هشام مبارك
يوميات الأخبار
عن دموعك يا أبى!!
الخميس، 16 يوليه 2026 - 08:31 م
رحم الله أبى فقد علمنى أن أعظم الرجال هم أولئك الذين لا يخجلون من دمعة صادقة، وأن الدموع التى تخرج من القلب لا تُنقص الرجال، بل تُكمل إنسانيتهم.
هذا الزملكاوى من ذاك الأهلاوى
السبت:
كنت فى السبعينيات طفلًا شديد «الزملكاوية» لأب شديد «الأهلوية» وكان يحلو لى قبيل كل لقاء للقمة أن أدخل فى تحدٍ معه ومع كل مشجعى الأهلى من أنداد تلك المرحلة فى شارع محمد فريد بالمنشية بالأقصر. كان الأغلبية فى ذلك الوقت زملكاوية. سألت أبى فيما بعد عن سر تفوق أعداد مشجعى الزمالك عن الأهلى وقتها فأجابنى بأن الزمالك فى ذلك الوقت كان هو المتفوق على الأهلى فنشأ جيل أغلبه من مشجعى الزمالك. المهم أننى كنت أتحدى الأهلوية فى تلك الحقبة على قلتهم بأن الزمالك هو الفائز لا محالة. وفى إحدى المباريات وبعد أن تحديت الجميع جلسنا أنا وأبى أمام التليفزيون نشاهد المباراة التى كانت تذاع عصرا، فإذا بالأهلى يسجل هدفين فى الشوط الأول. بالطبع أسقط فى يدى وبدأت أفكر كيف سأواجه الأراذل الذين سيحاصرون بيتى عقب انتهاء المباراة. ضاق صدرى فلم أجد سوى اللجوء بين الشوطين للحمام حيث دخلت وأغلقت الباب من الداخل وانهمرت دموعى أنهارا. شعرت بى أمى رحمها الله فذهبت لأبى أمام التليفزيون وقالت له: «إلحق ياحاج ولدك بيبكى فى الحمام وقافل على نفسه».. فإذا به يهرع إلى ويرجونى من خلف الباب المغلق أن أفتح الباب ففعلت. فاحتضننى وظل يهدئ من روعى وساعدنى لأغسل وجهى ثم عدنا سويا أمام الشاشة لنتابع الشوط الثانى وهو يؤكد لى أن الزمالك سوف يحقق التعادل وربما يفوز على الأهلي. ولم يكتف بذلك، بل ظل طيلة هذا الشوط يشجع الزمالك ولعلها المرة الأولى والأخيرة فى حياته وظل يصرخ زاعقا فى لاعبى الزمالك كلما سنحت لهم فرصة للتسجيل: يلا يا فاروق (فاروق جعفر) شوط يا حسن (حسن شحاتة) باصى لعلى فاضى أهو (على خليل) لكن هيهات هيهات. فلا حياة لمن تنادى وظل الحال على ما هو عليه لينتهى اللقاء بفوز الأهلى لأواجه مصيرى المحتوم من معايرة أهلوية الشارع الذين تحديتهم.
تلك كانت هى المرة الوحيدة التى قال لى فيها والدى رحمه الله إن الدموع أعز من أن تذرف بسبب خسارة مباراة مهما كانت أهمية تلك المباراة. كان يتبع معى أسلوبًا تربويًا بطريقة غير مباشرة. لم يحدثنى مطلقًا عن خطورة التدخين لكنه لم يدخن سجائر ولا غيرها أبدًا. لم يتدخل فى أى اختيار لي، بل كان يشرح ببساطة مزايا وعيوب كل اختيار ثم يترك لى حرية القرار كاملة. أختار أدبى أو علمي؟ هذه مزايا وعيوب كل اختيار. أدرس صحافة أم آثار؟ هذه مزايا وعيوب كل اختيار وهكذا. لم يقل لى مثلما كان شائعًا فى الصعيد فى ذلك الوقت إن دموع الرجل عيب، بل كان يبكى بدموع حارقة كلما غادرنا لظروف العمل، وكلما عاد، وكلما سمع بوفاة قريب أو عزيز. يبكى بحرقة وحرارة كطفل صغير. أذكر كان عائدًا من رحلة عمل خارج مصر وعندما استقبلته فى مطار القاهرة ارتمى فى حضنى وانخرط فى البكاء بصوت مرتفع حتى أن بعض المسافرين التفوا حولنا يسألون عن سبب بكاء الرجل؟!
اليوم، كلما تذكرت تلك الدموع التى ذرفتها بسبب مباراة، أبتسم خجلًا، لكننى كلما تذكرت دموع أبي، أبكى احترامًا. أدركت أن الرجولة ليست فى حبس الدموع، بل فى أن تعرف متى تستحق أن تنهمر. كان أبى يبكى حبًا، وشوقًا، ورحمة، ووفاءً، ولم يبكِ يومًا ضعفًا. ترك لى ميراثًا أثمن من المال، قلبًا لا يخجل من مشاعره، وعقلًا يترك لأصحابه حرية الاختيار. رحم الله أبى فقد علمنى أن أعظم الرجال هم أولئك الذين لا يخجلون من دمعة صادقة، وأن الدموع التى تخرج من القلب لا تُنقص الرجال، بل تُكمل إنسانيتهم.
«هايدريشن بريك»
الثلاثاء:
«هايدريشن بريك» أو استراحة شرب المياه هى توقف قصير (حوالى 3 دقائق) فى مباريات كرة القدم يمنحه الحكم للاعبين للترطيب وتجنب الإجهاد الحراري، خاصة فى الأجواء الحارة والرطبة. أعجبتنى تلك الفكرة وشعرت أنها فكرة صالحة للتعميم وللتطبيق ليس فقط فى مباريات كرة القدم، بل فى كل مجالات الحياة. نعم اشعر أن كل منا يحتاج فى حياته لنوع من أنواع ال«هايدريشن بريك». فرصة يتوقف فيها عن المعتاد الذى يفعله كل يوم بشكل روتينى ممل فى أغلبه بسبب تكراره. نحتاج كلنا لالتقاط الأنفاس لنتحسس موقع اقدامنا ربما نعيد النظر فى كثير من الخطوات التى نقوم بها بلا جدوى. تلك الاستراحة اثق أنه سيكون لها آثارا إيجابية علينا بعد استئناف اعمالنا من جديد. نحتاج كلنا نوع من الراحة السلبية أشبه بالتى يحصل عليها لاعبو كرة القدم أنفسهم عندما يتم منعه من لمس الكرة لفترة معينة كل عقب كل موسم رياضي. لماذا لا يتوقف الكتاب مثلا فترة عن الكتابة بدلا من أن يكتبوا أى كلام. ولماذا لا يتوقف أصحاب برامج التوك شو عن الكلام ويحصلون على هايدريشن بريك لمراجعة أنفسهم قبل العودة للشاشة من جديد. بعض الكتاب والإعلاميين يعتقدون أنهم لو غابوا عن المشهد قليلًا سوف تنقلب الدنيا رأسًا على عقب مع أنهم لو منحوا أنفسهم هايدريشن بريك لاكتشفوا أن هذا أفضل لهم وللقراء وللمشاهدين. وأفكر جديًا أن أبدأ بنفسى وأتوقف عن الكتابة لفترة. ولماذا لا يأخذ كل زوجين مثلًا نفس الهدنة البسيطة حتى يراجع كل منهما موقفه تجاه الآخر بدلا من قضاء الأيام كلها فى نزاع وشجار. ولماذا لا يمنح كل منا نفسه هايدريشن بريك ولو ساعة يوميا يركن فيها الهاتف جانبًا ويعود ليفعل أشياء جميلة كان يفعلها قبل غزو هذا الجهاز الذى يلتهم أوقاتنا وأعمارنا. لعل تلك الهايدريشن بريك هى أفضل ما خرجت به من مشاهدة مباريات كاس العالم. وإذا كان فى كرة القدم، يعود اللاعب بعد «الهايدريشن بريك» أكثر قدرة على الجري، فقد نعود فى الحياة بعد استراحة قصيرة أكثر قدرة على رؤية أنفسنا، فليست البطولة أن تظل تركض بلا توقف، بل أن تعرف متى تتوقف، حتى لا تكتشف، بعد فوات الأوان، أنك كنت تجرى فى الاتجاه الخطأ.
ظاهرة كريهة
الخميس:
من الظواهر الكريهة التى تفسد عليً مشاهدة مباريات كرة القدم (وأظن أن الكثيرين يشاركوننى نفس الإحساس) هى قيام اللاعبين بدون استثناء بالبصق على الأرض. والغريب أن أغلبهم يعرف أن الكاميرات ستكون مركزة عليه عقب قيامه بهجمة أو تسجيل هدف أو حتى استعداده لتسديد الكرة ومع ذلك يقوم بتلك العادة القبيحة. أعرف أنه ربما تكون خارج إرادة اللاعبين لكن من المؤكد أن هناك طريقة اخرى غير تلك الطريقة المقرفة. والغريب أن العلم الحديث لم يخترع مثلا نوعا من اللبان أو أى شيء ممكن أن يضعه اللاعبون فى الفم فيمتص ذلك اللعاب بدلًا من قذفه علينا أمام الشاشات. لا أبالغ لو قلت إن تلك العادة السيئة أحد أسباب إقلاعى عن متابعة مباريات كرة القدم فى كثير من الأحيان. كرة القدم لعبة جميلة، لكن البصق مشهد قبيح يفسد الصورة الجميلة. فهل يأتى يوم نشاهدها خالية من البصقات؟
غلطة الشاطر
الجمعة:
سأكون من أكبر المتفائلين باستمرار حسام حسن فى قيادة منتخبنا الوطنى بعد كأس العالم بشرط واحد. أن يعترف حسام بأنه أخطأ فى أواخر مباراة الأرجنتين عندما قام وهو متقدم على بطل العالم بهدفين بالدفع باثنين مهاجمين هما تريزيجيه ومرموش فى الوقت الذى تقول فيه ألف باء علم كرة القدم أن ذلك وقت الدفع بمدافعين وليس مهاجمين. لم أقتنع بإجابة حسام على السؤال الذى واجهه عن فلسفة تغييره فى ذلك الوقت الحرج بأنه كان يريد فرض شخصيته على الأرجنتين!! أى شخصية تريد فرضها أكثر من أنك متقدم بهدفين؟ الكبير لا يعيبه أن يعترف بالمسئولية وكل مدربى العالم لا يجدون غضاضة فى الاعتراف بالخطأ لكن المكابرة والإصرار تجعلك لا تستفيد من أخطائك. لا يا حسام ظنى أنك دفعت بمرموش وتريزيجيه مجاملة لهما ليشاركا فى الحفلة ظنًا منك أنك حسمت المباراة وتجاهلت الدفع بمدافعين كان الموقف يستدعى نزولهما، وتلك هى المسألة. فالمنتخبات الكبيرة لا تسقط من خطأ، بل من الإصرار عليه. والاعتراف بالخطأ ليس هزيمة للمدرب، بل أول انتصار على النفس وغلطة الشاطر بألف درس.
نهاية الرحلة
أجمل أهداف المونديال، ابتسامة على وجه طفلٍ فى غزة !
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة









أجمل ما فى هذا الوطن
«عشان» إنتِ مصر
فى شهر الثورات ... دروس المصرى للعالم
تهافت النخبة وتآكلها
.. ولا يزال فى الحلم بقية
سلام الشهداء
اطمن على الآخر!
٧٤ عامًا على ثورة ٢٣ يوليو
المونديال فكرة دعمتها مصر