كرم جبر
كرم جبر


إنها مصر

هل تستوعب إيران «حكمة السادات»؟

كرم جبر

السبت، 18 يوليه 2026 - 08:51 م

كلما اشتدت الحرب على إيران، أتذكر الرئيس أنور السادات حين قال بشجاعة وواقعية «أنا أقدر أحارب إسرائيل، لكن ما أقدرش أحارب أمريكا»، ولم يكن ذلك عن ضعف، بل اعتراف صريح بحقائق السياسة وموازين القوى، وإدراك بأن القائد الحقيقى هو من يعرف متى يقاتل، ومتى يحمى وطنه وشعبه من حرب لا نهاية لها.

خاض السادات حرب أكتوبر بكل جسارة، وأعاد للمصريين والعرب كرامتهم وثقتهم بأنفسهم، لكنه لم يسمح لنشوة الانتصار أن تُغيِّب حكمته، وحين تدخلت الولايات المتحدة بكل ثقلها العسكرى والسياسى لإنقاذ إسرائيل، أدرك أن استمرار الحرب لن يضيف نصرًا، بل سيضاعف الخسائر، فاختار طريق السلام، لا استسلامًا، وإنما حفاظ على وطنه وجيشه وشعبه، وانتقال من معركة السلاح إلى معركة السلام.

كان قلبه وعقله مع جنوده وضباطه، وفى خطابه التاريخى أمام مجلس الشعب، حرص على السؤال عن أحوالهم، وهل حصلوا على إجازات وزاروا أسرهم، فى مشهد يعكس إنسانية قائد يدرك أن أعظم انتصار هو أن يعود الضباط والجنود سالمين إلى بيوتهم وأسرهم.

ورغم اختلاف الظروف بين حرب أكتوبر وما تشهده المنطقة اليوم، هناك أوجه تشابه لا يمكن تجاهلها، فإسرائيل لا تزال السبب الرئيسى فى إشعال الصراعات الإقليمية، بسياسات توسعية تزيد التوتر وعدم الاستقرار، كما أن الولايات المتحدة تواصل دعمها بشكل واسع، ولو تعارض ذلك مع مصالحها الاستراتيجية فى المنطقة.

والتاريخ لا يخلّد القادة لأنهم خاضوا الحروب فقط، بل لقدرتهم على اتخاذ القرارات الأصعب، بإنقاذ أوطانهم عندما تصبح كلفة استمرار الحرب أكبر من أى مكسب متوقع، وكانت الحكمة تقتضى أن يقتصر رد إيران على من يعتدى عليها، وألا يمتد إلى المنشآت والمرافق المدنية فى دول الخليج، التى لم تشارك فى الحرب ولم تعلن العداء لإيران، لما يحمله ذلك من مخاطر توسيع دائرة الصراع، كما كان من الحكمة أن تمد يدها إلى دول الخليج بأغصان الزيتون، بدلًا من الصواريخ والمسيّرات.

وكان من الحكمة أيضًا تغليب فرص التسوية السياسية، واستثمار أى نافذة للحوار يمكن أن تحد من التصعيد، وتحمى الشعب الإيرانى من ويلات الحرب، ودمار البنية التحتية المدنية والعسكرية، والسعى إلى بناء علاقات أكثر استقرارًا مع دول الخليج، تقوم على الحوار والتعاون بدلًا من التصعيد المستمر.

أثبت السادات أن الشجاعة ليست فى استمرار الحرب، وإنما فى امتلاك الجرأة على اتخاذ القرار الذى يحفظ الوطن، حتى لو كان ثمنه هجومًا تعرض له، فالأوطان لا تُبنى بالشعارات والمغامرات، وإنما بالحكمة، وبقراءة دقيقة لموازين القوى، وبالقدرة على تقديم مصلحة الشعب على أى شىء آخر.

رحم الله الرئيس أنور السادات، فقد أثبت أن أعظم الانتصارات ليست فقط التى تتحقق فى ميادين القتال، وإنما امتلاك القدرة على إنقاذ الأوطان، من حروب كان يمكن أن تلتهم حاضرها ومستقبلها.
 

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة