قرية حصة شبشير
من الكتاتيب إلى الجامعات.. "حصة شبشير" تكتب نموذجًا فريدًا في بناء الإنسان
الخميس، 02 يوليه 2026 - 03:01 م
الغربية - ماجدة شلبي
في قلب الريف، حيث تتوارث الأجيال العادات والقيم، تبرز قرية حصة شبشير بمحافظة الغربية كنموذج استثنائي نجح في الجمع بين التربية الدينية والتفوق العلمي والإنتاج الاقتصادي.
وبين عشرات الكتاتيب التي يصدح فيها صوت القرآن الكريم، ومناحل العسل التي اشتهرت بها القرية، تشكلت تجربة فريدة جعلت منها "قرية الشفاءين"، حيث يمتزج بناء الإنسان بالعلم والأخلاق والعمل.
- صناعة حفظة القرآن والعلماء
وأصبحت نموذجًا ملهمًا في صناعة حفظة القرآن والعلماء والأطباء وأساتذة الجامعات، وتؤكد "حصة شبشير" التابعة لمركز طنطا أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن غرس القيم والمعرفة منذ الصغر هو الطريق الأصيل لبناء مجتمع ناجح ومستقبل أكثر إشراقًا.
هنا يُربّى الطفل على الحفظ قبل اللهو وعلى العلم قبل الانشغال بما لا ينفع. ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول حصة شبشير إلى واحدة من أكثر القرى تميزًا في مصر حتى باتت تُعرف بين الناس باسم قرية الشفاءين: "القرآن والعسل" الشفاء الأول في كتاب الله والشفاء الثاني في عسل النحل الذي تشتهر القرية بإنتاجه منذ سنوات طويلة.
لكن الحقيقة أن سر "حصة شبشير" لا يكمن فقط في كثرة الكتاتيب ولا في إنتاج العسل بل في منظومة كاملة من التربية والانضباط وصناعة الإنسان.
- الكتاتيب جزء من الهوية اليومية
منذ عشرات السنين توارث أهالي القرية قاعدة ثابتة: "القرآن أولًا" ولهذا تنتشر داخل القرية عشرات الكتاتيب ودور التحفيظ التي يتجاوز عددها 50 كتابًا ودارًا لتحفيظ القرآن الكريم وتجويده وتعليم القراءات.

في شوارع القرية مشهد الأطفال الخارجين من الكتاتيب صار جزءًا من الهوية اليومية للمكان.
أطفال صغار لكنهم يحملون في صدورهم كتاب الله كاملًا. واللافت أن كثيرًا من أبناء القرية يُتمون حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة للغاية بعضهم في السابعة أو الثامنة وكثيرون قبل بلوغ العاشرة وهذا ما صنع جيلاً مختلفًا.
جيل تربّى على الانضباط واحترام الوقت والصبر والاجتهاد وهي القيم التي انعكست لاحقًا على المستوى العلمي والمهني لأبناء القرية. فلم تعد حصة شبشير مجرد قرية تشتهر بحفظ القرآن الكريم بل أصبحت أيضًا قرية العلماء والأكاديميين.
- القرآن الكريم أسلوب حياة كامل الطفل
أعداد كبيرة من أبناء القرية حصلوا على أعلى الدرجات العلمية وأصبحوا أساتذة جامعات وأطباء وباحثين وأعضاء هيئة تدريس في مختلف الكليات خاصة الكليات الأزهرية. بل إن كثيرين هنا يرددون بفخر أن عدد الحاصلين على الدكتوراه في القرية رقم استثنائي مقارنة بعدد السكان.
داخل "حصة شبشير" لا يُنظر لحفظ القرآن باعتباره هدفًا منفصلًا عن الدراسة بل يُنظر إليه باعتباره الأساس الذي يُبنى عليه التفوق العلمي.
الشيخ رضا أحد أبرز رموز التحفيظ بالقرية يؤكد أن ما يحدث في حصة شبشير ليس صدفة: "القرآن الكريم هنا ليس مجرد مادة للحفظ بل أسلوب حياة كامل الطفل في حصة شبشير ينشأ من صغره على احترام كتاب الله وعلى الالتزام والانضباط وده بيصنع شخصية قوية قادرة على النجاح في كل المجالات".

ويضيف: "إحنا بنشوف نماذج كتير جدًا من الأطفال يختموا القرآن وهم صغار جدًا وبعد كده يتفوقوا في التعليم ويطلعوا أطباء ومهندسين وأساتذة جامعة القرآن هنا هو نقطة البداية لكل نجاح.
- تأثير القرآن على حياة الأجيال
أما الشيخة ضحى التي كرّست سنوات من عمرها لتحفيظ القرآن الكريم لأبناء القرية فتؤكد أن الأثر الحقيقي للقرآن يتجاوز الحفظ إلى بناء الشخصية".
وتابعت: "القرآن غيّر أجيالًا كاملة في القرية حفظ القرآن بيزرع الأدب والالتزام والأخلاق وده بنشوفه في البنات والأولاد من صغرهم وأجمل حاجة إن الأهالي هنا مؤمنين برسالة التحفيظ جدًا وبيعتبروا إن حفظ أولادهم للقرآن شرف كبير وهدف أساسي في التربية".
وربما يكفي أن تنظر إلى قائمة الأسماء البارزة التي خرجت من هذه القرية لتدرك حجم ما تصنعه حصة شبشير. من بين هذه النماذج المشرفة يبرز اسم الدكتور أمين بدران رئيس قسم الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر وأحد أبناء القرية الذين حملوا اسمها إلى ساحات العلم.

- القرية نموذج للوعي المجتمعي الحقيقي
وأكد الدكتور أمين بدران: أن حصة شبشير ليست قرية عادية بل بيئة صنعت أجيالًا كاملة على أساس من القرآن والعلم معًا منذ الصغر نتربى على احترام العلم وتقدير العلماء وده خلق حالة خاصة جدًا داخل القرية القرآن كان دائمًا هو النور الأول في حياتنا حفظ القرآن لا يمنح الإنسان فقط قوة في الحفظ والتركيز لكنه يبني العقل والوجدان معًا.
وأشار إلى أن سر القرية الحقيقي يكمن في الثقافة المجتمعية السائدة بين أهلها. النجاح هنا ليس أمرًا فرديًا بل ثقافة مجتمع كامل كل أسرة تحلم أن ترى أبناءها من حفظة القرآن ومن المتفوقين علميًا.
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور عبد الفتاح خضر عميد كلية أصول الدين جامعة الأزهر وأحد أبناء القرية أن حصة شبشير نموذج يجب دراسته "ما تحقق في حصة شبشير هو نتاج عقود طويلة من الوعي المجتمعي الحقيقي عندما يجتمع القرآن مع التربية السليمة والبيئة المحفزة تكون النتيجة أجيالًا قادرة على البناء والنجاح"
وأضاف: "القرية أثبتت أن الاستثمار الحقيقي ليس في المباني فقط بل في الإنسان وحين تبني الإنسان على أساس صحيح فهو قادر على تحقيق المعجزات".
- العلم رسالة جماعية
في "حصة شبشير" لا تبدو هذه الكلمات مجرد تصريحات الواقع نفسه يؤكدها، فأعداد الأطباء وأساتذة الجامعات وحملة الدكتوراه والباحثين وخريجي الكليات المرموقة أصبحت جزءًا من هوية القرية.
وكأن القرية قررت منذ زمن أن تجعل من العلم رسالة جماعية، ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أيضًا هو غياب المقاهي من القرية.
- مشهد نادر في هذا الزمن
في الوقت الذي أصبحت فيه المقاهي جزءًا أساسيًا من معظم القرى والمدن اختارت حصة شبشير طريقًا مختلفًا، البديل هنا كان واضحًا: الكتاتيب حلقات العلم العمل والإنتاج، وربما لهذا السبب حافظت القرية على هويتها الخاصة.
لكن الوجه الآخر المضيء في حصة شبشير هو العمل والإنتاج. فالقرية تُعد واحدة من أبرز القرى المنتجة للعسل الطبيعي في محافظة الغربية ويعمل قطاع كبير من سكانها في تربية النحل وإنتاج العسل.
وهكذا جمعت القرية بين نوعين من الشفاء، شفاء الأرواح بالقرآن وشفاء الأجساد بالعسل. ولهذا لم يأتِ لقب قرية الشفاءين من فراغ إنه وصف دقيق لقرية نجحت في تحقيق معادلة صعبة
معادلة تجمع بين الدين والدنيا بين التربية والإنتاج بين القرآن والعمل.
- تجربة مختلفة تستحق التوقف
وحين تسير في شوارع "حصة شبشير" تدرك سريعًا أنك أمام تجربة مختلفة تستحق التوقف
تجربة تقول بوضوح إن بناء الأجيال لا يحتاج دائمًا إلى إمكانيات ضخمة بقدر ما يحتاج إلى رؤية واضحة وإرادة حقيقية

ونجحت "حصة شبشير" فيما فشلت فيه أماكن كثيرة، وصنعت نموذجًا حيًا يثبت أن حفظ القرآن لا يصنع فقط حفظة بل يصنع علماء وقادة ومؤثرين وفي زمن يبحث فيه الجميع عن نماذج مضيئة وسط الزحام تقف حصة شبشير كواحدة من أجمل هذه النماذج.
قرية صغيرة في المساحة لكنها كبيرة في الأثر، هادئة في ظاهرها لكنها عظيمة فيما تصنعه كل يوم. قرية آمنت أن البداية الحقيقية تكون من كتاب الله. فكان الناتج أجيالًا تحفظ القرآن وتحفظ معها قيمة العلم والعمل والنجاح.
وهكذا تظل حصة شبشير رسالة واضحة للجميع: "إذا أردت أن تبني مستقبلًا قويًا، فابدأ ببناء الإنسان، وإذا أردت بناء الإنسان، فازرع فيه القرآن والعلم منذ الصغر، وهذا ما فعلته "حصة شبشير" ولذلك استحقت عن جدارة أن تُكتب بحروف مضيئة في سجل القرى المصرية الملهمة.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
"حكاية بطل".. حين تحولت تضحيات الشهداء إلى ذاكرة وطنية تروى للأجيال
فايد تستعيد مكانتها السياحية.. تطوير شامل وإقبال متزايد على الشواطئ
30 يونيو وحماية الهوية.. طفرة في ترميم الآثار وإحياء المواقع التاريخية
المرأة في قلب التنمية.. 30 يونيو تقود مسيرة التمكين الاقتصادي
حوار| أمل عمار: دعم الرئيس السيسي للمرأة صنع نقلة تاريخية في مسيرة التمكين
ثورة تصحيح المسار.. كيف استعادت مصر ثقلها الدبلوماسي بعد 30 يونيو؟
30 يونيو| المبادرات الرئاسية.. رحلة تطوير صنعت نقلة نوعية في الرعاية الصحية
30 يونيو.. ثورة مهدت لانطلاقة «صنع في مصر» نحو العالمية
30 يونيو.. ثورة صنعت الاستقرار وفتحت أبواب التنمية والإنجازات









