د. أيمن الرقب
د. أيمن الرقب


قضية ورأى

رد المظالم

الأخبار

السبت، 04 يوليه 2026 - 07:14 م

لم تكن هزيمة عام ١٩٦٧م إلا لحظة يقظة لمعالجة آثار هذا الانكسار من خلال انتصار الجيش المصرى على جيش الاحتلال الإسرائيلى عام ١٩٧٣م، لحظة أعيدت فيها الهيبة والاعتبار ليس فقط للجيش المصرى، بل للعرب جميعا.

هذا الحدث الانتصار التاريخى فتح أبوابا لإعادة الحقوق العربية، وشعرت الولايات المتحدة الأمريكية بأن العرب لم يعودوا كما كانوا ولابد من إعادة الحقوق لأصحابها بالطرق السلمية قبل العسكرية، وهذا كان بوابة لاتفاق السلام بين مصر والاحتلال الإسرائيلى، سلام يفرض فيه المنتصر مطالبه، وقد أعادت مصر أرضها المحتلة كاملة بالمفاوضات والتحكيم الدولى بعد أن أعادت جزءا منها بالعمل العسكرى مسبقا. 

حاولت جمهورية مصر العربية أن تعيد باقى الأراضى العربية المحتلة عام ١٩٦٧م بنفس الطريقة، ولكن سوريا والفلسطينيين أضاعوا فرصة تاريخية، ورفض الفلسطينيون القبول بالحكم الذاتى المؤقت حينها وللأسف قبلوا أقل منه بعد ذلك بسنوات، ورغم المبررات الفلسطينية حينها، إلا أن التغيرات لاحقا أضعفت الحالة الفلسطينية الذين وافقوا على اتفاق أوسلو، الذى يعتبر فى مضمونه أقل مما عرض على جمهورية مصر العربية فى كامب ديفيد. 

تغيرات كثيرة طرأت بعد ذلك على الحالة العربية والفلسطينية جعلت الاحتلال الإسرائيلى يتمادى، ولكن تجارب التاريخ تؤكد لنا أن الحقوق لم ولن تسقط بالتقادم وستأتى لحظة تاريخية لإعادة الحقوق ورد المظالم، وفى هذا الصدد قد استوقفنى فى الرابع والعشرين من شهر مايو الماضى خبر محاكمة بلجيكا على جرائم لها فى الكونغو حيث أقرت محكمة النقض البلجيكية - فى حكم وصفه بأنه تاريخي- بمسئولية بلجيكا عن انتهاكات جسيمة ارتكبت خلال الحقبة الاستعمارية الغربية فى الكونغو ضد الأطفال، وأكدت المحكمة أن ما تعرض له الأطفال فى الكونغو يرقى إلى «جرائم ضد الإنسانية».

كما رفضت المحكمة الطعن الذى تقدمت به الدولة البلجيكية ضد حكم سابق صدر عام ٢٠٢٤م قضى بمسئولية بلجيكا عن سياسة منهجية لاختطاف الأطفال وفصلهم عن أمهاتهم الكونغوليات خلال حقبة الاستعمار. 

لقد تحركت منظمات إفريقية عديدة ومؤسسات دولية تنشط فى حقوق الإنسان للحصول على هذا الحكم، حيث اعتبر بمثابة بارقة أمل من أجل النضال لرد المظالم لشعوب مقهورة فى العالم، وجبر الضرر الناشئ عن الحقبة الاستعمارية حول العالم، وإفريقيا بشكل خاص، والأمر لا يتعلق ببلجيكا فقط بل بدول أوروبية أخرى استعمرت العالم وسرقت ثرواته وأهانت شعوبه.

الأمر لا يقف عند اعتذارات رمزية، بل بإعادة الحقوق كاملة غير منقوصة، وتحت طائلة القانون الدولي.

يعتبر هذا الحكم من محكمة النقض البلجيكية الأول من نوعه فى أوروبا، حيث يلزم دولة أوروبية برد المظالم وتعويض ضحايا الحقبة الاستعمارية، ويؤكد أن قوى الاستعمار الغابرة أو الحالية التى تنتشر فى العالم وإفريقيا بالتحديد لن تهرب من الحساب. 

منظمات حقوقية ودولية دعت السلطات البلجيكية بعدم المماطلة وتنفيذ الحكم، وصرف التعويضات لجميع المتضررين من السياسات الاستعمارية العنصرية، وهو بمثابة خطوة مهمة فى مسار العدالة وجبر الضرر عن ضحايا الاستعمار.

وفى تطور آخر يكشف تضرر دول إفريقية من عبء الاستعمار أعلنت حكومة بوركينا فاسو فى السادس والعشرين من الشهر الماضى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة فرنسا بسبب دعمها حسب ادعاء حكومة بوركينا فاسو التمرد الواقع غرب إفريقيا أدى لمقتل آلاف من المدنيين خلال العقد الماضى.

هذا الحراك رغم محدوديته إلا أنه يعبر عن سخط إفريقيا على ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية ودول غربية لإدخال دول إفريقية فى صراعات، واستغلال ذلك لسرقة ثروات هذه البلدان، الأمر الذى يشهد يقظة إفريقية ودولية بالتحديد من دول الجنوب بحاجة لتحولها لقرارات ومواقف تعيد الحقوق وترسم تحالفات تبنى هذه الدول وتطورها. 

الوقت الحالى هو الوقت المناسب لإنشاء تحالفات جديدة بين دول الجنوب ودول ذات تأثير دولى مثل الصين وروسيا، تحالفات تحافظ على ثروات مقدرات دول الجنوب لا أن تسرقها، الأمر يجب أن يدفع صناع القرار للبدء الفورى لفتح حوارات داخلية إقليمية ودولية لرد المظالم والتأسيس لنظام يحفظ حقوق الشعوب.
 

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة