مجدي أبو الخير
مجدي أبو الخير


مجدي أبو الخير يكتب: كريم.. أبدًا ما خان !

بوابة أخبار اليوم

الثلاثاء، 28 يوليه 2026 - 01:24 م

في سابقةٍ هي الأولى منذ تأسيسها (2002م)، وبعدد أصواتٍ (82) صوتًا من أصل (125) صوتًا، وخلال اجتماع في مقر الأمم المتحدة (الجمعة 24يوليو 2026م)، صوتت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية على عزل المدعي العام (كريم خان) من منصبه، على خلفية اتهاماتٍ له بسلوكٍ غير لائق تجاه إحدى موظفات فريقه. اتهامات أخذت تطفو على السطح فقط منذ نحو العامين، ولطالما نفاها كريم، مؤكدًا عدم ارتكابه أية مخالفة، ومن ثَم شروعه في الطعن على قرار الإقالة قانونيًّا. ومن جانبهم وفي وقت سابق وصف محاموه قرار الهيئة الإدارية للمحكمة الذى أفضى إلى إجراء التصويت ومن ثَم العزل بأنّه غير قانوني، وغير عادل إجرائيّّا، ولا تدعمه الأدلة.

وبعيدًا عن المعطيات والأدلة التي استندت إليها الدول الأعضاء في المحكمة، وكانت ربما سببًا في إقناعهم بتلك الاتهامات، ومن ثَم التصويت على قرار إقالة كريم خان إلا أننا ﻻ يمكننا بحال من الأحوال أن نطمئن إلى تلك الاتهامات أو أن نمرّ عليها هكذا بمعزلٍ عن مذكرة التوقيف الجريئة التي أصدرها كريم خان نوفمبر (2024م) بحق نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت لارتكابهما جرائم حرب وإبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة. مذكرة أقضّت من فورها مضجع الكيان عن بكرة أبيه، موالين ومعارضين، حدّ اتهامهم جميعًا للجنائية الدولية وقتها بأنها معادية للسامية، فلا تدري عندها لابيد من نتنياهو. قرار كريم الكريم هذا كان سابقة أولى في تاريخ الكيان أن يصدر بحقه مثله. هذا فضلًا عن كونه إقرارًا وبقرارٍ دولي قانوني وقضائي بأن ما يتعرض له الفلسطينيون إبادة جماعية وتطهير عرقي ليس وقت صدوره وحسب وإنما مدة عمر القضية، بالإضافة إلى أنه أتى وسيأتي رسميًّا على أكاذيب إسرائيل أمام شعوب العالم، والتي راحت تروّج لها آلتها الإعلامية العالمية منكرة كل ما يحدث في غزة والضفة، وحتى في طول فلسطين وعرضها، وحتى في لبنان وغيرها من فظائع وجرائم على يد هذا الكيان المجرم.

قرار عزل كريم خان لا يمكننا بحال من الأحوال أن نعزله عن تلك الهجمة الشرسة والمسعورة رسميّّا من قِبل حكومة مجرم الحرب نتنياهو، وحتى من قِبل كامل إدارة بايدن الصهيوني -كما صرح هو- ضد كريم خان وأعضاء الجنائية الدولية قبل صدور قرار الجمعة بالعزل، بإرهابهم وتهديدهم حال اتخاذهم قرارات تدين قادة إسرائيل؛ كان ذلك إثر إعلان دولة جنوب إفريقيا (يناير2024م) عن دعواها القضائية ضد حكومة نتنياهو أمام الجنائية الدولية لارتكابها جرائم حرب في غزة. حدّ وصف بايدن لمثل ذلك وقتها بالمشين، مؤكدًا أن لا مساواة بين إسرائيل وحماس، ومجددًا دعم بلاده المستمر للكيان، بل ذهابه أبعد من ذلك مدّعيًا عدم ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة. بل، إن مجلس النواب الأمريكي إبّان إدارة بايدن (يونيو 2024م)، والذي كان يقوده الجمهوريون، قد أقرّ مشروع قانون يحاكم الجنائية الدولية إذا أدانت أشخاصًا محميّين من أمريكا أو حلفائها؛ الأمر الذي عبر عنه (أنتوني بلينكن)، وزير خارجية بايدن، عن سعادة إدارة بايدن بالتعاون مع المجلس على صياغة ردّ مناسب على الجنائية الدولية، والتي تسعى إلى إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة إسرائيليين، وقد كان فعلًا. بل، ذهب الجمهوري (مايك جونسون)، رئيس مجلس النواب الأمريكي حينها، وممثل الشعب الأمريكي، إلى دعوة نتنياهو لإلقاء كلمة أمامه، وتم ذلك فعليًا (يوليو 2024م) وسط تهليلٍ شديد، وتصفيقٍ حار، وصفير لا ينقطع. السيناتور الصهيوني (ليندسي غراهام)، كاره مصر وحتى نفسه، يبعث هو الآخر رسالةَ تحذير إلى أوروبا من تنفيذ قرار الاعتقال هذا. 

قرار عزل كريم خان لا يمكننا بحال من الأحوال أن نعزله عن تصريح وزير خارجية ترامب إبستين (ماركو روبيو) (الخميس23 يوليو2026م) بأن المحكمة الجنائية الدولية تضم مجانين ومختلين عقليًّا، وإنه لمن ⁠المستحيل أن يُحاكم أي مسئول سياسي أو عسكري أمريكي أمامها؛ لأن أمريكا ليست من الدول الموقعة على معاهدة ‌إنشائها. مضيفًا: إذا أراد الناس التوقيع والانضمام إلى تلك ⁠المنظمة الغبية فليفعلوا، لكننا لن نكون جزءًا منها، ⁠ولن يتمكنوا من تطبيق ولايتهم ⁠القضائية علينا. مثل هذا الموقف الرسمي والشعبي الرسمي من قِبل الأمريكيين تجاه الجنائية الدولية ومدّعيها العام كريم خان وقراره باعتقال نتنياهو ووزير دفاعه غالانت باعتبارهما مجرمي حرب ﻻ يجعلنا نعزله عن قرار عزله اليوم؛ إذ إن قرار خان باعتقالاهما يفضح بالتبعية كل المواقف الداعمة للكيان على جرائمه في غزة والضفة، وحتى غيرهما، ماديًّا وسياسيًا وإعلاميًا إلى آخره من أوجه الدعم، وعلى رأسها أمريكا خلفيتها الإستراتيجية وعائلها الرَّءوم. قرارُ كريم الكريم، قرارٌ دوليٌّ يقطع في عميق فلسفته القانونية دون أدنى مواربةٍ أو تحليلٍ بمشاركة الدول الداعمة للكيان في تلك الإبادة؛ ومن ثَم لا ينزع عنها لباسها الأخلاقي والقِيمي والإنساني، والذي تتشدق به أمام شعوبها والعالم وحسب، وإنما ليسطرها ورسميّا أبد الدهر وخلود الزمان في أشد صفحات التاريخي ظُلمًا وظُلمةً وسوادًا كدولِ تطهيرٍ عرقي وإبادةٍ ولصوصيةٍ لمقدرات العُزّل والمقهورين.

قرار عزل كريم خان لا يمكننا بحال من الأحوال أن نعزله عن تلك الجهود -وفق أكسيوس- التي ساقها (جدعون ساعر)، وزير خارجية الكيان، لحشد الدول للتصويت على إقالته، أو حتى الامتناع أصلًا عن التصويت؛ ومن ثَم كانت فرحة كيانهم العارمة بعزله، ربما لاعتقادهم جهلًا منهم وغباءً بتوظيف ذلك للطعن في مذكرة الاعتقال التي صدرت بحق مجرمي الحرب نتنياهو وغالانت. وهو ما نفاه خبراء القانون؛ إذ ذهبوا إلى أن إقالة المدعي العام لا تعني إلغاء القضايا أو مذكرات التوقيف التي سبق أن باشرتها المحكمة؛ إذ تستمر الإجراءات القضائية وفق الأنظمة المعمول بها إلى حين تعيين مدّعٍ آخر.

بل، إن قرار عزل كريم خان لا يمكننا بحال من الأحوال أن نعزله عن تلك الهجمة المسمومة التي قادتها إسرائيل، وحتى إدارة ترامب نفسها، ضد الأمم المتحدة بمنظماتها وهيئاتها التابعة لها، ولا تزال، وعلى رأسها أمينها العام الأمين النبيل (أنطونيو غوتيرش)، الرافض -وفي خطواتٍ رسمية وقراراتٍ جريئة- لجرائم الكيان في فلسطين ولبنان وسوريا وغيرها؛ بدايةً بتفعيله وفي خطوة نادرة (ديسمبر 2023م) للمادة (99) من ميثاق الأمم المتحدة لتنبيه مجلس الأمن الدولي أن ما يحدث في غزة يمثل خطرًا على الأمن والسلم الدوليين، مطالبًا وقتها بوقف الحرب فورًا. ومرورًا بإدراجه إسرائيل (يونيو2024م) على قائمة العار، القائمة السوداء لقتلة الأطفال، رغم محاولات الكيان المستميتة وقتها لإثنائه عن قراره التاريخي، ورغم ما ناله هو شخصيًّا من سباب وإهانة.

قرار عزل كريم خان لا يمكننا بحال من الأحوال أن نعزله عن تلك الرسائل التي ربما أرادتها إسرائيل من عزله، وتريدها دومًا عن قصدٍ وتصيُّدٍ عند كلّ كَسْرةٍ، إقالةً أو استقالةً أو مصيبةً، لكلّ مَن تسول له نفسُه تحدّيًا لها، وخروجًا عليها، ووقوفًا ضد أطماعها كائنًا مَن كان، ولو بعد حين. في (سبتمبر2024م)، السابق على مذكرة اعتقال (نتنياهو وغالانت) أشار كريم خان إلى حجم الضغوطات والتهديدات التي كانت عليه من قِبل قادة دولٍ كبرى لإثنائه عن قراره هذا، إلا أنه وإحقاقًا للحق والعدل، وحفظًا لهيبة المحكمة وسمعتها دوليًّا تصدّى لكل ذلك؛ فكان قراره التاريخي باعتقالهما. والذي يدفع هو وحده ثمنه اليوم، ومن ثَم ستدفعه بعزله من سُمعتها المنظمات والقوانين الدولية. وفي الأخير، لكلّ إنسانٍ من اسمِه نصيبٌ -نتن مثالًا- إلا كريم؛ لمبادئه، وإنسانيته، ومهام منصبه، وما أقسم عليه، أبدًا ما خان.

 

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة