عن ذيلِ الكَلب
عن ذيلِ الكَلب


عن ذيلِ الكَلب

أخبار الأدب

الأحد، 26 يوليه 2026 - 10:30 ص

أحمد النحاس 

ضرب من الهرج وشطحات من المرج تسود زقاق المعلم «نبوت» فور قدومه. الجميع فى دوائر المعرفة بالنسبة له، ويعلم كل شاردة وواردة تدب فى ربوع زقاقه. ليس له كبير ولا يؤمن بزعامة أحد عليه، ومهابته يخنع لها القاصى والداني. قده الثمين ومشيته المثيرة للشفقة والضحك معا لا يضاهيها إلا بغلة حبلى أوشكت على الوضع. مَقره فى كل بيت من بيوت الزقاق وأحد لا يجرؤ على غلق الباب أثناء مروره من أمامهم. حرافيشه مشهود لهم بالانصياع لأوامره وحكمه، فلا يأتمرون إلا بما يريده، ولا يفعلون إلا ما تمليه عليهم ضمائرهم التى هى أيضا حبيسة الأيادى البضة للمعلم، تجنبهم والتساوى بأسوار المنازل إذا ما احتواهم نفس الطريق، هو الضمانة الوحيدة للبقاء يوما آخر على قيد الحياة، فهم يقتلون أكثر مما يأكلون، ونزعة العنف من أساسيات وتفاصيل أيامهم ولياليهم. 
فى إحدى الأيام أمر المعلم «نبوت» بالاجتماع الفورى مع حرافيشه للتحدث معهم فى أمر جلل، والتشاور فى كيفية الخروج من هذا المصير المحتوم والوضع المأزوم. حُدد وقت ومكان الالتقاء المعهود المتواجد أسفل زقاق المعلم نبوت حيث ساحة «الشلحجية»، وهى منطقة خواء تستوعب بالكاد رجال المعلم حتى أن كل واحد منهم اتخذ من الساحة ركنا أساسيا له لتكون جلسته عليها متى شاء المعلم، وقال لهم «عايزكم فى اجتماع يا بقر». 
أراح المعلم جسده الثمين على مخدة وثيرة صنعت خصيصا للكبراء الذين ليس من بينهم هذا «النبوت». مُنتصف ساحة الشلحجية هو مكان جلسة الأخير، ليس لشيءٍ إلا لأنه يجعل من حرافيشه المغضوب عليهم من جانبه، خلفية مُنساه لا قيمة لهم، لا يحب أن يراهم فيثير ذلك غضبه ويحول دون أن تمر الليلة على خير بعد أن يتعكر مزاجه وتختل نفسيته. وحتى يعود لما كان عليه يلزم ذلك شرب زجاجتين من البيرة المصحوبة بأنفاس النرجيلة، فالغلوشة على دماغ المعلم «المتكلفة» يعنى بالنسبة لكل الحرافيش بأن اليوم الجلسة ستصبح سوداء مصحوبة بدماء، قد تسيل من أحد الجالسين. أما عن المتصدرين لمجال رؤية المعلم «نبوت» فهم أصحاب الأيادى المضرجة بدماء لا أول لها، وآخرها لا يمكن تحديده! 
القتل قد يقع فى اليوم أكثر من مرة، والمدية لا تفارق أبدا معطفهم، ولديهم الخبرة الكافية فى السفك، وأيضا غير محسوبين على المعارضة، فرايات الطاعة منسحبة دائما على وجوههم الخانعة، وولاء السمع والطاعة للمعلم لا يعرفون غيره، فلا يعصون له كلمة ولا يردون له إشارة، «ولو جه على عيل من العيال»! 
تراص الجميع، مَن بالخلف بالخلف ومَن بالأمام بالأمام، وامتشقوا أسلحتهم واضعين إياها على حصير من الرمل تمركز يسار المعلم ووضِع خصيصا فى هذا المكان لذاك الغرض، فقواعد نبوت تحتم عليهم بأن «مفيش حد يكون ماسك سلاحه وأنا بتكلم يا غجر».
 - خير يا معلم وغوشتنا؟ 
كان هذا صوت أحد الحرافيش ويدعى «مسروع البايخ» أصغر الحاضرين وأشرس المعارضين للمعلم نبوت، فهو كثير «المقاوحة» له ولا يخشى ردود أفعاله مهما كلفه ذلك بعكس البقية الباقية.  
المعلم نبوت: انت ماتبتش عن الكلام قبل الأكبر منك سنا وإجراما، إيه؟ ما اتعظتش من آخر مرة لما قعدتك على النبوت؟ 
التفت الجميع لبعضهم البعض وتمتموا ظانين بمسروع البايخ وبمعلمهم ظن السوء، وأسر أحدهم لمن بجواره: «المعلم نبوت والواد البايخ»؟! 
وصلت الجملة إلى مسامع المعلم نبوت فصرخ فى غضب: كلامى واضح يا أوباش، أنا بقول بالنبوت مش بالمعلم نبوت، على آخر الزمن شنبى هيرف على دكر.  
ثم نصب وجهه نحوه وحرك حاجبيه، وقال: 
- مش أنت دكر يا بايخ؟؟ هع هع..
 المهم يا رجالة احنا فى خطر، والزقاق كلوا معرض للهلاك بعد ما عرفت من «سواعد المشمشي» ضاربة الودع بإن الزقاق كان معمولُه عمل فرعونى والعياذ باﷲ من ولاد الأبالسة الفراعنة، عشان قال ايه؟ جثة ملك كانت مدفونة فى مسلة فى المكان ده، ونفس الملك ده كان واخد حتة الأرض دى زمان من الفرعون الكبير قوى عشان يبنى هرم ليه ولفراعينه الصغيرين.  
نظر الحرافيش مدهوشين للمعلم كأن على رؤوسهم الطير.. 
- والعمل يا معلم؟ قال أحد الجلوس. 
المعلم نبوت: عشان نبِطل عمل ولاد الكلاب دول ونتقى شرهم لازم نجمع «ديول كلاب» بعدد كل واحد من أهل الزقاق، ومش كدا وبس . 
بسخرية نطق حرفوش صغير من الحرافيش المحيطة بالمعلم نبوت: 
«كمل يا معلم كمل.. وهنعمل ايه تاني»؟! 
المعلم بصوت خفيض: وا .. وا .. وا ولازم كل واحد فى الزقاق راجل أو ست يعلق الديل ده مكان ما بيقعد، ونخرج كلنا كدا بربطة المعلم اللى هو أنا، ونمشى فى الزقاق رايحين جايين من أول ما الشمس تطلع لحد ما تغيم، عشان ولاد المؤذية يشكو فى مسألة إننا بنى آدمين ويسبونا ما يؤذوناش لأنهم ما بيئذوش كلاب! 
همسات جموع الحرافيش لا تتوقف، والذهول فى أعينهم لامع، وأحد منهم لا يستطع أن يحرك ساكنا فضلا عن أن يحرك لسانه بكلمة تعقيبا على ما سمعوه من خيالات لم يشاهدوها قط!  
جلجل مسروع البايخ بضحكة خليعة ملؤها استخفاف بما سمعه، وقال للمعلم: 
- يعنى كدا يا معلم كلنا، ولامؤاخذة هنعلق فيها؟ 
المعلم وقد ضرب حافة المخدة التى يمتطيها: هنعلق فيها إزاى يعنى يا بايخ؟! 
البايخ بتعتعة وتوتر: لأ أنا قصدى يعنى يا معلم إن بالشكل ده كلنا هنعلق ديول كلاب من ورا لمؤاخذة بما فينا أنت يا سيد المعلمين ودا ما يرضناش أبدا. 
ثم إن سواعد المشمشى دى سِت بتاعت ليل وملهاش غير فى البوظان، ومعروف إن مشيها بطال، فمالها ومال الفراعنة؟ وبتضرب الودع إزاى يعني؟! هو كل اللى يمسكلوا ودع ويضربه يعرف فى شغل ولاد الشياطين دول، طب مانا مسكت ابن الولية «عواطف وحوح» وضربتوا وأدينى زى مانا ما اتغيرتش ومش بفهم حاجة فى أى حاجة! 
ثم عاد وكرر: 
صدقنى يا معلم دى سِت مولعب، وملهاش غير فى الهز والذى منوا.  
المعلم نبوت: والذى منوا!؟ يعنى أنت اللى شريف يا بايخ، أقولهم عملت ايه معاك بعد ما ضربتك على مؤخرتك بالنبوت؟!  
ضحك المعلم ومن بعده حرافيشه، واحمر وجه مسروع البايخ خجلا إلا أنه لم يصمت.  
البايخ: طب أنا عندى فكرة يا معلم نبوت. 
المعلم نبوت: اللهم طولك يا روح .. فكرة إيه يا مسروع؟ 
البايخ: ايه رأيك يا معلم بدل ما نعلق كلنا ديول ولاموأخذة، ما نجيب كلاب بحق وحقيقى ونسيبهم فى الزقاق يوم كامل، وناخد كل أهل الزقاق ونروح على الأهرامات وهناك ندعى الملك خوفو إنو يسامحنا، ومنها برضو نكون فضينا الزقاق عشان الكلاب تمشى فيه براحتهم ومحدش يحس بحاجة، لاحسن لو أهل الزقاق عرفوا هتبقى مصيبة ومش بعيد يسيبوه ويهجوا لأى خرابة تانية وفى الحالة دى مش هنلاقى حد نفترى عليه يا سيد المعلمين. 
المعلم فاغرا فاهه بضحكة كشفت عن أسنانه النحاسية:  
لأ جدع يا واد يا بايخ، شكلك هتكون دراعى اليمين.  
وهكذا ألقى مسروع البايخ بحيلته الذئبية وخدعته المكيرة فى وجه المعلم نبوت وعلى مرأى ومسمع من جميع الحرافيش، وانفض المجلس على هذا النحو. 
وفى صباح اليوم التالى ذهب البايخ متسربلا عباءة زوجته وبرقعها إلى ضاربة الودع سواعد المشمشي؛ ليعرف منها حقيقة ما سبق وتحدث عنه المعلم نبوت بالأمس، فالشك يساوره فى أن هذا الأمر لا أساس له والخيال يغزوه بالثُّلث، على أساس إن «إشمعنا الفراعنة افتكرت مسلتها وهرمها بعد كل السنين دي»، ثم إن الكلام ده لا يخيل على عاقل وجميعنا يعلم أن المعلم فاقد بطاقة وفاقد عقل، وعُمرنا ما ضبطناه يوما ما يعرف فى أى شيء سوى القتل والإفتراء وبس.  
طرق مسروع البايخ باب سواعد المشمشي، ففتحت من فورها، وأسرع بالدخول حتى لا يراه أحد وينكشف أمره، ثم أزاح عن وجهه البرقع. 
سواعد بعد أن تنفست الصعداء: مسروع البايخ مالك يا راجل!؟ وايه اللى انت عامله فى نفسك ده؟! ولا يُكنش كلام المعلم نبوت عنك صح وانك.. متأخذنيش يعني، زيك.. زيى ههههه!؟
البايخ: سواعد يا مشمشى أنا مش مصدق حكاية الفراعنة دي، وديل الكلب اللى عايزة الزقاق كله يعلقوه ويمشوا بيه رايحين جايين يوم كامل، عشان ننفضح وتبقى سيرتنا على لسان كل الحوارى اللى جنبنا .. قوليلى الحقيقة وإلا.. 
نظرت إليه سواعد المشمشى وتابعت حركة يده التى دُست فى معطفه وأخرجت مِبْضَعًا، ثم أشهر إياه فى وجهها.  
البايخ: احكيلى كل حاجة بقولك وإلا هنسل جسمك تنسيل. 
سواعد المشمشى فى حالة هلع: طيب ابعد السلاح ده عنى وأنا هحكيلك كل حاجة. 
وأخذت سواعد فى الحكي: 
أمس جاء إليَّ المعلم نبوت طالبا قضاء ليلة حمراء، وبعد أن لعبت البيرة بعقله وتخمر تفكيره على إثر احتساء الكثير من الشعير، وجدت أنه آن الآون فى أن أتخلص من هذا المجرم التليد بعد أن سلب منى سابقا كل ما جمعته من مال وذَهب، من وراء عملى الشريف العفيف، وذلك بعدما أقنعته أن الزقاق مسكون والنجاة فى تلبية ما يطلب منه وإلا ستقوم العفاريت بدورها فى الزقاق وستخور حصونه وتتبدل أموره.
تعجب البايخ من ذكاء المرأة فى توريط المعلم نبوت، وإظهاره أمام حرافيشه وكل أهل الزقاق بأنه جُنَّ وطاش عقله، وهو ما نجحت فيه سواعد بالفعل، بعد أن رصد البايخ الحرافيش وهم يرون فى المعلم نبوت الجنون الذى لم يكن يتوقعونه، خاصةً وأنه يريد أن يلبسهم جميعا ذيولاً رجالاً ونساء، وصدق ما قالته له سواعد المشمشى وهى التى لا تألو جهدا فى البحث عن ممارسى الرذيلة مقابل زهيد النقود وأقلها، وهى أيضا التى لا تقول إلا أباطيل الكلام ولا تعد إلا بأفسد الوعود.
خرج البايخ متجها صوب ساحة الشلحجية بعد أن اتفق مع سواعد المشمشى على الإتيان خلفه حتى لا يشعر «نبوت» بما يُدبَّر له، بعد أن أقنعها بأن خلاصها من الأخير سيكون على يده وبقية الحرافيش الذين ضاقوا به ذرعا من سلاطة لسانه وكثرة سخائمه فلم يعودوا يطيقون له وجها أو يسمعون له حسا. وصل مسروع إلى الساحة فوجد أن الحرافيش موجودون كلهم عن بَكرة أبيهم كما وعدوه بالأمس، وهو الاتفاق الذى تم عقب دخول المعلم لمنزله بعد أن ارتابوا فى صحة عقله، ووسوس لهم مسروع البايخ بأن النجاة تكمن فى الانقلاب على المعلم ومن يتشدد له.  
لم يمضِ من الوقت الكثير على قدوم سواعد المشمشى التى عُرفت مِن دقات خُلخِالها النحاسي، ورنته التى لا يجهلها الحضور.  
مسروع البايخ: تعالى يا ست سواعد. 
جلس البايخ وسواعد والتف الجميع من حولهم، وبعد انقضاء ساعة من التحاور والتشاور والرفض والقبول.  
وافق الجميع على أن المعلم نبوت ملهوش عيش فى وسطنا بعد النهاردة ولا مناص من إجباره على النزوح خارج الزقاق، ولكن بعد أن تشيع سواعد المشمشى بين أهل الزقاق بأن هناك عملا فرعونيا جديدا لن ينفك عن الزقاق وأهله إلا إذا انفك المعلم نبوت الأول بعد أن يخلع كل ملابسه ويعلق «ديل كلب» فى مؤخرته.. وهو ما فعلته.  
وبعد يومين سمّع الخبر بين كبراء الزقاق وصغارهم ولا يخلو بيت من التمتمة والحديث عن المعلم اللى هيطلعوه الحرفيش عريان «ملط» بعد أن يعلق فى مؤخرته ديل كلب.  
وفى ظهر اليوم الثالث حاوط حرافيش المعلم سابقا ومؤيدو مسروع البايخ حاليا مترل المعلم نبوت، وطالبوه بالخروج ليحادثهم ويحادثوه. 
فخرج عليهم المعلم: مالكم يا حُثالة المناطق المعفنة؟! 
البايخ: أنت لازم تخرج من الزقاق يا معلم عشان تخلصنا من عمايل ولاد الأبالسة الفراعنة دول، خاصة بعد ما قالت لنا الست سواعد بإن العمل مينفعش نبِطلوا إلا بالراس الكبيرة يا كبير، وإذا كان على ديل الكلب فأنا جهزتهولك أهوه. 
إنزل بقى لأحسن دول ممكن يسخطوك يا سيد الناس. 
المعلم بوجه مكفهر: أنت بتقول ايه يابن الـ ....!!  
وهنا كشفت سواعد المشمشى عن نفسها وقالت: كلام مسروع البايخ كله صح، وانت لازم تخرج من هنا يا نبوت. 
ولمز البايخ رفاقه من الحرافيش، وأمرهم بأن يحضروه.  
فتبادر الجميع على المشاركة فى هذا المشهد الحصرى دون مهابة من النبوت، وخلعوا عنه ثيابه قبل أن يلبسوه ذيلَ الكلب، ثم ألقوا به خارج عتبة البيت، فارتمى مبطونا على الأرض مُحدثا ارتطاما قويا من فرط جسده البض، فعاجله مسروع البايخ بضربة من نبوت كان يحمله على ظهره، ثم وكزه بمقبضه فى مؤخرته وقال: دا النبوت يا معلم نبوت مش أنا. وتمايل الجميع بالضحك والسخرية، وارتفعت أصوات الزغاريد من نوافذ الزقاق، وبشر مسروع البايخ كل أهل الزقاق بأن «الحاجة الساقعة على حسابى النهاردة»، فصدح له الجميع بالدّعاء والشكر.

 

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة