منصات التواصل الاجتماعى
منصات التواصل الاجتماعى


« الأخبار » تكشـــف الوجــــــــــــــه المظلم للسوشيال ميديا

الأخبار

السبت، 18 يوليه 2026 - 08:20 م

لم تعد منصات التواصل الاجتماعى مجرد أدوات للترفيه أو البحث عن تكوين الصداقات، أو توثيق الذكريات الاجتماعية والشخصية، أو حتى التسويق للمشروعات والإنجازات الذاتية، بل توحشت تلك المنصات لتتحول إلى أدوات لصناعة الوعى أو فى معظم الأحوال تزييفه، يتبادل عبرها مليارات البشر المعلومات والآراء بمعزل عن ضوابط القيم، الاعتبارات المهنية، ويصنعون على صفحاتها عالمًا موازيًا بات يتحكم فى العالم الواقعي، ويشكلون تصوراتنا عن أنفسنا وعن أوطاننا ويصيغون بشكل متزايد رؤيتنا للعالم.

ولم تعد المناقشات الدائرة اليوم حول تراجع القيم وانحراف السلوكيات عبر منصات التواصل الاجتماعى مجرد وعظ إرشادى أو ترف فكري، بل تحولت مع تعاظم تأثير منصات التواصل وتحولها إلى المصدر الأول للمعلومات والآراء لدى قطاعات واسعة من المستخدمين، إلى قضية أمن قومى حيوية تمس المناعة الاجتماعية للدولة، فى وقت يعيش فيه العالم حالة انفجار رقمى غير مسبوق.

ولا يعد المجتمع المصرى استثناء من تلك الحالة الى يعيشها العالم، فالأرقام الرسمية الصادرة حديثًا لعام 2026 تكشف حجم التغلغل المرعب لهذه المنصات فى النسيج الاجتماعى المصري، فوفقًا لآخر تقرير صادر عن الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، قفز عدد مستخدمى الإنترنت عبر الهاتف المحمول فى مصر ليصل إلى 92.6  مليون مستخدم.

الصدمة الكبرى تكمن فى مؤشرات استخدام المنصات، حيث يسجل قطاع «منصات التواصل الاجتماعي» وحده نحو 54.3  مليون مستخدم نشط، يتصفحون تلك المواقع بمعدل زيارات يومى يبلغ 25.2  مليار زيارة يوميًا، بنسبة نمو بلغت 5 فى المئة مقارنة بالعام الماضي. 

وطبقًا لتقرير مركز معلومات مجلس الوزراء، فإن  43.4  فى المئة من إجمالى سكان مصر يمتلكون حسابات نشطة على هذه الشبكات، يتصدرها «فيسبوك» بـ 51.6  مليون مستخدم، يليه «يوتيوب» بـ 49.3  مليون، ثم «تيك توك» بـ 48.8 مليون مستخدم  من الفئات العمرية فوق 18 عامًا.

هذه الكثافة العددية، التى يقضى فيها المواطن ساعات طويلة خلف الشاشات، تعنى أن الفضاء الافتراضى أصبح الشريك الأول - بل والأقوى - فى صياغة عقول ومبادئ أكثر من نصف المجتمع.

وللأسف، فى ظل غياب آليات التنظيم، تحولت تلك المنصات من أدوات للتواصل إلى معاول هدم ناعمة استهدفت البنية القيمية للشخصية المصرية، مسببة تشوهات سلوكية واضحة، فتحول هوس المكاسب المادية السريعة عبر خوارزميات المشاهدات إلى مبرر لانتهاك الخصوصية الأسرية، وتقديم محتويات خادشة للحياء.

وتراجعت «الشهامة والمروءة» المصرية أمام موجات التنمر الجماعى والتشهير الإلكتروني، حيث تتيح الشاشات للشخصيات الوهمية ممارسة اغتيال معنوى ممنهج للأفراد دون رادع كاف.

كما باتت المنصات تمنح صكوك الشهرة المجانية للجهلاء والمحرضين، مما خلق رموزًا زائفة تقود مجتمع الشباب، فى مقابل انزواء النخب الفكرية والعلمية..

هذا فضلاً عما أحدثته تلك المنصات من حالة خطيرة للاغتراب الأسرى داخل البيت الواحد، فبات أبناء الأسرة الواحدة يعيشون داخل المنازل وكأنهم فى جزر معزولة، مما أفقد الأسرة دورها التقليدى كحاضنة أولى للتنشئة والتقويم الأخلاقي.

«الأخبار» تبدأ بهذا الملف سلسلة من التحقيقات والتقارير تسليط الضوء على كثير مما أحدثته منصات التواصل الاجتماعي، التى باتت أدوات للانقسام واختراق الخصوصية وتزييف الوعي، لتكشف عن قرب وبتجارب عملية واستطلاع لرأى الخبراء والمتخصصين، الوجه المظلم للسوشيال ميديا.

 

«الكيبورد»  فى قفص الاتهام

لم تكن الكلمة يومًا مجرد وسيلة للتعبير، بل كانت معيارًا للوعى ومسئولية أخلاقية تُوزن قبل أن تُنشر.. غير أن هذا الميزان اختلّ مع صعود «السوشيال ميديا» كساحة فضاء رقمى لا تشترط معيار الحقيقة لانتشار المعلومة. فى السابق، كانت الشائعات تنتشر ببطء عبر المجالس والمقاهي،

أما اليوم فإن «لوحة المفاتيح» الأجهزة الإلكترونية باتت وسيلة سريعة لنشر المعلومات المضللة.. التحول الرقمى منح مروجى الأكاذيب أقنعة رقمية وخوارزميات تضخم الشائعات، وسهولة الكتابة والنشر فى عالم السوشيال ميديا خلقت حالة من الهلع الجماعى واللهث وراء التريند، حتى تحول «الكيبورد» من أداة للتدوين إلى سلاح قادر على تزييف الحقائق بضغطة زر! تناقش «الأخبار» فى هذا التحقيق تفكيك هذا التحوّل الخطير فى علاقة المجتمع بالكلمة، ليس بوصفه أزمة تكنولوجيا، بل أزمة وعي.

أزمة جعلت الرأى انفعالًا، والخبر شائعة، والتحليل مجرد ضجيج رقمي، وأفقدت الكلمة وزنها، لتفقد معها الحقيقة القدرة على الصمود.

 

معهد ماساتشوستس: انتشار الأخبار الكاذبة عبر منصات التواصل أسرع من المعلومات الصحيحة

23% من رواد السوشيال ميديا «مروجو أكاذيب»!

سامية خضر: «ديموقراطية الكيبورد» تعزز الانقسامات الاجتماعية

الرشيدى:  بيئة المنصات تستغل عديمى الوعى لنشر الشائعات

البرماوى: البيانات «المفبركة» تهدف لتمرير معلومات مضللة

الجمل: المنصات تزيد التفاعل دون التحقق من المحتوى

الظواهرى:  خوارزميات الفضاء الرقمى تكافئ الإثارة

فى البداية تكشف الأرقام حجم التحوّل؛ إذ تشير بيانات عالمية إلى أن نحو 62% من البالغين باتوا يعتمدون على منصات التواصل الاجتماعى كمصدر أساسى للأخبار، متجاوزين وسائل الإعلام التقليدية، بينما أقرّ 23% من المستخدمين بأنهم شاركوا أخبارًا كاذبة أو غير متحققة على صفحاتهم دون قصد. الأخطر من ذلك، أن تقارير دولية حديثة صادرة عن مؤسسات مثل اليونسكو تؤكد أن ما يقرب من ثلثى صانعى المحتوى لا يتحققون من دقة ما ينشرونه، وهو ما يمنح المعلومة المغلوطة قوة انتشار وتأثيرًا يتجاوز الحقائق الموثقة.

سلوك المستخدمين

دوليًا، أظهرت دراسات عميقة أن التضليل لا ينتشر بشكل عشوائى فقط، بل يُسرَّع من قبل المنصات نفسها، إذ أثبتت أبحاث من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وأحد أبرز المراكز البحثية العالمية، أن الأخبار الكاذبة تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعى بوتيرة أسرع وأوسع من المعلومات الصحيحة، مدفوعة بسلوك المستخدمين وآليات الخوارزميات، حيث أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع من الأخبار الصحيحة حتى بعد استبعاد الحسابات الآلية. كما أظهر تحليل كندى أن 73% من المستخدمين وقعوا أمام محتوى مشكوك فى صحته خلال 12 شهرًا، وأن 43% منهم أقروا بصعوبة التمييز بين الصحيح والزائف.

وعربيًا، تشير دراسات إقليمية، من بينها تقارير «الباروميتر العربي»، إلى أن 8 من كل 10 مستخدمين يرون أن المعلومات المضللة منتشرة بقوة على منصات التواصل، وأن الاعتماد المتزايد عليها لم يؤدِّ بالضرورة إلى تحسين القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.

من جانبه، يؤكد د. محمد الظواهرى خبير أمن المعلومات ومستشار الأمن السيبرانى أن انتشار الأخبار الكاذبة على منصات التواصل الاجتماعى ليس مسئولية «البوتات» فقط، بل يعود بشكل كبير إلى سلوك المستخدم نفسه وخوارزميات المنصات. وأشار الظواهرى إلى أن المحتوى المثير والعاطفى يُكافَأ آليًا من قبل خوارزميات المنصات، ما يجعل الأخبار الكاذبة تنتشر بوتيرة أسرع من الحقائق الموثقة، مشيرًا إلى أن الأمر يتطلب وعيًا رقمياً أكبر من المستخدمين، ليس لتجنب النشر العشوائى فحسب، بل للحفاظ على مصداقية المعلومات وحماية الفضاء الرقمى من الفوضى.

تصميم الخوارزميات

ويوضح د. شاكر الجمل خبير أمن المعلومات والذكاء الاصطناعى أن الخوارزميات صممت لتزيد التفاعل وليس للتحقق من الصحة، لذلك كل محتوى يثير الانفعال أو الفضول يُعطى أولوية فى الظهور والمشاركة. ويشير إلى أنه فى ظل هذا النظام، حتى المعلومات المضللة الصغيرة يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمات رقمية تؤثر على الرأى العام. وأضاف الجمل على أن الخطورة الحقيقية لا تكمن فى انتشار الشائعات فقط، بل فى الطريقة التى يتفاعل بها المستخدم معها، مشيرًا إلى أن ما نسميه بـ»عشوائية الكيبورد» يعكس فقدان المستخدمين لوعيهم الرقمي، حيث بات نشر المحتوى دون تدقيق قاعدة، وهو ما يناقض الواقع؛ فالتكنولوجيا لم تخلق الكذب لكنها جعلته أسرع وأكثر. وأشار الجمل إلى أن الحل لا يكمن فى تقييد المستخدمين أو المنصات، بل فى رفع مستوى الوعى الرقمى وتعليم المستخدم كيفية التعامل مع الأخبار والتحقق منها قبل المشاركة.

ومن جانبه، يشدد اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية الأسبق لأمن المعلومات، على أن انتشار المعلومات المضللة عبر منصات التواصل الاجتماعى لم تعد مجرد مسألة تقنية، بل أصبح قضية أمنية واجتماعية تتطلب وعيًا ومسؤولية من كل مستخدم. ويضيف أن الخطورة تكمن فى أن كثيرين يستخدمون «الكيبورد» على الموبايل أو الكمبيوتر بلا تحقق أو تفكير، ما يجعلهم أدوات غير مباشرة لنشر الشائعات، موضحًا أن منصات التواصل لا تفرض ذلك، لكنها توفر بيئة تشجع المحتوى المثير والانفعالي، فتستغل عديمى الوعى لتصبح الشائعة أسرع انتشارًا من الحقيقة.

ويضيف اللواء الرشيدي: «الوعى الرقمى هو خط الدفاع الأول، وكل مستخدم يجب أن يتحمل مسؤولية ما ينشره، لأن الكلمة فى الفضاء الرقمى لها أثر مباشر على الرأى العام، وعلى استقرار المجتمع. عدم إدراك هذا الأمر يعنى ترك المجال لمنصات التواصل تتحكم فى مسار المعلومات، وهو ما يهدد الثقة بين الناس والمؤسسات».

الأخبار «المفبركة».. جذابة!

وفى السياق ذاته، يرى خالد البرماوى خبير الإعلام الرقمى أن انتشار الشائعات على منصات التواصل الاجتماعى بوتيرة أسرع من الحقيقة يعود إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها أن الأخبار «المفبركة» تُصاغ بطريقة تستهدف الغرائز الإنسانية وتلعب على مشاعر الفضول والخوف والانفعال، خاصة فى القضايا العقائدية والخدمية،

ما يدفع المستخدمين إلى تصديقها وتداولها دون وعى أو تحقق. ويشير إلى أن الجمهور بات يعتمد بشكل متزايد على السوشيال ميديا كمصدر أساسى للمعلومات، على حساب وسائل الإعلام التقليدية، مع استهلاك محتوى يمنح إحساسًا زائفًا بالمعرفة، بينما لا يتجاوز فى حقيقته حدود القشور. ويؤكد البرماوى أن هذه البيئة الرقمية أسهمت فى ترسيخ ظاهرة «عشوائية الكيبورد»،

حيث بات المستخدمون ينشرون المعلومات دون تدقيق أو جودة، فى ظل اضطراب معلوماتى ناتج عن استهلاك كم هائل من المحتوى مقارنة بالماضي، حين كانت المعلومات أقل عددًا وأكثر عمقًا. ويشير إلى أن هذا «التلبك المعلوماتي» خلق حالة من التشتت العام، استغلتها أطراف متعددة لتمرير أجنداتها عبر معلومات مضللة، يعيد المستخدمون نشرها بعشوائية ودون إدراك لحجم تأثيرها.

انقسامات اجتماعية

ومن جانبها، أكدت د. سامية خضر، خبيرة علم الاجتماع أن انتشار الشائعات والمعلومات المزيفة اليوم ليس مجرد سلوك فردي، بل نتيجة لتحولات اجتماعية أعمق، حيث أصبح الرأى العام يُبنى عبر منصات التواصل بدلاً من المثقفين والمؤسسات التقليدية.

وتشير إلى أن هذا التحول عزز الانقسامات الاجتماعية وأضعف الترابط بين الفئات المختلفة فى المجتمع. وتضيف أن الكيبورد «ديمقراطي» ولكنه محفوف بالمخاطر الاجتماعية، لأن كل فرد قادر على نشر محتوى يصل إلى آلاف الأشخاص، ما قد يساهم فى تضخيم الخلافات البسيطة إلى أزمات اجتماعية.

وتختتم تصريحاتها بالتأكيد على أن الوعى الاجتماعى والثقافى أصبح ضرورة للحفاظ على التماسك المجتمعى والمصداقية بين المواطنين فى العالم الرقمي.

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة