د. محمد شومان
د. محمد شومان


قضية ورأى

الفيفا.. القوة العظمى فى تاريخ البشرية

الأخبار

الثلاثاء، 07 يوليه 2026 - 08:29 م

الفيفا ليست فوق النقد أو المحاسبة فقد وقعت أخطاء وتجاوزات، حيث اتهم عدد من قادتها بممارسة الفساد والحصول على رشاوى

المونديال هو أكبر حدث عالمى يجمع البشر حول الساحرة المستديرة، يوحدهم فى لحظات لا تنسى من شغف المشاهدة، ويفرقهم ويحرك مشاعرهم ويسمح لهم بممارسة صراعات ومنافسات سلمية. المونديال هذا الحدث الكبير ينظمه الاتحاد الدولى لكرة القدم «الفيفا» المنظمة الأقوى فى العالم والأكثر انضباطًا، فكل الدول تنفذ قراراتها وقوانينها بلا نقاش، وبشكل طوعى لأن الاختلاف أو الاعتراض على قرارات الفيفا يؤدى للطرد من جنة كرة القدم، والحرمان من المشاركة فى البطولات الدولية،

وهو ثمن لا تستطيع أى دولة تحمله. لذلك أصبحت لوائح الفيفا تتمتع بقدر كبير من الاحترام والالتزام يفوق ما تحظى به قرارات المنظمات الدولية الأخرى.
الفيفا باختصار هى المنظمة الدولية الأكثر تأثيرًا فى العالم اجتماعيًا وثقافيًا، ولا توجد مؤسسة أخرى تملك هذا الحضور اليومى فى وجدان أكثر من نصف سكان الكوكب. فالأمم المتحدة بكل تاريخها ومنظماتها أقل تاثيرًا من الفيفا، هى منظمة للحكومات - تضم 193 دولة - أكثر من الشعوب،

وأصبحت فضاء لممارسة الصراع بين الدول، مع تمييز الدول القوية بمنحها حق الفيتو، بينما تضم الفيفا أكثر من 211 اتحادًا وطنيًا، وتشرف على أكبر رياضة جماهيرية على وجه الأرض. حيث يتجاوز عدد اللاعبين المسجلين فى الاتحادات الوطنية التى تشكل الفيفا 300 مليون لاعب، يقف وراءهم مليارات المشجعين والمتابعين، ما يمنح الفيفا نفوذًا اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا هائلًا.

وتتميز الفيفا بقوتها الهيكلية واستقرارها المؤسسى وفاعلية قراراتها وديمقراطيتها، فهى تعمل على تحقيق مبدأ المساواة بين الدول والشعوب بغض النظر عن حجمها السياسى أو الاقتصادى، لذلك فإن قراراتها ملزمة لكل الدول. وبحسب قوانين الفيفا كل الدول متساوية على أرض الملعب والأقوى هو من يفوز سواء كان فريق دولة عظمى كالولايات المتحدة أو دولة صغيرة كالرأس الأخضر.

ولا تميز الفيفا بين دولة وأخرى أو بين لاعب أسود أو أبيض، مسلم أو بوذى أو مسيحى، وفى هذا الإطار تحارب الفيفا كل أشكال التمييز العنصرى أو التنمر فى الملاعب وبين المشجعين، وتمنع الاستغلال السياسى لكرة القدم. وتحافظ على الحقوق المادية والأدبية للأندية واللاعبين عبر العالم، وتلزم اتحادات الكرة الوطنية بقواعد الانتخاب الديمقراطى واحترام حقوق اللاعبين والمدربين والمشجعين. كما تساعد فى خلق فرص عمل وتنشيط السفر والسياحة، وتشجع عديدًا من الدول على تطوير بنيتها التحتية الرياضية لكى تنال شرف استضافة المونديال. وتقدم دعمًا ماليًا واستشارات للدول الفقيرة تساعدها فى نشر وتطوير كرة القدم.

ومع ذلك فإن الفيفا ليست فوق النقد أو المحاسبة فقد وقعت أخطاء وتجاوزات، حيث اتهم عدد من قادتها بممارسة الفساد والحصول على رشاوى لإصدار قرارات غير عادلة أبرزها استضافة المونديال وعدم مراعاة الاعتبارات الاجتماعية والحقوقية والبيئية، علاوة على تحولها إلى عملاق اقتصادى رأسمالى يبيع حقوق المشاهدة لشركات البث بمبالغ هائلة تحرم أغلبية عشاق الكرة من المتابعة اللحظية المجانية. والحقيقة أن هذه الوقائع والاتهامات دفعت الفيفا للتخلص من بعض المسئولين فيها، وتطوير نفسها وتحديث أنظمتها وتعزيز الشفافية والرقابة المالية، ومراجعة آليات اتخاذ القرار.  

فى تقديرى، تمثل الفيفا واحدة من أنجح نماذج التنظيم الدولى المعاصر، وربما أكثرها قدرة على التأثير المباشر فى الشعوب والحكومات. لذلك فهى تستحق مزيدًا من البحث والدراسة لإثبات أن وجود قواعد واضحة، تطبق على الجميع دون تمييز، يمكن أن يجمع البشر حول هدف واحد، وتحويل المنافسات الكروية إلى وسيلة للتقارب بدلاً من الصراع. وربما كانت هذه هى الرسالة الأهم التى يقدمها المونديال للعالم، أن الاختلاف بين الأمم لا يمنعها من الالتقاء على قيم العدالة، واحترام القانون، وتكافؤ الفرص، والاحتكام إلى قوانين واضحة تطبق على كل الدول بمساواة وعدالة وبدون تمييز.

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة