سموم التيتانيوم التى تستخدم فى الأغذية
الســـم فى «الضمير الغايب»
«الأخبار» تفتح ملف فوضى «الإضافات الكيماوية للغذاء»
الأربعاء، 08 يوليه 2026 - 08:44 م
لم يكن المواطن البسيط يعلم وهو يقف أمام بائع عصير القصب، باحثاً عن رشفة تروى ظمأ الصيف الحارق، أن ذلك اللون الأبيض الناصع والمذاق المنعش ليس دليلاً على جودة السلعة، بل سببه مادة كيميائية بترولية تُدعى «ثانى أكسيد التيتانيوم» الممنوع دوليًا، فالمشروب الوطنى الأول للمصريين الذى طالما اعتبروه الملاذ الطبيعى الآمن والمضمون، بات اليوم فى قفص الاتهام بعد أن كشفت الضبطيات الأخيرة عن عمليات غش ممنهجة حولت كوب العصير من طاقة غذائية إلى «جرعة سرطان مركزة».
«أكل وشرب الشوارع» مرتع للأمراض والفيروسات.. والرقابة «غائبة»
أعادت تلك الضبطيات فتح ملف سلامة الغذاء، لتثبت أن أزمة الوعى والرقابة تجاوزت الحدود التقليدية للغش، فالمركب المحرم دولياً فى المأكولات والمشروبات، وجد طريقه لعصّارات الشوارع لتعويض ضعف الجودة وتغيير الألوان، وفى هذا التحقيق لا نتوقف عند حدود كوب العصير، بل نغوص فى عمق «التلاعب بالمصطلحات»، وغش الحليب، وإعادة تدوير زيوت الطعام المستعملة، حيث تفتح «الأخبار» هذا الملف الشائك وتكشف أسرار السُموم المتوارية فى غذاء الشعب المصرى.
تواصلت «الأخبار» مع د. شيرين زكى الطبيبة البيطرية الرئيسة السابقة للجنة سلامة الغذاء بنقابة الأطباء البيطريين، لترد على ما أثير خلال الفترة الماضية حول ضبطيات استخدام مادة «ثانى أكسيد التيتانيوم» فى عصير القصب، قائلة: أزمة هذه المادة ليست جديدة، فقد سبق وتم التحذير منها منذ أكثر من أربع سنوات، تماماً كما خضنا معركة حظر مادة «برومات البوتاسيوم» فى المخابز حتى استجابت وزارة التموين وتم حظرها، وتضيف أن مادة «ثانى أكسيد التيتانيوم» تُستخدم كمبيض فى صناعات غذائية ودوائية عديدة، لكن الكارثة تكمن فى استخدامها العشوائى من قبل محلات العصير والباعة الجائلين.
سرطان مركز
وحول ما يتردد بأن المادة باهظة الثمن ولا يعقل استخدامها للغش فى كوب عصير يتراوح مكسبه بين اثنين أو ثلاثة جنيهات، تجيب الدكتورة قائلة «هذا ادعاء غير صحيح،حيث إن ثمن الكيلو من هذه المادة يتراوح سعره بين 150 إلى 400 جنيه بحسب درجة النقاء، والكيلو الواحد يكفى المحل للعمل لمدة 600 يوم!، فى حين أن كوب القصب الذى كان يُباع بخمسة جنيهات وصل سعره اليوم إلى 30 و35 جنيهاً، مما يعنى أن صاحب المحل استرد ثمن المادة أضعافاً، وعن سؤال البعض كيف يتم إضافة تلك المادة ونحن نرى القصب يدخل الماكينة وينزل أمامنا فى وعاء دون أى إضافات، فتوضح د. شيرين أنه يتم وضع كمية من المادة فى شاش ويتم وضعها داخل الماكينات أو إذابتها فى مياه وتجميدها فى هيئة قوالب ثلج لتفتيح لون العصير ومنع تأكسده.. وتضيف أن الغش بهذه المادة لا يقتصر على عصير القصب، بل يمتد إلى «السوبيا» التى تباع على عربات الباعة الجائلين الذين ينشط عملهم فى فصل الصيف وشهر رمضان، لتعزيز لونها الأبيض الناصع، بالإضافة إلى المشروبات التى يدعى البعض أنها «تمر هندى» وهى عبارة عن صبغات صناعية مركزة لا تصلح للاستهلاك الآدمى تصبغ اللسان والأسنان والملابس، وتُعد بمثابة «عصير سرطان مركز» يستسهل الأطفال شراءه لرخص ثمنه.
السُم الصينى
وفى تحذير شديد اللهجة للأمهات، تطرقت زكى إلى مادة «جلوتاميت أحادى الصوديوم» المعروفة شعبياً بالملح الصينى، والذى يوجد فى عدة منتجات مثل مرقة الدجاج الجاهز والإندومى ومصنعات اللحوم، حيث إن هذه المادة تعمل على تعظيم نكهة الطعام بمقدار 70 ضعفاً عبر تسريع نقل الإشارات العصبية من براعم التذوق فى اللسان إلى الدماغ بشكل عنيف، وهذا الاندفاع العصبى يربط الأطفال والشباب بالمنتج ويجعلهم يزهدون فى الطعام الصحى الذى تصنعه الأمهات.
وأشارت إلى أن الضرر هنا لا يقتصر على السرطان، بل يمتد لأضرار سلوكية وعصبية بالغة الخطورة، حيث تحول الطفل إلى طفل 'مشتِّت ومُشتَّت'، مشتِّت لمن حوله ومُشتَّت التركيز فى مهامه ودراسته، فضلاً عن إثارة العدوانية، والأرق، وتفاقم حالات فرط الحركة «ADHD» لدى الأطفال».
وعن فكرة المنتجات المعلبة أكثر أمانا نظرًا لوجود مكونات على العبوة، توضح د. شيرين قائلة: بعض الشركات تلجأ لحيل ذكية للحصول على موافقة الهيئة القومية لسلامة الغذاء لإخفاء حقيقة المكونات عن المواطن البسيط، ففى باقى الدول يلزم القانون الشركات بكتابة 'شبيه الجبن' أو 'شبيه القشطة' بخط واضح ليعلم المستهلك أن الدسم الطبيعى تم نزعه واستبداله بزيوت نباتية مثل «زيت النخيل»، أما فى مصر فيتم كتابة مصطلح «أنالوج» لعبوات الجبن، وهو مصطلح مبهم لا يفهمه 99٪ من الشعب المصرى، بل وتسمح لبعض الشركات بكتابة كلمة أنالوج وبجوارها بخط أصغر 'طبيعى 100٪' فى تناقض صارخ وضار!».
وفى سياق متصل، تنتقد د. شرين بيان هيئة سلامة الغذاء الأخير الصادر عن الهيئة عقب ضبطيات مادة ثانى أكسيد التيتانيوم، مستنكرة قولها إن «الموضوع غير منتشر وإنه تم حظر المادة فى العصائر الطبيعية فقط»، وتتساءل مستنكرة: «ماذا عن باقى الصناعات التى تستخدم هذه المادة بكميات مهولة كالحلويات، ومعجون الأسنان، ومبيضات القهوة، والحلاوة الطحينية، والشوكولاتة، واللبان.. فهل تم حظرها؟!!».
موقف هيئة الغذاء
وحرصت «الأخبار» على التواصل مع د. طارق الهوبى رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء، والذى أكد أن الهيئة تقوم بمتابعة علمية ورقابية لوقائع رصد ثانى أكسيد التيتانيوم فى بعض المنتجات الغذائية، وذلك فى ضوء ما تم تداوله مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعى بشأن استخدام هذه المادة التى تحمل رمز «E171» فى بعض الأغذية والمشروبات.
وأوضح د. طارق الهوبى، أن الهيئة حرصت على إصدار بيان صحفى يفند هذه الواقعة، مؤكدا أن مادة ثانى أكسيد التيتانيوم غير مسموح باستخدامها كمادة مضافة للعصائر الطبيعية فى مصر، وذلك وفقًا لقرار مجلس إدارة الهيئة رقم «4» لسنة 2020 وتعديلاته بشأن المواد المضافة المصرح باستخدامها فى الغذاء ويمنع استخدامها فى أى مادة غذائية غير مصرح بالاستخدام لها وفقا للمعايير الدولية.
وعلى عكس المتداول، نفى رئيس هيئة سلامة الغذاء أى رصد لإضافة هذه المادة إلى عصير القصب، مؤكدا أنه لا توجد مؤشرات تدل على انتشار هذه الممارسة، كما أن الاستخدام التقليدى للمادة كان يقتصر على بعض التطبيقات المرتبطة بتحسين المظهر وإضفاء اللون الأبيض لبعض المنتجات الغذائية، دون أن يكون لها أى قيمة غذائية أو تأثير على الطعم.
وفى ذات الوقت، أكد الهوبى أن احتمالية وقوع بعض الممارسات المخالفة من جانب عدد محدود من متداولى الغذاء تظل قائمة، شأنها شأن أى مخالفات يتم رصدها فى مختلف الأنشطة الغذائية، وأن الهيئة تتعامل بحزم مع أى مخالفة يثبت وقوعها، وتتخذ حيالها الإجراءات القانونية اللازمة بما يكفل حماية صحة المستهلك.
كما أكد أن التعامل مع القضايا المتعلقة بسلامة الغذاء يتم وفق نهج علمى قائم على تقييم المخاطر والأدلة الفنية والتحاليل المعملية المعتمدة، وأن إثبات وجود أى مخالفة أو تحديد مدى انتشارها لا يستند إلى الافتراضات أو المعلومات المتداولة، وإنما إلى نتائج الفحص والتحقق العلمى.
صحة النواب تعلق
بينما قالت النائبة أميرة فؤاد رزق عضو لجنة الشئون الصحية بمجلس النواب، إن استخدام مادة «ثانى أكسيد التيتانيوم» فى عصير قصب السكر يمثل صورة صارخة من صور الغش التجارى التى تهدد صحة المواطنين.. وأضافت عضو لجنة الصحة، أن عصير القصب الطبيعى يتعرض للأكسدة فور عصره، ما يؤدى إلى تغير لونه تدريجيا إلى درجة أغمق نتيجة التفاعلات الطبيعية للإنزيمات والعناصر الموجودة به، وهو أمر طبيعى ومعروف. إلا أن بعض القائمين على بيع العصائر يلجأون إلى استخدام مواد كيميائية لمنع هذه العملية وإبقاء العصير بلون فاتح ورغوة كثيفة بهدف إعطاء انطباع زائف للمستهلك بأنه طازج وعالى الجودة، رغم أن ذلك قد يخفى عيوبًا أو مؤشرات على سوء التخزين أو عدم الالتزام بالاشتراطات الصحية.. وأوضحت أن خطورة هذه الممارسات لا تقتصر على خداع المستهلك فحسب، بل تمتد إلى المخاطر الصحية الناجمة عن الاستخدام العشوائى لتلك المواد.
السُمية الجينية
وأشارت إلى أن العديد من الدراسات العلمية الحديثة أثارت تساؤلات جدية حول سلامة تناول هذه المادة، خاصة فى صورتها متناهية الصغر، وهو ما دفع جهات رقابية دولية إلى اتخاذ إجراءات احترازية بشأن استخدامها فى بعض المنتجات الغذائية. وأكدت أن من أبرز المخاطر المحتملة المرتبطة بالتعرض المتكرر لها ما يتعلق بإمكانية إحداث تلف فى المادة الوراثية للخلايا، وهو ما يُعرف بالسُمية الجينية، الأمر الذى قد يزيد من احتمالات الإصابة ببعض الأمراض الخطيرة على المدى الطويل.. كما لفتت إلى أن تراكم جزيئات المادة داخل الجهاز الهضمى قد يؤدى إلى حدوث التهابات مزمنة فى بطانة المعدة والأمعاء، فضلًا عن تأثيرها المحتمل على التوازن الطبيعى للبكتيريا النافعة داخل الأمعاء، والتى تلعب دورًا أساسيًا فى دعم عملية الهضم وتعزيز المناعة.
وأضافت أن بعض الدراسات أشارت كذلك إلى إمكانية تراكم هذه الجزيئات فى أعضاء حيوية مثل الكبد والطحال والكلى مع التعرض المستمر لها لفترات طويلة.
وشددت عضو لجنة الشئون الصحية بمجلس النواب على ضرورة تكثيف حملات التفتيش والرقابة على محال العصائر والمنشآت الغذائية، وسحب عينات دورية لتحليلها والتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية، مؤكدة أن صحة المواطن خط أحمر لا يجوز التهاون فيه، وأن مواجهة الغش الغذائى تتطلب تطبيق القانون بحزم على كل من يثبت تورطه فى استخدام مواد غير مصرح بها أو ممارسات من شأنها تعريض المواطنين للخطر.
التحور الجينى
كما تواصلت «الأخبار» مع د. أسامة أرميا الطبيب البيطرى الباحث فى مجال الدواء البشرى ودراسات التغذية العلاجية، ليعلق على واقعة ضبط مادة «ثانى أكسيد التيتانيوم» فى بعض عصارات القصب، قائلًا: منذ سنوات ونحن نحذر المواطنين مع بداية كل فصل الصيف من العصائر الطبيعية التى تباع فى محلات العصائر نظرًا لاحتوائها على كميات كبيرة من ألوان صناعية مثل عصير التمر هندى والكركديه وخلافه، علاوة على ذلك عصير القصب الذى يعتبره المواطن المصرى طبيعيا بدون أى إضافات، لكن فى حقيقة الأمر أن هناك بعض أصحاب المحلات يقومون برش عيدان القصب بمبيدات حشرية لمكافحة الحشرات، وهى مواد تتغلغل فى نسيج القصب وتنتقل مباشرة إلى جوف المستهلك، كما أنهم لا يهتمون بتنظيف ماكينات العصر بشكل دورى.
وعن مادة ثانى أكسيد التيتانيوم التى تم ضبطها فى بعض المحلات، يقول د. أرميا: «هذه المادة فى الأصل هى مركب بترولى بحت يستخدم عالمياً فى صناعات ثقيلة مثل البلاستيك والورق، ومحرم دولياً تماماً فى أى مأكولات أو مشروبات، نظرًا لخطورته التى لا تكمن فى تسببه بنزلات معوية أو مغص وقتى فحسب، بل إن تكرار تناولها يؤدى إلى كارثة كبرى،حيث تتدخل فى التركيب الجينى وتحدث تحوراً فى الحمض النووى للإنسان، وهو ما يعد مؤشرًا مباشرًا لتشكل الأورام والسرطانات».
حليب بمواد كيميائية
وفى سياق متصل، كشف د. أرميا عن الأساليب الملتوية التى يلجأ إليها بعض منتجى وموزعى اللبن غير المعلب الذى لا يخضع للرقابة، حيث يتم غش الحليب وتخفيفه بالماء لزيادة الكمية مما يقلل كثافته وقوامه، ولإخفاء هذا الغش يقومون بإضافة مواد كاوية مثل «الصودا الكاوية والفورمالين» لجعل قوام الحليب متماسكاً وكثيفاً رغم خلطه بالماء، وأيضا لضمان ظهوره كأنه طازج عند الغليان رغم بقائه لساعات طويلة فى طقس حار دون تبريد أثناء نقله من المزارع»، كما حدث فى الضبطية الأخيرة فى مركز «القوصية» بمحافظة أسيوط والتى تحفظت فيها الأجهزة المعنية على حوالى 3 أطنان من الحليب المغشوش بهذه المواد الكاوية، مؤكداً أن الحليب المبستر والمعبأ من شركات موثوقة بات الآن الخيار الأكثر أماناً للمواطنين مقارنة باللبن الطازج المجهول.
سموم فى هيئة غذاء
ويستكمل الطبيب البيطرى تحذيره من منتجات أخرى على رأسها المقرمشات المجهولة المصدر التى تعد بدائل التسالى، التى تُباع بأسعار زهيدة للأطفال فى الشوارع وأمام المدارس.
كما أشار د. أسامة إلى ملف «الزيت المعاد استخدامه»، مطالباً وزارة التموين والأجهزة الأمنية بتتبع شبكات مجمعى الزيوت المستعملة من المنازل والمطاعم بواسطة الموتوسيكلات، لمعرفة أين تذهب هذه الكميات الضخمة؟ وهل يعاد تعبئتها وطرحها فى الأسواق مجدداً تحت مسميات مغشوشة؟.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
د.أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية:محاولات للسيطرة على المجتمعات بالذكاء الاصطناعى
سماء مصر مؤمنة بأحدث نظم التسليح والتكنولوجيا
«وصفات الفوَقان» وَهْم التركيز والنجاح
إرهابى عابر للحدود| التحقيقات والاعترافات تضع الإخوانى يحيى موسى على رأس قوائم الإرهاب الدولى
«الاحتيال الرقمى»| كيف تتحول النقرة الواحدة إلى مفتاح للسيطرة الكاملة؟
ارتفاع التكاليف.. «كابوس» الفشل وتغيّر القوانين أهم الأسبـاب.. والشــباب يفكــر مرتين
«الأخبار»تفتح ملف التحايـل عـلــى قرارات تمكين الحاضنة من مسكــن الزوجيـة
كوفيد-19 فيروس طبيعى.. والصحة العالمية لم تتأخر فى إعلانه جائحة
لعبة «التحميل» فى العقارات تُهدر الملايين.. والمشترى أكبر الخاسرين








