هشام مبارك
احم احم
رقص لا إرادى!
الثلاثاء، 14 يوليه 2026 - 08:27 م
أخفيت الزجاجة وعدت مسرعًا إلى البيت. ولأننى رجل حريص على سمعته العائلية، خشيت أيضًا أن أشربها أمام زوجتى وبناتى، فتظهر الأعراض فجأة.
هل جربت، عزيزى القارئ الرجل، أن تنتهز فرصة وجودك وحدك فى المنزل، ثم «تطق» فى دماغك فكرة غريبة؟ تبحث عن حزام تلفه حول وسطك، وتقف أمام المرآة، وتستدعى من هاتفك أغنية راقصة مثل «حبيبى يا عينى»، ثم تبدأ فى هز الكتفين وتحريك الخصر، وبعد دقائق من الاندماج الكامل تتخيل المطربة اللبنانية تنظر إليك مباشرة وتغنى: «بوجودك يا بو سمرة يحلى السهر بالليل»؟! هذا طبعًا إذا لم تكن من أصحاب المواهب الفطرية الذين يرقصون فى الأفراح أكثر مما يأكلون من البوفيه، ويعتبرون أن الرقص حق دستورى لا يجوز الانتقاص منه.
أصارحكم القول إن هذه الفكرة كثيرًا ما راودتنى، لكن شيئًا ما كان يمنعنى. ربما الحياء، وربما الخوف من أن يرانى أحد الجيران من الشباك فيبلغ عنى باعتبارى حالة تستحق المتابعة النفسية. لكننى مؤخرًا، وبينما كنت أتابع الإعلانات التليفزيونية التى أصبحت أطول من المسلسلات نفسها، اكتشفت اكتشافًا خطيرًا، كل إعلان تقريبًا ينتهى برقصة جماعية. لا يهم ماذا يبيع الإعلان، مياه غازية أو خطوط محمول أو مرتبة، أو مسحوق غسيل، أو حتى معجون أسنان.
قلت لنفسى: ربما المشكلة ليست فى شخصى، بل فى أننى لا أستخدم المنتجات الصحيحة. وربما كنت طوال عمرى أشرب المشروب الخطأ، وأنام على المرتبة الخطأ، وأتكلم فى الخط الخطأ، ولذلك لم تظهر علىَّ أعراض الرقص التى تصيب أبطال الإعلانات فور ملامسة المنتج. بدأت بالتجربة الأسهل. وقفت أمام كشك يبيع أحد المشروبات الساقعة التى لا يتوقف إعلانها عن إقناعنا بأن أول رشفة منها تجعل الإنسان يقفز من فوق السيارات، ويرقص فى الشوارع، ويصافح الغرباء، ويغنى مع سائق الأوتوبيس وعامل النظافة ورجل المرور .
اشتريت الزجاجة، لكننى خشيت أن أشربها فى الشارع، فيداهمنى الهز الشرقى أمام المارة، فيضطر أحدهم إلى تصويرى ونشر الفيديو بعنوان: «مواطن يرقص بسبب ارتفاع درجة الحرارة». أخفيت الزجاجة وعدت مسرعًا إلى البيت. ولأننى رجل حريص على سمعته العائلية، خشيت أيضًا أن أشربها أمام زوجتى وبناتى، فتظهر الأعراض فجأة، فأجد نفسى ألف حول السفرة وألوح بفوطة المطبخ كما يفعل أبطال الإعلانات. لذلك أعلنت أننى مرهق للغاية، وأحتاج إلى راحة تامة، وأننى سأغلق باب الغرفة بالمفتاح. نظرت إلىَّ زوجتى نظرة طويلة، فيها من الشك أكثر مما فيها من التعاطف، لكننى تماسكت.
دخلت الغرفة، وشربت الزجاجة فى نفس واحد، ثم وقفت أمام المرآة فى وضع الاستعداد، مترقبًا لحظة التحول التاريخية. دقيقة... دقيقتان... خمس دقائق... لا شىء. حاولت أن أساعد المنتج قليلًا فهززت كتفى بنفسى، فلم يتحرك إلا ضرس العقل. انتظرت أكثر، فلم أجد سوى «كركبة» محترمة أكدت أن المنتج يعمل على المعدة أكثر مما يعمل على مواهب الرقص. قلت لا بأس فلأجرب منتجًا آخر، فذهبت واشتريت خطًا جديدًا. وعندما عدت إلى البيت، طلبت مرة أخرى أن أختلى بنفسى لتركيب الخط فى الهاتف. هنا ارتفع مؤشر الشك عند زوجتى إلى الدرجة القصوى. رمقتنى بنظرة لا تقل دقة عن أجهزة الأشعة، ثم قالت وهى تمصمص شفتيها: «كنت متأكدة إنك متجوز عليا... لكن ماكنتش متخيلة إنك هتجيب خط مخصوص عشان تكلم السنيورة الجديدة!». طبعًا لم أتهور وأكشف الحقيقة، لأن الاعتراف بأننى أختبئ كى أرقص بعد تركيب شريحة موبايل يبدو أكثر خطورة من تهمة الزواج الثانى نفسها. ركبت الخط وانتظرت، لكن لا موسيقى انطلقت، ولا فرقة راقصة خرجت من الدولاب.
لم أفقد الأمل. قلت لعل السر فى المراتب. فالإعلانات تؤكد أن الإنسان بمجرد أن يستلقى على المرتبة المناسبة يتحول إلى طفل سعيد يقفز فى الهواء كأنه اكتشف قانون الجاذبية لأول مرة. لذا ذهبت واشتريت مرتبة جديدة، واستجمعت شجاعتى، وأخذت خطوة للخلف، ثم قفزت عليها بكل حماس. كانت النتيجة قفزة واحدة فقط، أعقبها هبوط اضطرارى جعلنى أستلقى بلا حراك، بينما هرعت زوجتى وبناتى لإسعافى بعد مساعدتى على النهوض حيث أوشكت أن أكون صاحب لقب شهيد الإعلانات! ومنذ ذلك اليوم أيقنت أن المشكلة ليست فى المنتجات، وإنما فى الإعلانات التى تتعامل معنا باعتبارنا شعبًا من الراقصين والمغنيين، ينتظر كل واحد منا عبوة مشروب، أو شريحة موبايل، أو مرتبة، أو حتى كيس شيبسى، كى يكتشف فجأة أن بداخله سامية جمال، أو فريد الأطرش، أو فرقة رضا كاملة.
أما أنا، فقد استسلمت للحقيقة المرة حيث فقدت الأمل وأقلعت عن تجربة أى منتج جديد وقررت أن أتوقف عن محاولة التحول إلى «كائن راقص بالعافية»، واكتفيت بالرقص اللاإرادى الذى ينتابنى كلما تسلمت فاتورة الكهرباء والغاز والنت !
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة









راشد نبيل الحمر يكتب: البحرين ومصر .. أخوة تكتبها المواقف
كابتن حامد عز الدين
تركيا-إسرائيل وماذا بعد؟
الإنسان.. وبناء الدول (١)
صندوق مستقبل مصر
إفريقيا لا تبحث عن بديل.. بل عن قرار مستقل
«حجر» فى مياه البورصة
حضور فلسطين فى المونديال
المليارات المشفرة