هشام مبارك
احم احم
الثانوية «الهامّة» !
الثلاثاء، 07 يوليه 2026 - 08:21 م
بح صوت كل كتاب مصر تقريبًا فى التحذير من طريقة الثانوية العامة وعدم تبنيها مواهب الطالب وقدراته قبل كل شيء لكن لا حياة لمن تنادى
ثانى المنغصات التى أفسدت عليّ متعة متابعة مباريات كأس العالم - غير قرار بعض الممثلين السفر لتشجيع منتخبنا الوطنى من الملاعب - هو أن يكون لديك هذه الأيام طالب أو طالبة فى الثانوية الهامة الشهيرة بالثانوية العامة، ولا أقصد الهامة هنا من حيث الأهمية لكن المقصود بالهامة هنا أى التى تسبب الغم والهم فى كل بيت مصرى لديه طالب يؤدى امتحان الثانوية العامة. هذا «التابوه» الذى نصر على الاحتفاظ به ليعذبنا ولنشقى به طيلة أيامنا. يحدث ذلك فى الوقت الذى لا يوجد فيه أى مثيل لتلك الثانوية العامة فى أى مكان فى العالم حيث يتم دخول الجامعات والكليات وفقاً لرغبات الطالب وقدراته التى لا يشترط أن تظهر فى امتحان تحريرى لا بد من اجتيازه بدرجات فلكية حتى يتمكن الطالب من دراسة ما يحلم به.
كل العالم تخلص من هذا الكابوس المريع ماعدا عندنا حيث نصر على تعذيب الأسرة المصرية التى يؤدى فيها أى طالب أو طالبة امتحان الثانوية العامة، فيتم رفع حالة الطوارئ فى البيوت وحتى عند الجيران احترامًا لوجود ثانوية عامة فى الجوار القريب أو حتى البعيد.. ترقب ولهفة وبكاء ودموع وابتسامات وضحك يعقب كل امتحان حسب الأسئلة ومستواها والتى يتفنن أحيانًا بعض واضعيها فى استعراض عضلاتهم على الطلاب باختيار بعض الأسئلة التى تفوق مستوى حتى الطالب المتميز. نعم أنا مع وجود بعض أسئلة الذكاء التى تبرز المتفوقين ولكن فارقًا كبيرًا بين أسئلة الذكاء وأسئلة التعقيد. ثم أن تضع امتحانًا فى حدود الوقت المتاح للإجابة لا أن تضع أسئلة طويلة وبعضها تعجيزى وتطلب من الطلبة إجابتها فى ثلاث ساعات فى مادة مثل اللغة العربية وتشمل ثمانين درجة من المجموع!
حاولت عمل بحث من خلال الإنترنت فلم أجد فعلًا أى دولة فى العالم تطبق نظام الثانوية العامة بهذا الشكل المعقد غير فى مصر، تخيل مثلًا أن «الهاى سكول» فى أمريكا ـ أى المرحلة الثانوية عندنا ـ تعادل تقريبًا درجة جامعية من التى تؤهل لها ثانويتنا العامة وأغلب الطلبة والطالبات فى الولايات المتحدة الأمريكية يكتفون بالهاى سكول ليندمجوا فى سوق العمل، وقليل هم الذين يدخلون الجامعة نظرًا لارتفاع تكلفة التعليم الجامعى التى لا يقدر عليها سوى قلة من الأمريكيين. لكن الشاهد أنه ليس من المعقول أن يتحدد مستقبل طالب فقط بناء على قدرته فى الحفظ وصم المواد عن ظهر قلب ليخرج ما حفظه فى ورقة الامتحان دون أن يكون لما درسه قيمة مضافة فى حياته ولعل كثيرًا من الزملاء الصحفيين الذين تتبعوا مسار المتفوقين فى الثانوية وجدوا أن أغلبهم رسب فى كليات القمة التى دخلوها فقط بناء على مجموعهم وليس رغبة منهم أو حبًا فى نوعية الدراسة التى تقدمها.
لقد بح صوت كل كتاب مصر تقريبًا فى التحذير من طريقة الثانوية العامة فى مصر وعدم تبنيها ودعمها مواهب الطالب وقدراته الخاصة وميوله قبل كل شيء لكن لا حياة لمن تنادى. ورغم أن كل الظروف تؤكد أن مصر فى حاجة للطلبة المؤهلين لسوق العمل، لكن السياسات التعليمية لا تزال ترسخ فكرة الدراسة الجامعية وتعطيها الأولوية على أى نوع آخر من الدراسة رغم أن سوق العمل فى حاجة ماسة للمهنيين المدربين من أصحاب الشهادات الفنية والزراعية وغيرهما.
مررنا ولازلنا نمر بتجارب عديدة وبقيت معظم التجارب بعيدة عن الواقع، وبقيت تصريحات المسئولين عن التعليم مجرد دخان فى الهواء وطرقعات للاستهلاك المحلى لا تسمن ولا تغنى من جوع ولا تراعى حتى الحد الأدنى من المنطق والمعقول فلك أن تتخيل مثلًا طلبة وطالبات ثانوية عامة يؤدون الامتحان على ديسكات تلاميذ فى فصول ابتدائى بما يعنيه ذلك من معاناة فى جلسة طويلة لأداء امتحان مصيرى ناهيك عن درجة حرارة رهيبة تتم مواجهتها بمراوح قديمة أكل عليها الدهر وشرب.
فيا كل مسئول عن مستقبل الأجيال الجديدة رجاء أن تركن النوايا الحسنة جانبًا فليس بها فقط نصلح التعليم وفكروا ولو مرة بشكل واقعى. فالمشكلة ليست فى تلك التجارب العقيمة التى تحدث كل سنة سواء بنظم امتحان حديثة لا تتوافق مع عام دراسى أصلًا مهترئ هجر فيه الطلاب مدارسهم تحت سمع وبصر الجميع لأنه لا يكفى لنجاحهم ليقعوا فريسة دروس خصوصية فشلت كل الوزارات فى محاربتها.. ليست المشكلة فى تلك التجارب الجوفاء مثل إلغاء سادسة ابتدائى ثم عودتها أو الثانوية العامة تكون سنتين وربما ثلاثًا أو إلغاء العلمى والأدبى ولكن مطلوب إلغاء الثانوية العامة كلها والبحث عن نظام جديد يستجلب دعاء أولياء الأمور لكم وليس دعواتهم عليكم!
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة









خير راغب يكتب: متى يعود الخط الملاحي؟
المحليات «كيه جى وان» سياسة
الفيفا.. القوة العظمى فى تاريخ البشرية
أحداث يناير 2011
إلى من يهمه الأمر: الرسالة وصلت؟
أوقفوا العبث فورًا
عرق الفلاح و«الحياة الكريمة» «٢-٣»
الضمائر الحية وضمائر الحية
مفاوضات «محلك سر»