فرقة المصريين
فرقة المصريين


فرقة المصريين .. فصل جديد فى تاريخ الموسيقى المصرية

محمد القليوبي

الأحد، 12 يوليه 2026 - 02:01 م

هناك أعمال فنية لا يقتصر أثرها على زمن إنتاجها، بل تتحول إلى علامات مضيئة تقسم تاريخ الفن إلى ما قبلها وما بعدها. ومن بين هذه المحطات الفارقة، تظل فرقة المصريين واحدة من أهم الظواهر الموسيقية التي شهدتها مصر والعالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، إذ لم تكن مجرد فرقة غنائية قدمت ألحانًا مختلفة، بل مشروعًا ثقافيًا حمل رؤية جديدة للأغنية المصرية، ونجح في المزج بين الأصالة وروح الحداثة، ليؤسس لما يعرف اليوم بثقافة الفرق الموسيقية العربية.

عندما ولدت الفرقة في ديسمبر عام 1977، كانت الساحة الفنية تعيش مرحلة دقيقة عقب رحيل عمالقة الطرب مثل أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ. وبينما كانت الأغنية تبحث عن ملامحها الجديدة، جاء الموسيقار هاني شنودة ليقترح طريقًا مختلفًا، لا يهدم التراث، وإنما يعيد قراءته بلغة موسيقية يفهمها جيل جديد.

نصيحة نجيب محفوظ

لم تكن فكرة الفرقة وليدة الصدفة، بل بدأت بكلمات قالها الأديب العالمي نجيب محفوظ لهاني شنودة أثناء لقاء جمعهما، في وقت كان الأخير يعزف مع فرقة Les Petits Chats التي اشتهرت بتقديم الأغنيات الغربية.. سأل محفوظ الموسيقار الشاب سؤالًا بسيطًا لكنه بالغ التأثير: لماذا لا تقدمون موسيقى مصرية بآلاتكم الحديثة، بدلًا من إعادة إنتاج الأغنيات الأجنبية؟

تحولت تلك الكلمات إلى مشروع عمر بالنسبة لهاني شنودة، فبدأ في تأسيس فرقة تقدم موسيقى عالمية بروح مصرية، وتعبر عن الإنسان المصري بلغته وقضاياه اليومية، دون أن تتخلى عن أحدث الأساليب الموسيقية في العالم.

موسيقى سبقت عصرها

اعتمد هاني شنودة على دراسة موسيقية أكاديمية مكنته من إدخال مفهوم البولي فوني إلى الأغنية العربية، بحيث أصبحت كل آلة تعزف خطًا لحنيًا مستقلًا يصنع مع غيره بناءً هارمونيًا متكاملًا، بعدما كانت الأغنية تعتمد غالبًا على اللحن الأحادي.

وللمرة الأولى، حضرت آلات مثل الجيتار الكهربائي، والباص جيتار، والدرامز، والكيبورد والسينثيسايزر داخل الأغنية المصرية بهذا الشكل المتوازن، مع الاستفادة من موسيقى الروك والفانك والبوب والديسكو، دون أن تغيب الشخصية الشرقية أو اللهجة المصرية التي ظلت حاضرة في كل عمل.

أصوات صنعت هوية

لعل نجاح فرقة المصريين لم يكن قائمًا على نجم واحد، وإنما على روح الفريق. فقد قاد هاني شنودة المشروع ملحنًا وموزعًا وقائدًا موسيقيًا، بينما أضفت إيمان يونس بصوتها الرقيق طابعًا رومانسيًا دافئًا على كثير من الأغنيات، في حين جاءت منى عزيز بحضورها القوي وأدائها الحيوي لتمنح الأغنيات السريعة طاقة خاصة، وأسهم تحسين يلمظ وممدوح قاسم في بناء التناغم الصوتي الذي أصبح أحد أهم علامات الفرقة، بينما كانت البداية الفنية للمطرب عمر فتحي، الذي عرف آنذاك باسم عمر جوهر قبل أن ينطلق لاحقًا في مسيرته الغنائية المستقلة.

ولم يكن نجاح التجربة ممكنًا لولا الكلمة، فقد آمن الشاعر الكبير صلاح جاهين بالمشروع منذ بدايته، وكتب للفرقة عددًا من أهم أغانيها، كما شارك في رحلتها الإبداعية كل من عمر بطيشة وعبد الرحيم منصور، لتخرج الأغنيات معبرة عن تفاصيل الحياة اليومية وهموم الشباب وأحلامهم، بعيدًا عن القوالب التقليدية السائدة آنذاك.

6 ألبومات صنعت مدرسة موسيقية

بدأت الرحلة بألبوم «بحبك لا» عام 1977، الذي شكل إعلانًا واضحًا عن ميلاد مدرسة موسيقية جديدة، وضم أغنيات أصبحت جزءًا من ذاكرة المستمع المصري، مثل «ما تحسبوش يا بنات إن الجواز راحة» التي ناقشت بصورة جريئة قضايا المرأة واستقلالها، إلى جانب الأغنية الرئيسية «بحبك لا» التي لفتت الأنظار بتوزيعها الموسيقي المختلف.

وفي عام 1979 جاء ألبوم «حرية» ليؤكد نضج التجربة، خاصة من خلال رائعة «الشوارع حواديت» التي كتبها صلاح جاهين، وجعل فيها من الشارع المصري بطلًا يحكي قصص الناس وأحلامهم وانكساراتهم.

أما ألبوم «بنات كتير» الصادر عام 1980، فقد حافظ على روح الفرقة المرحة، وقدم أعمالًا مثل «بنات كتير» و«زينب» التي لاقت رواجًا كبيرًا بين الشباب.

واستمرت الرحلة مع ألبوم «ابدأ من جديد» عام 1981، الذي حمل رسائل تدعو إلى التفاؤل ومواجهة التحديات، قبل أن تحقق الفرقة واحدًا من أكبر نجاحاتها الجماهيرية مع ألبوم «ماشية السنيورة» عام 1985، والذي ضم الأغنيتين الشهيرتين «ماشية السنيورة» و«ماما ستو»، اللتين ظلتا حاضرتين في الإذاعة والتلفزيون لسنوات طويلة.

وجاء ألبوم «حظ العدالة» عام 1988 ليكون الفصل الأخير في مسيرة الفرقة، مقدمًا رؤية موسيقية أكثر نضجًا، قبل أن تتوقف التجربة تدريجيًا مع نهاية الثمانينيات.

إرث تجاوز عمر الفرقة

توقفت فرقة المصريين، لكن تأثيرها لم يتوقف. فقد ساهم سفر بعض أعضائها، مثل إيمان يونس ومنى عزيز، ووفاة تحسين يلمظ، ورحيل صلاح جاهين، في إنهاء التجربة، غير أن الأفكار التي قدمتها الفرقة كانت قد انتقلت بالفعل إلى جيل كامل من الموسيقيين.

ومن داخل هذه المدرسة خرجت بدايات عدد من أهم نجوم الغناء في العالم العربي، إذ كان هاني شنودة صاحب التجربة الموسيقية الأولى مع محمد منير في ألبوم «بنتولد»، كما كان من أوائل من اكتشفوا موهبة عمرو دياب وشجعه على الانتقال إلى القاهرة، ليبدأ رحلة أصبحت فيما بعد واحدة من أنجح المسيرات الغنائية العربية.

بعث جديد بعد أربعة عقود

لم تتوقف حياة أغاني فرقة المصريين بانتهاء نشاطها، بل عادت إلى الواجهة بقوة خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2017 أعادت مؤسسة Habibi Funk الألمانية إصدار مجموعة من أعمال الفرقة في ألبوم Music for an Unmade Movie، لتكتشفها جماهير جديدة في أوروبا والولايات المتحدة، ويصفها كثير من النقاد بأنها من أكثر التجارب العربية سبقًا لعصرها.

وتجدد حضورها عربيًا من خلال مسلسل «حالة خاصة»، الذي اعتمد على موسيقى هاني شنودة وأغنيات الفرقة كجزء رئيسي من البناء الدرامي، فعادت أعمال مثل «الشوارع حواديت» و«ماشية السنيورة» إلى قوائم الاستماع على المنصات الرقمية، مؤكدة أن الأغنية الجيدة لا تعرف عمرًا زمنيًا.

اقرأ  أيضا:

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة