داليا الحزاوى - د. محمود الفولى - محمد جابر
داليا الحزاوى - د. محمود الفولى - محمد جابر


غشاش بسماعة! « الأخبار » تكشف التجارة السوداء على السوشيال ميديا دون رقابة

إيمان طعيمه

الخميس، 09 يوليه 2026 - 08:00 م

«مضمونة.. لا تُكتشف داخل اللجنة.. مقاومة للتشويش».. بهذه العبارات الجذابة، تروج العديد من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعى لسماعات غش إلكترونية متناهية الصغر، وتستهدف الطلاب بوعود براقة، أبرزها اجتياز الامتحانات بسهولة والحصول على أعلى الدرجات مقابل تكلفة تصل إلى 4000 جنيه والتوصيل حتى باب المنزل.

وراء هذه الإعلانات، لا تكمن مجرد وسيلة للغش، بل سوق خفية تتوسع مع كل موسم امتحانات، تحمل فى طياتها مخاطر صحية قد تصل إلى إصابات بالأذن، فضلا عن تبعات قانونية وأخلاقية قد تلازم الطالب لسنوات، وفى هذا التحقيق، ترصد «الأخبار» جميع المخاطر المترتبة على استخدام هذه السماعات وفقا لآراء الخبراء والمختصين.

للوقوف على حقيقة الأمر، تواصلت «الأخبار» مع عدد من صفحات بيع السماعات المصغرة على صفحات السوشيال ميديا للسؤال عن سعر السماعة وكيفية الحصول عليها، وكانت الإجابات جميعها متشابهة، حيث قام الجميع بتوضيح عروض الأسعار والتى تنخفض عن السعر الأصلى بحدود 300 لـ 400 جنيه، وفى حالة شراء أكثر من سماعة سيكون الخصم «جامد» - على حد قولهم - مع استخدام عبارات تجذب الطلاب مثل «الحق اشترى قبل ما تسقط»، واستعراض لمميزات السماعة التى لا يمكن اكتشافها من جودة بطارية تصل مدة عملها إلى 6 ساعات، لكن لزيادة التأكيد يفضل شراء «حجر إضافي» بتكلفة 70 جنيها قبل كل امتحان مع التأكد من تواصلها مع البلوتوث، والتشديد على أن البيع أونلاين والتوصيل حتى باب المنزل.

وكان هذا مجرد استعراض للمميزات فقط، دون كشف مخاطرها التى قد تتسبب فى عاهات مستديمة لكل من يستخدمها، وهذا ما أوضحه د.محمود الفولي، أستاذ الأنف والأذن والحنجرة بكلية طب قصر العينى جامعة القاهرة، قائلا: إن السماعات المصغرة المستخدمة فى الغش من الناحية الطبية ما هى إلا أجسام غريبة داخل قناة الأذن، موضحا أنها عبارة عن أجهزة إلكترونية صغيرة جدا توضع داخل الأذن لنقل الصوت، وقد تسبب مشكلات صحية إذا استخدمت بطريقة غير صحيحة أو لفترات طويلة.

ويجب العلم بأن قناة الأذن مبطنة بجلد رقيق وحساس، لذلك فإن إدخال هذه السماعات بشكل غير سليم قد يؤدى إلى خدوش أو نزيف بسيط أو الشعور بالألم، خاصة إذا تم إدخالها بعنف أو باستخدام أدوات غير مناسبة، كما أنها قد تستقر فى الجزء العميق من قناة الأذن ويصعب إخراجها، وفى بعض الحالات يستلزم الأمر تدخل طبيب أنف وأذن وحنجرة لإزالتها باستخدام أدوات طبية مخصصة وتحت رؤية مباشرة.

ولم تقف المضاعفات عند هذا الحد، وإنما تصل إلى شكوى بعض المستخدمين من الشعور بانسداد الأذن أو ضعف مؤقت فى السمع بسبب انسداد قناة الأذن أو تراكم الشمع، كما قد يظهر طنين مؤقت نتيجة تهيج الأذن أو التعرض لمستويات مرتفعة من الصوت، وفى حالة تعلق السماعة داخل الأذن، يشدد الفولى على ضرورة التوجه فورا إلى طبيب أنف وأذن وحنجرة أو إلى قسم الطوارئ، محذرا من محاولة إخراجها باستخدام أعواد القطن أو الملاقط أو أى أدوات منزلية، لأن ذلك قد يدفعها إلى الداخل ويزيد من خطر إصابة قناة الأذن أو ثقب طبلة الأذن.

منظومة متكاملة

ومن جانبه، يتحدث د.محمد جابر، خبير الذكاء الاصطناعى وتكنولوجيا المعلومات وأستاذ تحليلات البيانات، أنه للأسف الشديد أصبحت سماعات الغش أكثر تطورا وصعوبة فى الاكتشاف، فقد تطورت هذه الأجهزة من سماعات بلوتوث بسيطة إلى أجهزة بالغة الصغر يصعب رصدها بوسائل التفتيش التقليدية، وباتت بعضها مصممة خصيصا للاستخدام داخل اللجان،

وتعمل مع شرائح اتصال مخفية داخل الملابس أو الإكسسوارات، مما يجعل الكشف عنها أمر صعب حتى بالأجهزة المتخصصة. كاشفا أن شبكات الترويج عن هذه الأجهزة تعتمد على منظومة متكاملة من الأساليب، أبرزها منصات التواصل الاجتماعى من فيسبوك وإنستجرام وتيك توك،

حيث تنشر إعلانات مصورة وفيديوهات ترويجية، هذا بالإضافة إلى المجموعات المغلقة على واتساب وتيليجرام للتواصل بعيدا عن أعين الرقابة، فضلا عن التمويه فى التسمية، إذ تُعرض أحيانا بأوصاف كـ «مساعدات سمعية أو أجهزة طبية» للتحايل على فلاتر المنصات، وأيضا محلات بيع الهواتف المحمولة فى بعض المناطق، حيث لم تعد المبيعات مقتصرة على الفضاء الرقمي. 

ويفسر جابر سبب انتشار هذه الإعلانات رغم مخالفتها للقانون، حيث إنها تستغل جملة من الثغرات، أهمها الخصوصية والتشفير فى التطبيقات المغلقة يعيقان المراقبة، مع سرعة النشر والحذف قبل أن تتمكن الجهات الأمنية من الرصد والتتبع، بالإضافة إلى الحسابات المجهولة أو المؤقتة التى تُصعب تحديد الهوية، وكذلك التوقيت الموسمى الضيق حيث تنشط هذه الإعلانات فقط فى فترة الامتحانات وتختفى بعدها، مما يُقلص فرص التتبع، ولا نغفل عن الاستيراد غير الرسمي، إذ لا تدخل هذه السماعات عبر القنوات الرسمية نظرا لحظر استيرادها، بل تتسلل عبر حالات فردية يصعب ضبطها.

أهم الفئات المستهدفة

هذه الحملات الترويجية تعمل بخطط ممنهجة لاستهداف عدة فئات ويأتى فى المقام الأول طلاب الثانوية العامة، والطلاب الخائفون من الرسوب أو ذوو المستوى الأكاديمى الضعيف، وكذلك أولياء الأمور الذين يقعون تحت ضغط التنافس الاجتماعي، فيبحثون عن «حلول سريعة» لأبنائهم، وتجدر الإشارة إلى أن جزء من هذه التجارة ليس سوى «تجارة وهم» تستغل قلق الطلاب وأسرهم، إذ اعترف بعض المتهمين بأنهم كانوا يخدعون الطلاب بادعاء قدرتهم على تسريب الامتحانات دون أن يكون ذلك حقيقيا.

ويشدد د. محمد جابر على ضرورة الوعى بأن العقوبات القانونية رادعة سواء للتاجر أو المستخدم، إذ يعاقب القانون المصرى على حيازة أجهزة الغش بغرامات مالية ومصادرة الأجهزة، فضلا عن عقوبات أشد فى حال الاتجار بها، علما بأن تجارة سماعات الغش هى جريمة متعددة الأوجه فى آن واحد، جريمة تقنية يُجرمها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات من حيث الترويج الرقمى لأدوات غير مشروعة، جريمة جنائية تتعلق بالاتجار فى أجهزة بث غير مرخصة، مخالفة تعليمية تمس نزاهة منظومة التقييم، وتعاقب عليها قوانين الامتحانات بغرامات مالية لا تقل عن ٥٠٠٠ جنيه ولا تزيد على ١٠٠٠٠ جنيه مع مصادرة الأجهزة، وقد تصل العقوبة إلى الإحالة للنيابة العامة فى حالات الاتجار والترويج الممنهج.

وفى هذا السياق، تؤكد داليا الحزاوي، الخبيرة التربوية ومؤسس ائتلاف أولياء أمور مصر، أن وسائل الغش تطورت بالتوازى مع التطور التكنولوجي، فلم يعد الغش يقتصر على تبادل الحديث داخل اللجان أو استخدام أوراق صغيرة، بل ظهرت وسائل إلكترونية متطورة، مثل السماعات وغيرها من الأدوات التى يصعب اكتشافها. وللأسف، أصبحت بعض منصات التواصل الاجتماعى بيئة خصبة للترويج والاتجار بوسائل الغش الإلكتروني، الأمر الذى يستدعى تطوير آليات المواجهة وعدم الاكتفاء بالإجراءات التقليدية، مضيفة أن هذا الواقع يفرض تكثيف الجهود لرصد الصفحات والمجموعات التى تروج لتلك الوسائل، وإغلاقها، وملاحقة القائمين عليها قانونيا بما يحد من سهولة وصول أدوات الغش إلى الطلاب.

وهذا يستلزم التنسيق بين وزارة التربية والتعليم والأجهزة الأمنية فى هذا الملف الحيوي، موضحة أن لجوء بعض الطلاب إلى وسائل الغش الإلكترونى لا يرتبط فقط بالرغبة فى الغش، وإنما يعكس ضغوط نفسية وأسرية، حيث يشعر بعض الطلاب بأن قيمتهم أصبحت مرهونة بالمجموع، وأن الحصول على درجات مرتفعة هو السبيل الوحيد لإرضاء الأسرة، فضلا عن الخوف من الفشل، خاصة مع اعتبار الثانوية العامة امتحان الفرصة الواحدة بالنسبة لكثير من الطلاب، وهو ما قد يدفع البعض إلى البحث عن أى وسيلة لتحقيق النجاح، حتى وإن كانت غير مشروعة. 

رسائل مهمة

ووجهت رسالة إلى أولياء الأمور، مؤكدة أن الدور الحقيقى للأسرة هو تقديم الدعم النفسى لأبنائها، وتشجيعهم على بذل أقصى ما لديهم، وإيصال رسالة واضحة لهم بأن محبتهم ليست مرتبطة بالدرجات، وأن النجاح الحقيقى يقوم على الاجتهاد والأمانة، بينما تبقى النتيجة فى النهاية بيد الله، مشيرة إلى أنه رغم الجهود الكبيرة التى تبذلها وزارة التربية والتعليم فى مواجهة الغش الإلكتروني، فإن التطور المستمر فى أدوات الغش يتطلب حلول أكثر ذكاء، والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة،

إلى جانب تعزيز التعاون مع وزارة الاتصالات والجهات المعنية بأمن المعلومات لتطوير وسائل الرصد والكشف، والحد من انتشار أدوات الغش الإلكتروني، والتفكير فى عودة البوكليت بدلا من نظام البابل شيت الذى سهل الغش بشكل كبير، مع زيادة عدد الأسئلة المقالية التى يصعب غشها بالمقارنة مع أسئلة الاختيار من متعدد. واختتمت الحزاوى حديثها بالتأكيد على أن مواجهة الغش ليست مسؤولية وزارة التربية والتعليم وحدها،

بل هى مسؤولية مجتمعية تشترك فيها الأسرة، والمدرسة، والإعلام، ومختلف مؤسسات الدولة، مشددة على ضرورة غرس قيم الأمانة والنزاهة والاجتهاد لدى الأبناء منذ الصغر، لأننا لا نعد طالبا لاجتياز امتحان فقط، وإنما نعد طبيبا ومهندسا ومعلما وقاضيا يتحمل مسؤولية خدمة المجتمع وبناء مستقبله.

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة