علاقات عامة فى غاية اللطف وإدارة منضبطة وطاقم طبى ماهر يبذل قصارى جهده من أجل إنقاذ مرضى كَثُر عددهم واشتدت آلامهم وعلت أنَّاتهم، لكن الأطباء بابتسامة لا تفارق وجوههم يبعثون الأمل فى قلوب مرضاهم وأقاربهم؛

كل الأدوية والتحاليل والأشعة والرعاية الطبية مجانًا، لا يدفع المريض الغنى والفقير مليمًا واحدًا، أضف لا إكراميات ولا بقشيش فى كل المستشفى.. يتساوى المرضى الأغنياء والفقراء فالجميع مصابون بالسرطان الذى استشرى فى الجسد المصرى لأسباب يجب أن تُدرس علميًا فى بحوث علمية منشورة بمجلات علمية مُحَكَّمة، ما أسباب تفشى المرض؟

ما أعمار المرضى عند بدء الإصابة؟ كيف نقلل من الإصابة؟ وكيف ننجو من فتْكه وأنيابه الوحشية؟ كيف نكتشفه مبكرًا؟ كيف نعالجه؟ هذه أسئلة ينبغى لأساتذة كليات الطب ووزارة الصحة أن يبحثوا فى بحوث علمية مُحكمة عن أجوبة علمية لها؟ ما رأيته عن أعداد بمستشفى الأورام بالأقصر يدق ناقوس الخطر، مرضى فى أعمار متفاوتة يصارعون مرضًا مجهولًا بالأشعة والتحاليل والعلاج الكيماوى والذرى، الدولة توفر العلاج مجانًا لكن لماذا انتشر هذا المرض اللعين؟

ما الأسباب وما طرق الوقاية وما أفضل العلاج؟ هل يشارك الأساتذة المتخصصون بكليات الطب والصيدلة فى مؤتمرات دولية متخصصة فى علاج السرطان؟ أم أن ارتفاع رسوم المشاركة بالمؤتمرات الدولية وارتفاع أسعار تذاكر الطيران والإقامة وارتفاع تكاليف النشر..

كل هذا يحول دون المشاركة ومعرفة ما يدور فى العالم من ثورة طبية علاجية، وهل يتابعون ما أحدثه الذكاء المصطنع من تطور فى هذا المجال؟ يا وزير الصحة ويا وزير البحث العلمى ويا وزير التعليم العالى أجساد المصريين أمانة فى أعناقكم فلا تدَعوا السرطان يفتك بمن أنتم مسئولون عنهم. الدولة لا تقصر فى علاج مجانى يكلف المليارات لكنها لا تستطيع تأليف بحوث نيابة عنكم أيها الأساتذة المتخصصون بكليات الطب والصيدلة ومراكز البحوث فأنتم قادرون على مواكبة مستجدات صناعة الأدوية والتشخيص والوقاية والعلاج..

التبرعات المطلوبة لمستشفى الأورام

حاولتُ أن أعطى إكرامية لحُراس الأمن وللعاملين لكنهم رفضوا فى أدب وأعلمونى أن ذلك ممنوع ولو عن طيب خاطر وأن التبرع للمستشفى هو الطريق الأوحد وليس للأفراد.. هذا أول موقف أراه فى حياتى لمن يرفض الإكرامية فى إباء وهو يقول: نحن نؤدى واجب عملنا ونتقاضى راتبًا وممنوعون من تلقى أى إكراميات؛ لكنى هنا ومن خلال يومياتى بصحيفة الأخبار الغراء أناشد الأغنياء فى مصر وغيرها من دول العالم أن يتبرعوا لهذا المستشفى؛ مصارف الزكاة والصدقات ينبغى أن تُوجَّه لعلاج المرضى وتسكين أناتهم وآهاتهم، هذا الألم الذى رأيته فى عيون أختى نور الهدى وغيرها من المرضى.. تبرعوا لمستشفى شفاء الأورمان بالأقصر الذى يخدم مرضى محافظات الصعيد والسائحين أيضًا، هذا المستشفى فى أشد الحاجة إلى تبرعات تُعين إدارة المستشفى على الاستمرار فى علاج المرضى، فتكلفة تشغيل آلات التحليل والأشعة ومواد التنظيف والتعقيم فى ازدياد مستمر والتبرعات أقل من المنتظر، أيها الأغنياء هؤلاء مرضى فى حاجة إلى أموالكم التى تتبرعون بها لإنقاذهم وتخفيف آلامهم فلا تبخلوا بها، فما يقدمه مستشفى شفاء الأورام بالأقصر لا يقل عما يُقَدَّم فى مستشفيات دولية عالمية فى أوربا وأمريكا... وآمل عند زيادة التبرعات أن ينشئ هذا المستشفى وأخواته مراكز بحثية بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحوث لأنهم أخبرُ بالحالات المرَضية ومراحلها المختلفة وتطوراتها ومآلاتها، أودّ من كبار الاستشاريين بالجامعات أن يتعاقدوا مع هذا المستشفى دون مغالاة فى الأجور والأتعاب لأن الصعيد يستشرى فيه هذا المرض والمستشفيات قليلة محدودة وهم أحوج إلى خبراتكم ومشورتكم بها وبالمستشفيات الجامعية التى تقوم بعبء كبير فى معالجة المرضى، وعلى شركات الطيران أن تمنح تذاكر مجانية أو مُخفضة للدكاترة القادمين لعلاج مرضى السرطان بمستشفيات الصعيد حتى نشجع هؤلاء الأساتذة على القدوم ونخفف مصاريف الانتقال بالطيران عن كاهل المستشفيات التى تصرف من أموال المتبرعين. أيها المتبرعون، هنا أوجه صرف التبرع التى أراها فى أيد أمينة تخفف الأنات وتقلل الأوجاع..

متعكم الله بالصحة والكرم.
أصلُ إلى الغرفة 116 حيث تتلقَّى أختى نور الهدى -التى تصغرنى- العلاج، أرى ابنتها د. فاطمة الزهراء تقف بجوار سريرها، تتلقانى أختى بابتسامة على وجهها الشاحب، تقول لى بصوتها الخافت: تعبان وجاى؟ أمسك يدها وأُقبّل جبينها، كانت يدها تقبض على يدى وبدأت أُضحكها ولكنى كنت أتقطع ألمًا وأنا أرى هذا الجسد الذى أصابه النحول حتى لا أراه، هاتفتُ بناتها إيمان وهبة وهاجر وجعلتها تطمئنهن لكنى لم أكن مطمئنًا لا سيما بعد ما قرأتُه فى تلميحات الدكتورة إسراء عبدالستار والدكتور حسين وشاحى اللذين يتابعان حالتها فى صبر وعلم وأخلاق تنمُّ عن أصلهما الطيب؛ ها هى نور الهدى التى درَّستُها فى كلية التربية وكانت من الطالبات الأوليات على دفعتها لكنها آثرت أن تتفرع لبيتها وأولادها تاركة الوظيفة لتخرِّج ثلاثة أطباء ومهندسة ومعلمة، بينما كنت أمسك يدها وقد بدا عليها الضعف والوهن قلتُ لها: أحضرتُ لك التمر الذى تحبينه والمكسرات التى طلبتِها منى.. قالت لى: شكرًا وخُذ ما أحضرَتْه لى ابنة أختى هدى من مخبوزات لك ولأسرتك فأنا لا آكل.. حتى فى مرضكِ معطاءة! ضحكنا كثيرًا.. كانت كلماتها قليلة وأحيانًا تغفو وهى تكلمنا، تأخذها سِنةٌ من نوم، سرعان ما تصحو مبتسمة عندما ترانى واقفًا ويدى فى يدها لتقول لى: تعبتَ من الوَقفة.. اقعُدْ يا خَيّ..

هذا النداء الذى كانت تنادينى به عندما كنا صغارًا نجلس تحت نخلاتنا أمام بيتنا العتيق.. كنا نجلس أنا وأخواتى صباح ونور الهدى ومحاسن لأنهن كنّ صغيرات لم يتزوجن بعد، بينما كانت أخواتى عطيات وسعاد وفوزية وحميدة وعزيزة -رحمهن الله- قد تزوجن وأنجبن، كنتُ أقرأ لهن كتاب ألف ليلة وليلة ثم أترك الكتاب لأحكى لهن عن مملكة تخيَّلتُها وما بها من أحوال وبحار وجبال وغابات ومواقف يشيب لها الصغار وكانت صباح تبكى من هول المواقف والجميع فى إنصات حتى ينَمن، وأمى -رحمها الله- تبتسم، ونكمل الحكاية فى الليلة التالية؛ أذهبُ ونور الهدى معًا إلى الجامعة ونعود معًا.. تُعدّ لى الأكل الذى آخذه معى لمدة أسبوع حتى نعود معًا فنجد أكل أمى -رحمها الله- فى انتظارنا، حكيتُ معها ورحتُ أشد على يدها مودّعا لأنى على سفر دائم وأخذَتْ تدعو لى كثيرا وتقول لى: «مع السلامة يا حبيبى».. قَبَّلتُها ومضيتُ.. ولا أدرى لماذا خطر ببالى بيت الشعر: وما كان يُبكينى اللقاءُ وإنّما وراءَ المُلاقى لاحَ ظِلُّ المودّعِ

طَوى الجزيرةَ حتّى جاءنى خبرٌ

اعتدتُ كل صباح ومساء أن أهاتف ابنتها فاطمة الزهراء التى ترافقها سائلًا عن أحوالها لكنها فى هذا الصباح لم تجب، لم تطمئنِّى كعادتها لكنها بعد وقت كتبَت: تعبتْ بالليل ودخلَت غرفة الإنعاش.. يا خالى ولو أردت أن تأتى تعال». كانت الكلمات تخفى دلالات أخرى لأنه بعد لحظات كتب لى ابنها د. أحمد: «يا خالى أمى توفيت إلى رحمة الله» يا الله.. نور الهدى فى جوارك وأنت أرحم الراحمين؛ توجهتُ إلى المطار وركبت أول طائرة إلى مصر..

ما أشد ألم تحويل الأحياء إلى غائبين! كيف يرحل هذا الوجه الصبوح المبتسم دائمًا؟ وكيف لأختى أن تغدو قبرًا؟. فى الطائرة شريط الذكريات يعود ونحن نلعب ونحن نذاكر ونحن نتمشى فى حديقتنا.. ربما لاحظت المضيفة دموعى فاقتربت منى حاملةً زجاجة ماء وأسبرين، وسألتنى: هل أنت بخير؟ أومأت لها شاكرًا.. وعدتُ إلى نور الهدى وأبى رحمه الله يناديها: يا نور الهدى.. وهى تقول له فى مودة: نعم.. وها هى اليوم مضت إليه وإلى أمنا وأقاربنا.. عليكِ السلام يا نور الهدى ورحمة الله وبركاته التى تعم العالمين. كلمات أخى محمود وأقاربى تخفف عنى لكنه الحزن والفراق.

هنا قبر نور الهدى

ذهبتُ وأخى حمدى لزيارة قبرها.. «ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد».. كما قال المعرى.. أمسكتُ حفنة من تراب قبرها.. كانت هنالك رائحة عطر تفوح.. وأشواق تزيد وحكايا تترى.. جاءنى حفّار القبور «عَبَرنا» مُعزيًا، طلبتُ منه بناء قبرها وكتابة الشاهد، جلستُ بجوارها وتخيّلتُ يدها تمتد من قبرها لتسلم علىّ.. وأُقبّل جبينها.. يا نور الهدى.. هذا مقام الوادع فانعمى بجنات ربك وبجوار أقاربنا، وأبلغيهم منى السلام فإلى لقاء وليرحمك الله يا خَيْتِي.
فى النهايات تتجلى البدايات

فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الأَيَّامِ الخَالِيَةِ (24).

صدق الله العظيم

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة