ماما نادية
«الرضا» سر الخلطة السحرية لـ «ماما نادية»
الأربعاء، 15 يوليه 2026 - 09:56 م

بين رائحة السمن البلدى والأوانى الألومنيوم البسيطة جاءت سيدة تتسم بطيبة القلب وشجاعة الرجال من الغربية باحثة عن «لقمة العيش» الحلال فى ساحة شوارع غمرة بالقاهرة وصوت ضحكتها الدافئة التى لم تطفئها مرارة الأيام، تجلس «ماما نادية» لتروى حكاية لا تشبه غيرها.. لم يكن الحريق الذى التهم بوتاجازها وأدوات مطبخها البسيط مجرد حادث عابر، بل كان اختباراً قاسياً لقلب أم انقذت أولادها من وسط الرماد، وبوعود بالرضا والعمل الشريف، تقف هذه المراة الستينية صامدة، تطبخ بحب وجبات أكل بيتى بسيط فى زمن يتحدث فيه الجميع عن صعوبة الحياة وغلاء المعيشة، لتأتى «ماما نادية» بفلسفة تدرس فى الرضا وجبر الخاطر، بملامحها المصرية الأصيلة وصوتها الذى يحمل دفء البيوت الريفية، لتصبح قصة كفاح تتجاوز حدود البحث عن لقمة العيش، وتلقن الكل درساً بليغاً فى الأمومة، والتحدى، والإيمان بأن ما يذهب يعوضه الله بأضعاف خلال كلمتها أحسنوا نواياكم فعليها ترزقون.
تروى ماما نادية أنها بدأت رحلتها قبل سنوات من جائحة كورونا، عندما وفر لها أحد أقاربها مكانًا صغيرًا أسفل أحد المولات لتبدأ مشروعها فى إعداد الوجبات المنزلية، وسرعان ما ذاع صيتها بفضل جودة الطعام الذى تقدمه، حتى أصبحت تستقبل عشرات الطلبات يوميًا، إلى جانب الزبائن الذين يقصدون المكان لتناول الطعام وتقول: «كنت بشتغل من الساعة 3 الفجر لحد 3 بالليل، لوحدى، بعمل محاشى ووجبات كاملة، وبسلم 30 و40 أوردر فى اليوم، غير الناس اللى كانت بتيجى تاكل.»
لم تكن تكتفى بالطهو فقط، بل كانت تربى البط والدواجن بنفسها، وتحرص على استخدام السمن البلدى الذى تحضره من مسقط رأسها فى مركز زفتى بمحافظة الغربية، مؤكدة أن سر نجاح أكلها هو اعتمادها على المكونات الطبيعية، لكن النجاح لم يدم طويلًا، فبعد انتقالها إلى محل أكبر جهزته بكل ما تملك من معدات، اندلع حريق التهم المكان بالكامل، ولم يترك لها سوى الذكريات.
ورغم الخسارة، تؤكد أنها لم تستطع المطالبة بحقها، حيث كان زوجها يصارع المرض فى أيامه الأخيرة قبل وفاته، فانشغلت برعايته حتى رحل، لتبدأ بعدها رحلة جديدة مع المسئولية، لم تستسلم ماما نادية، بل عادت للعمل من جديد فى مكان أصغر، بمساعدة بعض المحيطين بها الذين أصروا على منحها فرصة جديدة ، ورغم ارتفاع تكاليف التشغيل، لا تزال ترفض رفع أسعار الطعام وتقول: «مش عاوزة أغلّى الحاجة على الناس.. عاوزة القرش يبقى حلال وربنا يبارك فيه.». وتتحمل يوميًا مشقة نقل أسطوانات الغاز من منطقة غمرة بسبب ارتفاع أسعارها فى المنطقة التى تعمل بها، كما تضطر إلى إعداد الأطعمة التى تحتاج إلى فرن داخل منزلها ثم نقلها ساخنة إلى محلها، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا عليها، وتكشف أن أكبر أمنياتها اليوم ليست امتلاك مطعم كبير، وإنما شراء بوتاجاز جديد تضعه فى محلها لتتمكن من تجهيز الطعام فى مكان العمل بدلًا من نقله يوميًا.
ولا يقتصر كفاح ماما نادية على العمل فقط، فهى أم لثلاثة أبناء، تسعى بكل ما تملك لتأمين مستقبلهم، خاصة ابنتها ياسمين، التى تبلغ 22 عامًا، وتحلم بتجهيزها للزواج، وتقول: «بشتغل على آخر ما عندى عشان أستر بنتى نفسى أفرح بيها وأنا مطمنة.». وتضيف أن أبناءها هم كل حياتها، مؤكدة أنها تحرص على تربيتهم على الاحترام والعمل، وأنها تعتبر نجاحهم هو التعويض الحقيقى عن كل ما فقدته، ورغم كل ما مرت به، لا تزال ماما نادية تؤمن بأن الرزق يأتى بالاجتهاد، وتؤكد أنها لا تبحث عن المساعدة بقدر ما تبحث عن فرصة عمل حقيقية، وتختتم حديثها قائلة : «كل اللى نفسى فيه أشتغل... وألاقى فرصة أشتغل. وربنا يقدرنى وأفضل أجيب لقمة حلال لولادى وللناس». هكذا تواصل ماما نادية رحلتها اليومية بين حرارة الأفران، وثقل المسؤولية، وأمل لا ينطفئ، مؤمنة بأن الحريق قد يحرق المكان، لكنه لا يستطيع أن يحرق الإرادة.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
«شريف» بالدرامز.. والحجار فى «سيد درويش»
«صديقتى سحابة» فى «بيت العينى»
ربطة شعر «هالاند» استثمار بملايين الدولارات
احتفالية ثورة يوليو بـ «روما»
توم كروز مليارديراً فى «الحفار»
«حالة» يعزف لغة الاختلاف والاندماج
أحمد عبد الوهاب بمكتبة الإسكندرية:أؤمن بفلسفة «السعى»
«فارس الفن العربى» بمتحف «مختار»
ليلة مبهجة فى ختام «القومى للمسرح»








