د. ريم بسيونى
يوميات الاخبار
جامعة أكسفورد بعد مرور ثلاثين عامًا
الأحد، 05 يوليه 2026 - 07:52 م
وجود ناس عاديين يدركون أهمية احترام الآخر وتقبله وعدم المساس بمعتقده أو كرامته يدعو للإعجاب ويعطى الأمل فى الإنسانية .
بعد مرور ثلاثين عاما على بدء الرحلة عدت مرة أخرى لزيارة جامعتى جامعة أكسفورد. بدأت فيها الماجستير عام 1996 وكنت أنتمى لقسم الدراسات اللغوية وهو قسم حديث إلى حد كبير. عندما بدأت حينها قابلت تحديا كبيرا لأن خلفيتى لم تكن فى علم اللغويات أو المنطق أو الحساب، والاثنان مهمان لفهم نظريات علم اللغة حينها. فأخبرت مشرفتى بهذا وبدأت معها من أول مقرر طلاب الليسانس وغطيت هذا المقرر فى شهرين لألحق بباقى الطلاب فى فهم النظريات الحديثة. ماذا تعلمت فى جامعة أكسفورد؟ ربما تعلمت الكثير فى جامعتى الأم الإسكندرية، فكنت مستعدة لتقبل الاختلاف وللغوص فى رحلة من العلم والمعرفة ولدى قناعة بأن المعرفة والعلم سعادة من نوع خاص. قابلت تحديات بالطبع، فمجرد أن يعيش الإنسان وحده يتأمل ويفهم نفسه أكثر. وليس من المستغرب أن يتجه علماء الصوفية للسياحة أى لرحلات لطلب العلم ويعتبرونها جزءا لا يتجزأ من حياتهم. فأنت تجد نفسك أمام نفسك فقط ومعتقداتك وإيمانك. وربما تقدر أكثر رسوخ الإيمان وقدرته على مساعدتك على تخطى الصعاب.
ولكن مر العمر سريعا فهو دوما سريع. وعدت لأبحث فى نفس الجامعة عما تركت من قبل، وجدت المبانى لم تتغير، نفس الشوارع ونفس الروح وبعض المحلات تبيع نفس الأصناف كأن الزمن توقف. ولكننى لم أجد نفس الناس. توفيت استاذتى هناك (آنا دافيس) منذ عشرة أعوام، كانت قد أعطت كل حياتها للعلم حتى إنها كانت تبيت فى الكلية وتمضى ساعات داخل مكتبها هناك، وأتذكر أننى وأنا أعيش داخل كليتى كنت أتجول فى حديقة الكلية ليلا فأجدها تقرأ بتركيز شديد داخل مكتبها وقد تركت النافذة مفتوحة، كأنها تستشعر الونس من الطبيعة والزهور. كنت أتوقف قليلا أمام مكتبها وأنظر إلى كم الكتب الهائل الذى يحيط بها وكأنه يعطيها الأمان والثقة، لم تكن تلاحظ وجودي، ولكننى كنت دوما أبتسم وأمضى فى طريقى أتذكرها بعد مرور ثلاثين عاما. مررت أمام مكتبها، تغير كثيرا وجاء من بعدها أستاذان آخران. كانت النافذة مغلقة والنور منطفئا.
العودة تذكرنى أننا كبشر أهون ما على هذه الأرض لو نعلم. فالأماكن باقية وحتى الأشجار تحيا من بعدنا عمرا. لو نتذكر قصر الرحلة فسنضعها فى الموضع السليم. بعد مرور ثلاثين عاما لم ازل احيط نفسى بالكتب وأشعر مثل استاذتى معها بالأمان. بعض الكتب لا بد أن تتناثر من حولى على الأريكة وعلى الطاولة وعلى الكرسى والمكتبة. هى كلمات لمن عاش قبلنا وفهم المغزى ربما او تذكرة ان هناك معنى لكل هذا الكون وجمالا كامنا فى الإبداع. أترحم على أستاذتى التى لم تسأل عن موقعى فى مصر من أى عائلة أو من أى دين ولم تهتم إلا بى كإنسان قبل كل شيء. طغى العلم على كل اختلاف.
تجربتى فى الدراسة فى جامعة أكسفورد كانت إيجابية للغاية. أحببت المكان وأحببت كم الثقافة والعلم الذى ينبثق من كل اركانه. كنت أواظب على حضور محاضرات فى علوم مختلفة ومسرحيات شكسبير وحفلات موسيقية فى المسرح الكبير. كنت أحاول ان ألتهم العلم والمعرفة. وكانت نصيحة والدى لي، الذى صرف من ماله الخاص على تعليمى حينها، أنه بعث بى حتى أنهل من العلم نهلا وأن واجبى هناك هو المعرفة والفهم وإن اقتضى هذا أن أسافر لبلاد كثيرة فلابد أن أفعل. أتذكر كلماته وأعيدها لطلابى طوال الوقت.
> > >
ونحن فى جامعة أكسفورد كانت هناك شخصية جدلية تهاجم المسلمين فى بريطانيا وتهاجم اللاجئين أيضا، وكان أحد أهم الأندية للطلبة قد دعا تلك الشخصية لإلقاء محاضرة. فخرجت مظاهرات مناهضة للشخصية ولكلامها ضد المسلمين. هذه المظاهرات تطالب بمنع هذه المحاضرة لتلك الشخصية، معظم المتظاهرين كانوا من المسيحيين البيض من البريطانيين ومن كل الأعمار. أردت أن أشاهد ماذا يفعلون ويقولون فى المظاهرة الكبيرة فوجدتهم يهتفون: من العار أن نتعصب ومن العار أن نميز بين البشر. لا للتعصب لا للعنصرية، نحن الكاثوليك نحب المسلمين، كل اللاجئين مرحبا بكم هنا. ولافتات مختلفة بكلمات من هذا القبيل.
وجدت فى هذا الهتاف لحظة نور فى عالم يطغى عليه طمع وحروب ويخرج أسوأ ما فى البشر. عندما أشهد هذه اللحظة فى أى مكان فى العالم أشعر بالراحة ان الإنسان لم يزل يحاول أن يسمو بقلبه ونفسه، وبغض النظر عن سياسات حكومات الكثير من الدول الغربية فوجود ناس عاديين يدركون أهمية احترام الآخر وتقبله وعدم المساس بمعتقده أو كرامته يدعو للإعجاب ويعطى الأمل فى الإنسانية.
> > >
وأنا فى أكسفورد أبحث فى الكتب الجديدة فى تخصصى وفى الأدب عامة. وجدت فى تخصصى بعض الكتب الجديدة التى تتكلم عن مفهوم العدل فى التعليم. كيف نعلم الطلاب معانى الصدق والعدل والمساواة فى فصولنا؟ وهل من واجب الأستاذ أن يشكل ضمير طلابه أم يعلمهم المادة فقط؟ هناك العديد من الكتب فى مجال التعليم تهتم الآن بالثقافة وتهدف لمحاربة التعصب وتفضيل بعض الطبقات الاجتماعية والتطرف داخل الفصل، بل وتتحدى مفهوم الماديات وطغيانها على العلم والإنسانية. نحاول أن نفعل هذا فى القسم الذى أنتمى إليه فى الجامعة الأمريكية وهو قسم اللغويات التطبيقية والدراسات التربوية وأذكر نفسى وأنفسنا بأن التعليم ليس فقط لإعطاء معلومة ونجاح فى الامتحان ولكن لترسيخ قيم فى المجتمع تساعد الطالب على النجاح فى حياته على كل المستويات. وجدت رواية جديدة تدعى «الثمانية» للكاتبة جوانا ميلر تتحدث عن أول ثمانى بنات يحصلن على الشهادة من جامعة أكسفورد عام 1920 والصعوبات التى واجهتهن. فعدت بعقلى الى مصر التى بدأت فيها الجامعة عام 1908 وحينها كان الخديو عباس الثاني، كما قرأت وأنا ابحث لكتابة روايتى كوم النور عباس حلمى الثاني، كان قد عقد النية على أن تدخل البنت الجامعة أيضا فى عام 1909، ولكن تم عزله عام 1914 ودخلت البنت المصرية الجامعة رسميا عام 1928 أى بعد جامعة أكسفورد بثمانى سنوات فقط. نرفع القبعة للسيدة المصرية التى حرصت على التعليم منذ البدء وشجعت بناتها وأولادها عليه.
> > >
فى اليوم السادس لحضوري، حضرت عرض مسرحية ممتعا اريد ان احكى لكم عنه. كان عبارة عن قصيدة لشكسبير وفى الغالب اول قصيدة كتبها وهى بعنوان «فينوس وأدونيس». القصيدة مستوحاة من عمل للشاعر الإغريقى اوفيد.
تحكى قصيدة شكسبير عن قصة حب من طرف واحد بين فينوس والشاب الجميل ادونيس الذى لا يبادلها الحب، بل ويموت فى النهاية فيحترق قلب فينوس وتلعن المحبين جميعا إلى الأبد وتكتب عليهم العذاب.
المسرحية كلها بالعرائس المتحركة. هناك ثلاثة يحركون دمية فينوس وثلاثة يحركون دمية أدونيس وهناك رجل يقرأ القصيدة بصوت شجى وقوى ورجل آخر يعزف على جيتار. بعد أقل من دقيقتين سينسى المشاهد تماما أنه أمام عرض عرائس متحركة وسيصدق أن هذه العرائس حقيقية وسيتعاطف مع حب فينوس، بل ويؤنب بداخله الشاب المغرور الذى يرفض حبها. روعة إبداع شكسبير تكمن فى قدرته على التعبير عن النفس الإنسانية بحساسية مفرطة وتوظيف فريد للغة. وهذا جزء من القصيدة مترجم ببعض التصرف اريد للقارئ ان يقرأه عندما تلعن فينوس الحب وتكتب على المحبين العذاب فتقول:
ها قد مت، وسوف أكتب هاهنا الحزن على المحب للأبد.
فالحب سيكون مصحوبا بالغيرة، ستكون بدايته جميلة ونهايته مرة
ولن يتساوى المحبون فى درجات الحب ابدا، فهذا حب قوى وذاك ضعيف
وكل متعة الحب لن تضاهى حزنه.
سيكون الحب متقلبا وكاذبا ومليئا بالخداع
سيزدهر ويذبل فى لحظة.
ستغطى الحلوى ظاهره ويبقى السم فى القاع كامن
سيكون الحب رحيما وقاسيا سيخدعنا وهو يتزعم العدل
سيبعث بالخوف عند الشجاع وبالشجاعة عند الجبان.
سيكون الحب سببا للحروب والكوارث
يفرق بين الابن وأبيه ويصيب بالغم كل البشر
لن يستمتع به أحد قط.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة









محمد عبدالحافظ يكتب: رسالة إلى الرئيس
السيد النجار يكتب: مهمـة تبـحث عـن قـرار
من يوميات الحفائر!
العفريت والكمسارى !
التاريخ لا يعرف «عواطف»!
شكلك أصغر من سنك!
في وداع نور الهدى
الحرب أرزاق يا عم « شيلكوت»
سر اختفاء المطابخ من بيوت مصر!