مصر أكبر منتج للنفايات الإلكترونية إفريقيًا وعربيًا بحجم 100 ألف طن سنويًا
ذهب فى «القمامة الإلكترونية»!| كل مليون هاتف قديم ينتج 24 كيلوجرامًا صافيًا من المعدن الثمين
السبت، 11 يوليه 2026 - 06:19 م
هل تخيلت يومًا أن ذلك الهاتف المحمول الملقى فى درجك، وتلك «الكيسة» القديمة التى يعلوها التراب فى زاوية الغرفة، ليسا مجرد نفايات إلكترونية، بل منجم ذهب؟
بينما يواجه كوكب الأرض خطر تراكم 50 مليون طن سنويًا من النفايات الإلكترونية، تنمو فى الخفاء تجارة تحول هذه المهملات الرقمية إلى سبائك نقية، فالذهب هو عصب التكنولوجيا الذى تعتمد عليه الشركات لطلاء الوصلات الدقيقة لمنع الصدأ وضمان الكفاءة.
المفاجأة العلمية هى أن طنًا واحدًا من لوحات الأجهزة القديمة (البوردات) يحتوى على ذهب أكثف من طن الصخور المستخرجة من المناجم الطبيعية، هذا الواقع خلق مفهوم «التعدين الحضرى»؛ حيث يمكن لمليون هاتف قديم أن ينتج 24 كيلوجرامًا من الذهب الصافى، بجانب النحاس والفضة والبلاديوم.
وتصنف مصر كأكبر منتج لهذه النفايات إفريقيًا وعربيًا بحجم 100 ألف طن سنويًا، يخرج 58% منها من المنازل، ويتدفق أغلبها نحو أسواق الخردة العشوائية.
هنا التساؤل الأهم: كيف يدور هذا البيزنس المعقد خلف الكواليس؟ وكيف تحول من مجرد «هواية» وتجارة «تحت بير السلم» إلى سباق رسمى محاط بالسرية والمخاطر والملايين؟
الأخبار تفتح هذا الملف لنكشف بالأرقام والخطوات رحلة السبيكة السرية.. من سلة المهملات إلى واجهات الصاغة.. المهندس (م. ع)، بدأ مشواره فى هذا المجال منذ 10 سنوات، ويروى للأخبار كيف تحولت هوايته وشغفه بجمع المعلومات إلى «بيزنس بملايين».
ويحكى عن تجربته قائلا «قادنى الفضول لمشاهدة مئات الفيديوهات لتعلم كيفية استخلاص الذهب من الأجهزة، واكتشفت أن أغلب التجار يجمعون البوردات ويصدرونها للخارج، كان البيزنس مربحاً جداً؛ نشترى الخردة بالجنيه ونصدر بالدولار»
وأوضح أن السوق المصرى يعد منجمًا مفتوحًا كونه سوقًا استهلاكيًا ضخمًا، حيث تتوافر جميع الأجهزة التى تحتوى على بوردة إلكترونية، لكن تختلف النسب بناءً على الموديل، فمثلا بوردة هاتف «نوكيا الفنلندى» القديمة: تصنف كـ «صيد ثمين» فى السوق؛ حيث يمكن استخلاص جرام كامل من الذهب الصافى من كيلو واحد فقط من هذه البوردات، وهو ما يعادل تفكيك حوالى 75 هاتفًا قديمًا.
وصحح المهندس شائعة منتشرة مؤكدًا أن استخراج جرام ذهب من «كيسة» كمبيوتر واحدة أمر غير منطقى؛ فالواقع العملى يشير إلى أن طن البورد الكاملة يستخلص منه حوالى 10 إلى 15 جرامًا من الذهب فقط، وكلما كان الجهاز قديمًا، كانت النسبة أكبر.. وعن طريقة الاستخلاص يقول: «نفصل القطع الذهبية بالحرارة أولاً، ثم ننتقل للمعمل لمراحل الحرق، الطحن، والتعويم، وصولاً لغمر المسحوق فى أحماض كيميائية لترسيب الذهب»، مؤكداً أن العملية لا تخلو من مخاطر قاتلة؛ بسبب غازات سامة تتطلب أقنعة واقية لتجنب التسمم.
وعن الجانب القانونى، أشار إلى أنه العقبة الأكبر بسبب صعوبة التراخيص: «كنا نعمل فى البداية بنظام «تحت بير السلم» عبر شركات مرخصة تحتكر الأرباح، ومع اكتساب الخبرة ورأس المال، أسسنا شركتنا الخاصة ونسعى حالياً لتوفير أوراقها الرسمية لنعمل فى النور.. لأن هذا البيزنس هو المستقبل».
رغم الأرباح الخيالية التى يجنيها محترفو «التعدين الحضرى»، فإن هذا البيزنس يضم وجهاً مظلماً شديد الخطورة إذا جرى خارج الرقابة الرسمية، وأكد د.سيد صبرى، خبير المخلفات البيئية أن منظومة التعامل مع هذا الملف فى مصر لا تزال تواجه تحديات معقدة.
وقال فى تصريحات خاصة للأخبار «رغم حجم المخلفات الهائل، فإن مصر لا تزال تُصنف ضمن الدول التى تحتاج لبنية تحتية أقوى فى مجال تدوير المخلفات عموماً، والإلكترونية بشكل خاص؛ نظراً لأن تدوير الأجهزة الرقمية يتطلب عمليات تكنولوجية معقدة ومكلفة، فضلاً عن حاجتنا لتفعيل تشريعات وقوانين حاسمة تُجرم إلقاء المخلفات الإلكترونية فى القمامة».
وحذر خبير المخلفات البيئية، من المخاطر الكارثية للورش العشوائية التى تعمل دون رقابة، قائلاً: «إن استخدام الأحماض الكيميائية الحارقة لإذابة الذهب دون قواعد علمية هو انتحار بيئى؛ إذ تطلق غازات سامة تهاجم الجهاز التنفسى والأعصاب للعمال والسكان».
وطرح د. صبرى تساؤلاً يكشف حجم الكارثة الصامتة «السوائل والأحماض الناتجة عن هذه العمليات بعد تصفية الذهب، أين تذهب؟، مجيبا أنه يجرى التخلص منها وإلقاؤها فى شبكات الصرف الصحى أو الأراضى الفضاء، مما يؤدى إلى تسربها لعمق التربة وصولاً إلى المياه الجوفية وتلوثها بمعادن ثقيلة قاتلة يصعب معالجتها».
وشدد الخبير البيئى على أن مصر، بما تملكه من نسب هائلة ومخزون ضخم من المخلفات العامة والإلكترونية، تحتاج إلى تفعيل الدور الرقابى والتنفيذى لـ «جهاز تنظيم إدارة المخلفات»؛ ليكون المظلة التى تضبط إيقاع هذا السوق، وتمنع تحول «مناجم الذهب» المنسية إلى قنابل بيئية موقوتة.
أمام هذه المخاوف البيئية الكبرى ومطالبات الخبراء، تضع الدولة ملف المخلفات الرقمية على رأس أولويات التنمية المستدامة، كونه يمثل «فرصة اقتصادية واعدة» وليس مجرد أزمة بيئية.
وكشف د. خالد قاسم، استشارى التنمية المستدامة لـ «الأخبار»، أن معدلات الاستهلاك قفزت بحجم المخلفات الإلكترونية فى مصر لتتجاوز 100 ألف طن سنويًا، بمتوسط 5.84 كيلوجرام للفرد، ووصف هذه النفايات بأنها «منجم حضرى» غنى بالمعادن الثمينة.
وأشار إلى أنه رغم التطور الملحوظ فى إنشاء مصانع معتمدة لإعادة التدوير وإصدار الضوابط المنظمة، لا نزال نواجه تحديات واضحة على رأسها ضعف جمع المخلفات من المصدر، وانخفاض الوعى المجتمعى، بجانب هيمنة القطاع غير الرسمى على جزء من عمليات تداول هذه الأجهزة الثمينة، فضلًا عن الحاجة لنقل التكنولوجيا المتقدمة فى استخلاص المعادن».
وعن رؤية الوزارة والحلول العملية لمواجهة التداخل العشوائى فى هذا البيزنس، طرح د. خالد قاسم «روشتة» الإدارة المتكاملة التى تعمل عليها الدولة، مؤكدًا أن الهدف ليس إقصاء صغار المستثمرين بل تقنين أوضاعهم.
وتتمثل خريطة الطريق الرسمية فى التوسع فى إنشاء «مراكز تجميع معتمدة للمخلفات الإلكترونية» فى مختلف المحافظات عبر أسلوب الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، وتقديم حوافز ضريبية وتمويلية لمشروعات إعادة التدوير، مع التركيز على «دمج القطاع غير الرسمى داخل المنظومة الرسمية» وتطبيق التحول الرقمى لتتبع دورة حياة الأجهزة الإلكترونية لضمان عدم تسربها للمسالك الخطرة..وأكد د.قاسم أن «الإدارة المتكاملة للمخلفات الإلكترونية فى مصر لم تعد مجرد وسيلة للتخلص الآمن من النفايات، بل هى أداة استراتيجية لدعم الاقتصاد الأخضر، وتقليل الانبعاثات الكربونية، وتوفير 'فرص عمل خضراء' حقيقية للشباب، بما يعزز القدرات التنافسية للاقتصاد القومي».
وأعلنت الحكومة ممثلة فى وزارتى التنمية المحلية والبيئة، توقيع اتفاقية منحة مع السفير السويسرى لإطلاق «مبادرة الإلكترونيات الدائرية فى مصر» (CEI) بإجمالى تمويل 1.4 مليون فرنك سويسرى تمتد حتى يونيو 2029.. وترتكز المبادرة على تطبيق مبدأ «المسؤولية الممتدة للمنتج»، وهو إطار قانونى يلزم الشركات المصنعة والمستوردة بجمع وتدوير أجهزتها القديمة، مما يساهم فى سحب هذه النفايات نهائياً من القطاع العشوائى.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
«الألف يوم الذهبية»| المبادرة تدعم الولادة الطبيعية.. تدرب القابلات.. وتحد من «القيصرية» غير المبررة
قهوة ولا سهم ؟ 5 رسائل لتبسيط مفاهيم الاستثمار للمرأة
موعد مع البحر| 1.5 مليون زائر على شواطئ الإسكندرية فى «الويك إند»
تاج البدو| «العقال» رمز الأصالة والتراث السيناوى
تركيب وعاء ضغط مفاعل الوحدة الثانية بمحطة الضبعة
المحطة .. أربع وحدات بقدرة 4800 ميجاوات
عصمت: «الضبعة» ركيزة لاستقرار شبكة الكهرباء
الطريق التاريخى إلى قلب إفريقيا ينتظر العودة للحياة
خطوة مهمة تعكس التقدم المتسارع فى تشغيل مفاعل الضبعة








