هواء مشحون بالكهرباء يمنح محركات الديزل «حياة جديدة»
هواء مشحون بالكهرباء يمنح محركات الديزل «حياة جديدة»


من ابتكار طلاب هندسة قناة السويس

هواء مشحون بالكهرباء يمنح محركات الديزل «حياة جديدة»

حازم بدر

الثلاثاء، 21 يوليه 2026 - 10:53 م


نجح فريق من طلاب هندسة  قناة السويس، فى تقديم حل مُبتكَر ينطلق من عنصر يبدو بديهيًا فى عمل أى محرك: الهواء. 
وبدلًا من تطوير وقود جديد أو إعادة تصميم المحرك نفسه، ركَّز المشروع على تحسين خصائص الهواء قبل دخوله إلى غرفة الاحتراق، فى محاولة لجعل محركات الديزل تعمل بصورة أنظف وأكثر كفاءة.

تجارب معملية أكدت الكفاءة وتوثيق الإنجاز فى دوريات مُتخصصة


المشروع، الذى أُنجز بقسم الهندسة الميكانيكية تحت إشراف د. تامر محمد إسماعيل، يقوم على تطوير وحدة ذكية لتأيين هواء السحب فى محركات الديزل، والمقصود بتأيين الهواء، تعريضه لمجال كهربائى عالى الجهد يمنح بعض جزيئاته شحنة كهربائية تجعلها أكثر نشاطًا واستعدادًا للتفاعل الكيميائى، ويمكن تشبيه الأمر بتجهيز الوقود قبل إشعاله، فكلما كانت المواد المتفاعلة أكثر جاهزية، أصبحت عملية الاحتراق أسرع وأكثر اكتمالًا.
ويقول د.إسماعيل، إن أهمية هذه الفكرة تنبع من طبيعة المشكلة التى تعانى منها محركات الديزل، ففى كثير من ظروف التشغيل لا يحترق الوقود بالكامل داخل الأسطوانة، ما يؤدى إلى فقدان جزء من الطاقة الكامنة فى الوقود وظهور ملوثات مثل أول أكسيد الكربون والهيدروكربونات غير المحترقة والدخان، ويعنى ذلك استهلاكًا أكبر للوقود وانبعاثات أكثر ضررًا بالبيئة وجودة الهواء.
ولمعالجة هذه المشكلة، صَمَّم الفريق، حجرة خاصة يمر عبرها الهواء قبل دخوله إلى المحرِّك، وداخل هذه الحجرة يتعرض الهواء لمجال تأيين عالى الجهد ينشِّط جزيئات الأكسجين ويزيد قدرتها على التفاعل مع الوقود عند الاحتراق، وبذلك يتحول الهواء من مجرد وسيط ضرورى للاحتراق، إلى عنصر مُهيأ مسبقًا للمساعدة فى استخراج أكبر قدر ممكن من الطاقة من الوقود.
اللافت فى هذا الابتكار أنه لا يتطلب أى تغيير فى نوع الوقود المستخدَم، ولا يحتاج إلى إضافة مواد كيميائية أو أنظمة هيدروجين أو تعديلات داخلية فى المحرك، فالوحدة تُركب ببساطة على مسار دخول الهواء، ما يجعلها مناسبة للاستخدام مع المحركات القائمة بالفعل، سواء فى المولدات أو المُعدِّات الزراعية أو ماكينات الرى أو التطبيقات الصناعية المختلفة.
نموذج مُتكامل
ولم يقتصر العمل على الجانب النظرى، إذ نجح الفريق فى تصنيع نموذج عملى متكامل للوحدة وربطه بمنظومة تحكّم إلكترونية تعتمد على متحكم «أردوينو ميجا 2560» مع شاشة عرض وحساسات لقياس سرعة المحرك ودرجات حرارة الهواء والعادم، وتسمح هذه المنظومة بمتابعة أداء الوحدة لحظيًا، كما تفتح الباب أمام تطويرها مستقبلًا إلى نظام ذكى قادر على تعديل شدة التأيين تلقائيًا وفق ظروف تشغيل المحرك.
واختبر الباحثون الوحدة على محرك ديزل أحادى الأسطوانة من طراز «آبان»، مع مقارنة الأداء قبل تشغيل نظام التأيين وبعده تحت الظروف نفسها، وأظهرت النتائج تحسّنًا فى عدد من المؤشرات المهمة، شملت زيادة القدرة والكفاءة وانخفاض استهلاك الوقود وتراجع مستويات الدخان والملوثات الناتجة عن الاحتراق غير الكامل.
ورغم أن بعض نِسب التحسّن قد تبدو محدودة، فإن د.إسماعيل، يؤكد أن أى زيادة فى الكفاءة أو انخفاض فى استهلاك الوقود، حتى لو كانت ببضعة أجزاء من المائة، تمثل مكاسب اقتصادية وبيئية كبيرة عند تطبيقها على محركات تعمل لساعات طويلة يوميًا أو على آلاف الوحدات المنتشرة فى قطاعات الزراعة والطاقة والخدمات.
نتيجة مُقلقة
ومن النتائج التى قد تثير التساؤل لدى البعض، تسجيل زيادة طفيفة فى انبعاثات ثانى أكسيد الكربون، إلا أن د.إسماعيل، يوضح أن هذه الزيادة تُعد مؤشرًا على تحسّن عملية الاحتراق وليس العكس، فعندما يحترق الوقود بصورة ناقصة ينتج أول أكسيد الكربون والهيدروكربونات غير المحترقَة، بينما يؤدى الاحتراق الأكثر اكتمالًا إلى تحويل نسبة أكبر من الكربون الموجود فى الوقود إلى ثانى أكسيد الكربون، ولذلك فإن انخفاض الملوثات الأخطر يقابله أحيانًا ارتفاعٌ محدودٌ فى ثانى أكسيد الكربون نتيجة اكتمال عملية الأكسدة.
ولا تتوقف أهمية المشروع عند نتائجه الحالية، بل تمتد إلى ما يمكن أن يمثله من منصة مستقبلية لدمج الذكاء الاصطناعى فى إدارة الاحتراق داخل محركات الديزل، فبفضل الحساسات ومنظومة التحكّم الإلكترونية، يمكن تطوير الوحدة إلى نظام مغلق الحلقة يراقب أداء المحرك بشكل مستمر ويتخذ قرارات فورية لضبط مستوى التأيين بما يحقِّق أفضل توازن بين الكفاءة وتقليل الانبعاثات.
من مشروع تخرّج إلى نشر دولى
ويعكس المشروع نموذجًا لافتًا لكيفية تحوّل مشروع تخرّج جامعى إلى عمل بحثى ذات قيمة علمية دولية، فقد أسفر عن نشر دراسة علمية فى مجلة «إنفايرونمنتال بروجرس آند سَستينَبِل إنرجي»، كما يُجرى حاليًا تحكيم دراسة ثانية فى مجلة «جرينهاوس جازِز: ساينس آند تكنولوجي»، وهو ما يؤكد أن الفكرة تجاوزت حدود التجربة التعليمية لتصبح مساهمة بحثية قابلة للتطوير والتطبيق فى الصناعة.
ويضم فريق العمل، الطلاب: جرجس نظير بسطا شنودة، كيرلس أيمن حلمى روفائيل، كيرولس نادى دابوس جايد، ياسر عاطف سليم سليمة، عمرو وافق السيد غريب، وهشام السيد أحمد حسن.

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة