المستشار محمد عز العرب والسادة المستشارون
المستشار محمد عز العرب والسادة المستشارون


اغتيال البراءة وقتل الطفولة.. مرافعة نارية للنيابة تهز القلوب في جريمة الأم وعشيقها

امين مجدي

الأربعاء، 22 يوليه 2026 - 04:00 م

في واحدة من أكثر القضايا إيلاما التي شهدتها محاكم الجنايات وقف المستشار محمد عز العرب –وكيل النائب العام بنيابة شبرا الخيمة أول الجزئية أمام هيئة محكمة جنايات شبرا الخيمة الدائرة الثالثة، برئاسة المستشار أمير فايز حنا وعضوية المستشارين تامر رضا البرديسى، ومحمد سيد عبد العال وأحمد رأفت الملكى وأمين أحمد عبد الحافظ وأمانة سر أحمد أبو اليزيد عياش، في الجناية رقم 10794 لسنة 2026 جنايات ثان شبرا الخيمة والمقيدة برقم 1013 لسنة 2026 كلي جنوب بنها لتقدم مرافعة حملت عنوان اغتيال البراءة وقتل الطفولة وهي مرافعة لم تقتصر على سرد وقائع جريمة قتل طفل صغير علي يد الأم وعشيقها، بل تحولت إلى رسالة إنسانية وقانونية تدافع عن حق كل طفل في الحياة والأمان وتطالب بأن تكون العدالة درعا يحمي البراءة من بطش القلوب التي نزعت منها الرحمة.

اقرأ أيضاً| محافظ القليوبية يتفقد مكتبة مصر العامة ببنها لتعزيز الوعي الثقافي

ومنذ الكلمات الأولى للمرافعة حرصت النيابة العامة على أن تؤكد أن القضية المطروحة أمام المحكمة ليست مجرد أرقام في دفاتر القضايا أو أوراق تحقيقات أو تقارير طبية وإنما مأساة إنسانية مكتملة الأركان بطلها طفل صغير لم يتجاوز الرابعة من عمره لم يعرف من الدنيا سوى براءتها ولم يحمل في قلبه إلا الثقة بمن حوله لكنه وجد نفسه ضحية لعنف وقسوة وتجرد من الرحمة حتى انتهت حياته بصورة مأساوية.

الرحمة بالأطفال أصل في جميع الشرائع

استهل المستشار محمد عز العرب –وكيل النائب العام بنيابة شبرا الخيمة أول الجزئية مرافعته بالتأكيد على أن الرحمة بالصغار ليست قيمة أخلاقية فحسب وإنما فريضة دينية وقانونية وإنسانية وأشارت إلى أن الله سبحانه وتعالى جعل الرحمة فطرة في قلوب البشر وربطها بحماية الأطفال ورعايتهم وأن جميع الشرائع السماوية أولت الطفولة عناية خاصة باعتبارها المرحلة التي تتشكل فيها شخصية الإنسان ومستقبله.

واستشهدت النيابة بآيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية شريفة تدعو إلى الرفق بالصغار والإحسان إليهم كما استحضرت نصوصا من الإنجيل تؤكد أن الأطفال لهم مكانة عظيمة وأن الاعتداء عليهم يمثل خروجا على القيم الإنسانية والدينية.

وأكدت أن الطفل ليس مجرد فرد صغير السن بل هو أمانة في أعناق الجميع وأن من يعتدي على طفل فإنه لا يعتدي على شخص واحد وإنما يعتدي على مستقبل مجتمع كامل ويهدم واحدة من أهم القيم التي تقوم عليها الإنسانية.

طفل كان يبحث عن الأمان فوجد الموت

انتقلت النيابة بعد ذلك إلى الحديث عن المجني عليه الطفل فارس معتز محمد الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره مؤكدة أنه كان يحلم مثل أي طفل بحياة بسيطة مليئة بالأمان والحنان واللعب وأن يجد أما تحتضنه إذا بكى وأبا يحميه إذا خاف وبيتا يشعر داخله بالدفء والاستقرار.

لكن تلك الأحلام البسيطة تحولت إلى كابوس بعدما أصبح الطفل يعيش وسط أجواء من العنف والإهمال والخوف المستمر حتى انتهت حياته بصورة مأساوية لم يكن يتخيلها أحد.

وأكدت النيابة أن الطفل لم يكن قادرا على الدفاع عن نفسه أو فهم أسباب ما يحدث له وأن كل ما كان يملكه هو البكاء والاستغاثة والاحتماء بمن يفترض أنهم مصدر الأمان بالنسبة له.

علاقة غير مشروعة كانت بداية المأساة

وأوضح المستشار محمد عز العرب –وكيل النائب العام بنيابة شبرا الخيمة أول الجزئية أن التحقيقات كشفت أن والدة الطفل غادرت منزل الزوجية بعد خلافات مع زوجها واصطحبت معها نجلها قبل أن تتعرف على المتهم الآخر وتقيم معه داخل مسكن واحد رغم استمرار العلاقة الزوجية بينها وبين والد الطفل.

وأضافت أن الطفل انتقل للإقامة مع والدته وشريكها الجديد حيث بدأت رحلة طويلة من الإهمال وسوء المعاملة انتهت بالتعذيب الممنهج ثم القتل.

وأكدت النيابة أن تصرفات الطفل الطبيعية مثل الحركة الزائدة أو البكاء أو التبول على ملابسه كانت كافية لإثارة غضب المتهمين اللذين قررا استخدام الضرب والإهانة والعنف كوسيلة للتعامل معه.

مسلسل تعذيب لم يتوقف

بحسب ما ورد في المرافعة فإن ما تعرض له الطفل لم يكن حادثا عارضا أو انفعالا مؤقتا وإنما سلسلة طويلة من الاعتداءات اليومية.

وأشارت النيابة إلى أن الطفل كان يتعرض للضرب بالأيدي والأرجل والأحزمة وخرطوم الغسالة كما تعرض للحرق بولاعة وإطفاء السجائر في جسده ووضعه تحت المياه الباردة وإجباره على الوقوف لساعات طويلة عقابا له.

وأكدت أن جسده الصغير تحول إلى سجل مفتوح يحمل آثار الكدمات والسحجات والحروق والجروح التي كشفت حجم المعاناة التي عاشها قبل وفاته

وشددت النيابة على أن التعذيب لم يكن يقتصر على المتهم الأول وحده بل شاركت فيه الأم بنفسها وكانت تحرض شريكها على مواصلة الاعتداء كلما اشتكت من تصرفات الطفل.

الليلة الأخيرة في حياة فارس

واستعرضت النيابة العامة تفاصيل اليوم الأخير في حياة الطفل مؤكدة أن المتهم الأول استدعى الطفل بعدما اشتكت والدته من تصرفاته ثم بدأ في الاعتداء عليه بالصفع والركل والدفع بعنف حتى ارتطم بالحائط.

وأضافت أن الاعتداء استمر رغم سقوط الطفل أرضا وأن المتهم عاد إليه مرة أخرى وواصل ضربه حتى أصيب بإصابات بالغة في الرأس والصدر قبل أن يدخل في حالة تشنج ثم يفارق الحياة.

وأكدت النيابة أن الأم كانت تشاهد ما يحدث بالكامل ولم تحاول الدفاع عن طفلها أو منعه أو طلب المساعدة بل ظلت صامتة حتى لفظ نجلها أنفاسه الأخيرة.

محاولة لإخفاء الحقيقة

ولم تتوقف المأساة عند وفاة الطفل بل أشارت النيابة إلى أن المتهمين حاولا إخفاء معالم الجريمة بادعاء أن الطفل سقط من أعلى السلم.

وأوضحت أن المتهمين استعانا بطبيب لاستخراج تصريح دفن إلا أن الطبيب اشتبه في وجود شبهة جنائية بسبب كثرة الإصابات الظاهرة على جسد الطفل ورفض إصدار التصريح.

وبعد ذلك نقلا الجثمان إلى المستشفى أملا في إنهاء إجراءات الدفن لكن الأطباء هناك اشتبهوا أيضا في الواقعة وأبلغوا الجهات المختصة لتبدأ التحقيقات التي كشفت تفاصيل الجريمة.

اعترافات كشفت حجم القسوة

أكدت النيابة أن التحقيقات تضمنت اعترافات تفصيلية من المتهمين فقد أقر المتهم الأول بأنه كان يضرب الطفل باستمرار وأنه استخدم خرطوم الغسالة في الاعتداء عليه كما اعترف بحرقه بولاعة وأن الضرب كان يتكرر بصورة شبه يومية.

كما اعترفت الأم بأنها كانت تضرب طفلها بالحزام والشبشب وأنها كانت تشتكي منه لشريكها فيعود الأخير للاعتداء عليه بعنف.

وأضافت في أقوالها أن الطفل كان يبكي ويتوسل قائلا لن أفعل ذلك مرة أخرى لكنه لم يجد أي استجابة أو رحمة

التقرير الطبي يحسم القضية

استندت النيابة إلى تقرير الطب الشرعي الذي أكد أن الوفاة نتجت عن إصابة رضية شديدة بالرأس أحدثت نزيفا بالمخ أدى إلى توقف المراكز الحيوية وحدوث هبوط حاد في الدورة الدموية والتنفسية.

كما كشف التقرير عن وجود عدد كبير من الإصابات القديمة والحديثة في أنحاء متفرقة من جسد الطفل بما يؤكد تعرضه للتعذيب بصورة متكررة وعلى فترات زمنية مختلفة.

وأكدت النيابة أن التقرير الفني جاء متوافقا تماما مع اعترافات المتهمين وأقوال الشهود ومعاينة النيابة العامة.

لا خلاف ولا ثأر بل ضحية بريئة

وأشارت النيابة إلى أن أكثر ما يميز هذه القضية أنها خلت تماما من أي دافع تقليدي للقتل فلا توجد خصومة أو نزاع أو ثأر أو خلاف مالي وإنما كان المجني عليه طفلا صغيرا أعزل لا يملك سوى البكاء.

وأكدت أن الجريمة قامت على استغلال ضعف الطفل وعدم قدرته على المقاومة وأن المتهمين استخدما قوتهما في مواجهة طفل لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

جريمة قتل عمد مكتملة الأركان

وفي الجزء القانوني أوضحت النيابة أن الجريمة تمثل نموذجا واضحا لجناية القتل العمد.

وأكدت أن الركن المادي تحقق من خلال الاعتداءات المتكررة التي تعرض لها الطفل وأن الركن المعنوي ثبت من خلال علم المتهمين بخطورة أفعالهما وإصرارهما على مواصلة الاعتداء رغم ظهور آثار الإصابات وتدهور حالة الطفل

وأضافت أن نية القتل لا تستلزم اعترافا صريحا وإنما تستخلص من ظروف الواقعة وطبيعة الاعتداءات وتكرارها وصغر سن المجني عليه وعدم إسعافه بعد إصابته

كما شددت النيابة على توافر القصد الاحتمالي لأن أي إنسان يدرك أن تعذيب طفل في الرابعة من عمره بصورة مستمرة قد يؤدي إلى وفاته ومع ذلك استمر المتهمان في أفعالهما حتى وقعت النتيجة.

رسالة إلى كل أسرة

ووجهت النيابة العامة من خلال مرافعتها رسالة إلى جميع الأسر أكدت فيها أن الطفل لا يحتاج إلى القسوة حتى يتعلم ولا إلى العنف حتى يطيع وإنما يحتاج إلى الحب والاحتواء والتربية السليمة.

وأكدت أن السنوات الأولى من عمر الطفل هي المرحلة التي تتكون فيها شخصيته وأن ما يغرس فيها من خوف أو عنف يظل يلازمه طوال حياته.

كما شددت على أن حماية الأطفال ليست مسؤولية الوالدين فقط وإنما مسؤولية المجتمع بأكمله وأن السكوت على أي اعتداء يقع على طفل يمثل مشاركة غير مباشرة في استمرار هذه الجرائم.

العدالة تنتصر للطفولة

وفي ختام المرافعة أكد المستشار محمد عز العرب –وكيل النائب العام بنيابة شبرا الخيمة أول الجزئية أن العدالة لا تستطيع إعادة الطفل إلى الحياة لكنها قادرة على أن تعيد للمجتمع ثقته في القانون وأن تؤكد أن الطفولة خط أحمر لا يجوز تجاوزه.

وطالبت المحكمة بتوقيع أقصى عقوبة يقررها القانون على المتهمين باعتبار أن ما ارتكباه لا يمثل اعتداء على طفل واحد فقط بل يمثل اعتداء على الإنسانية كلها ورسالة يجب أن تكون رادعة لكل من تسول له نفسه إيذاء طفل أو حرمانه من حقه في الحياة والأمان.

واختتمت النيابة مرافعتها بالتأكيد على أن الحكم المنتظر لن يكون انتصارا لفارس وحده بل سيكون انتصارا لكل طفل ينتظر من المجتمع أن يحميه وأن يمنحه حقه الطبيعي في أن يعيش طفولته بعيدا عن الخوف والعنف وأن يظل القانون الحصن الذي يحمي الضعفاء ويصون البراءة ويقتص لكل طفل سلبت منه الحياة ظلما وعدوانا.

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة